حين أطلق درويش صوته الوجودي حول المطلق والزمان والمكان، حول البداية والنهاية، وحيث (لم يبلغ الحكماء غربتهم كما لم يبلغ الغرباء حكمتهم) وحيث ( كلام الله عند الفجر أرض قصيدتي وأنا البعيد أنا البعيد) وحيث (لا شيء يوجعني على باب القيامة لا الزمان ولا العواطف. لا احس بخفة الاشياء أو ثقل الهواجس، لم اجد أحدا لأسأل: أين «ايني« الآن؟ أين مدينة الموتى، واين انا؟ فلا عدم هنا في اللاهنا... في اللازمان، ولا وجود). حين تساءل الشعراء والعلماء والحكماء عن الموت أو الابدية أو المطلق، عن الخلق والخليقة والخالق، عن التحولات في الطاقة، وعن تحولات الروح ما بين
عالم البداية، وما بين سجن الجسد، وما بين التحول الاخير في فضاء الابدية البيضاء. حين رصد الفيزيائيون نظرياتهم، واعلنوا نظرية (ما بعد الحداثة)، حيث تعيدهم الاسس الشاهقة إلى الاسئلة البدائية الاولى. وحين ارتحل المستنيرون الى اشراقة الروح، وهم يتركون اجسادهم في الفراغ وفي البياض. حين جابت كل الاساطير اسئلة البداية والنهاية. حين جاب الانبياء والرسل مشارق الأرض ليوصلوها بمغاربها واعلنوا الرسالة والوصايا وفوارق الخلق ما بين بشر همج وانسانيين، لتصعد الروح الى بارئها وقد تزكت من شوائب الهمجية الاولى، في كل ما اعلنوه من حدود واخلاق وقيم. حين تفكر الفلاسفة من بدايات التاريخ وفجره الاول والى اليوم، ونزعوا عن عقولهم زيف الوجود المادي البحت، ليدخلوا الابعاد الاخرى أو ما نسميه (الميتافيزيقيا) ليعلنوا في وصل الوجود، بداياته ونهاياته، مساراته وتحولاته، سؤال الفلسفة الاول عن الوجود الذي لايزال أول. حين يشع الوضوح اكثر فأكثر في (التأمل العميق) فيسفر عن وجه الغامض واللامرئي الا بالعين الثالثة أو عين البصيرة. حين يبحر العلماء في محاولات كشف لغز الروح وغموض العقل البشري وامكانياته وحدوده التي تبدو لا نهائية، وغير مقتصرة على ما يتعامل العقل معه في الوجود المادي فيعودون الى اللغز وحيث استخدامات امكانيات العقل لدى العباقرة لم تصل إلى نسبة 20% فأين بوصلة ما تبقى من العقل؟ وإلى أي جهة ينتمي؟ والى اي ابعاد بإمكانه السفر؟ وما وقع الحدوس الغريبة، أو التخاطر أو النبوءة أو قراءة الزمن؟ وما الزمان وما المكان، وما ارتحالات الروح في غياهب اللامرئي؟ وما الحلم حين تتجسد الأشياء والكائنات، ويتجسد الكلام والحزن والفرح والفزع والغموض والاحساس، فيما الحالم نائم على سريره لم يبرح مكانه أو يغادره؟ أين كانت إذاً تلك العوالم وكيف تجسدت مادة وواقعا واحداثا والى اي جهة تنتمي حتى ينبسط القلب من حلم جميل أو ينقبض من حلم كابوسي، فيشعره حين صحوه بالبهجة أو بالحزن أو بالفزع؟ من تراه من البشر اجاب عن كل تلك الهواجس والاسئلة وقد شغلت عقول العلماء والفلاسفة والشعراء والحكماء ليأتي بعض الاجابات في هذا الزمن؟ كيف نعتبر من يطرح السؤال في السؤال (ديماغوجيا) لمجرد ان عقل القاضي لم ينفتح أو يحاول الانفتاح على أسئلة الوجود والابعاد المتداخلة؟ لماذا يتم انكار أسئلة الوجود في الاديان واجاباتها وان كان بعضها غامضا حيث المخلوق لا يتسع عقله لاستيعاب سعة الخلق وقدرة الخالق؟ لماذا يتم انكار ان هذه المعرفة أمام العجز العلمي المادي عن حل معضلات كل الاسئلة هي معرفة ناجزة تكمل النواقص في الحلول رغم كل التطورات العلمية الفذة فإذا بالعلم عاجز عن معرفة العقل وحدوده وفضاءاته وآلية عمله، ومديات افقه ولا شيء بعد يوحي بفض ألغاز العقل أو الروح أو ماهية الوجود في تفاصيل التفاصيل؟ لأولئك الذين يعرفون بالبصيرة أكثر بكثير مما يعرفون بالبصر، سخرية السفهاء وردود الجهلاء، ولأولئك الذين يرتحلون بأرواحهم الى مشارف الابواب المنفتحة على الابدية ثم يعودون أكثر حيرة مما كانوا، بعد ان رأوا ما رأوا، فلم يستسلموا لغوايات المطلق وعادوا ينكرون بصيرتهم بأسئلة العقل الجافة، فليس لهم الا السفر مجددا حتى ينزعوا غلالات العقل واحجبتها فتكون بعدها الرؤية والرؤيا. لا شيء في كل ذلك مطلق الا المطلق نفسه وتتعدد فيه الاسماء فيما يرتحل الانسان نحو غاياته، فإما ان تصفو الروح وإما تتعكر ولا شيء أكثر يعكر الروح من أسئلة العقل المحدودة في كون لا محدود، وفي ابعاد لا محدودة، وفي لغزية وجود قد يرى النائم الشفيف بعض بعض تفاصيله، وقد يتعثر بسؤال العقل الجامد فلا يرى امكانيات هذا العقل الذي لو حرره قليلا من جموده ودخل صعوبة السؤال وامتحان البصيرة وارتحالات الحدوس لرأى اكثر، فلا السؤال عيب ولا الانفتاح على كل المعارف الوجودية ما بين العلم والدين خطيئة، فقد خلق الله الانسان ليتفكر وليتأمل وليراقب وليرى وليطرح الاسئلة... وليضع علامات الوصل بين كل المعارف ويضع النقط على كل حروفها لعله بعدها يتهجى بعض ما غمض على عقله، فيعرف بالروح وبقلبه ما لم يكن يعرفه ابدا من الاسئلة الجامدة والاجابات الاكثر جمودا.