Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
التجديد العربي - http://www.arabrenewal.org
وقال الرجل العجوز (2)
http://www.arabrenewal.org/articles/17808/1/aePCa-CaNIa-CaUIaeO-2/OYIE1.html
عادل العابر
كاتب من الأحواز 
 عادل العابر
نشر في 08/15/2008
 

لم أطرق الباب، فقد وجدته مفتوحاً ورأيت صديقى العجوز يتغدى في الحوش.
هتف بفم مملوء: تفضل من دون إذن، فأنت لست غريباً!
قلت ممازحاً: بل غريب، فأية صلة تربطني بك؟!
مسك اللقمة بيده اليمنى وقال: صلة العروبة، ألست عربياً؟!


وقال الرجل العجوز (2)

لم أطرق الباب، فقد وجدته مفتوحاً ورأيت صديقى العجوز يتغدى في الحوش.

هتف بفم مملوء: تفضل من دون إذن، فأنت لست غريباً!

قلت ممازحاً: بل غريب، فأية صلة تربطني بك؟!

مسك اللقمة بيده اليمنى وقال: صلة العروبة، ألست عربياً؟!

قلت وما انفككت واقفاً: بلى أنا عربي.

أردف ولم يضع اللقمة في فمه بعد: خلاص، فأنت إبننا.

ثم دعاني لأشاركه في الطعام، فشكرته وأضفت:

لم يحن وقت الغداء بعد، وأنا ملتزم بالتوقيت.

هم بالحديث ولكني أردفت قبل أن يتكلم:

الساعة لم تبلغ الحادية عشرة بعد... أتتغدى كل يوم مبكراً؟!

قال: نعم، ثم طلب من زوجته أن تضيف كأساً أخرى من المرق وخاطبني بكل جد:

لم أكمل حتى تشاركني... ورجع اللقمة التي كانت بيده إلى البادية!

أكلت من مائدته كي لا أضيع الوقت في التجاملات،

كانت أمامه بادية من الثريد وكأساً من المرق ولم أر أية ملعقة في الكؤوس فقد كان يأكل بالخمسة،

وكلما أكلت من الكأس التي أمامي فنقص مرقها، أضافها مرقاً من كأسه!

سألته بمزح مبطن بالجد: هل تريد أن تغديني وتعشيني؟!

قال: أنت شاب، يجب أن تأكل أكثر مني!

***

انتهينا من الغداء وطلبت منه أن يقص عليّ قصته الثانية،

فشرع رأساً بسردها وقال:

في زماننا آنذاك لم تكن السيارات كثيرة كما هي الآن، فلا أذكر أحداً من قريتنا ومن القرى المجاورة إمتلك سيارة،

ولا أنسى أبا مطرود الذي كان قد ركب في السيارة لأول مرة، عندما نقل لأهل القرية تجربته من ركوبها فقال:

سياقة السيارة ليست صعبة!

سألناه: كيف؟! وهل تعرف أن تسوقها؟!

قال بكل تأكيد: طبعاً! كل القضية وما فيها أن هناك (مطوى)(1) عليك أن تفره يميناً وشمالاً!!

قاطعته ضاحكاً فقلت: رأى أبي مطرود يضحك الجماد، إنما لدي سؤال:

لماذا كان العرب يسمون أبناءهم بأسماء ليست لائقة؟!

صب لي فنجاناً من الشاي وقال: إشرب فهذا الشاي ليس إيرانياً إنما أجنبي!... هل تشتم رائحته الطيبة؟!

ثم رشف من فنجانه الذي لم يمهله أن يبرد قليلاً وتابع كلامه فقال:

الموت في تلك السنين الرديئة لم يدع طفلاً إلا وأخذه من حضن أمه وتركها تلطم الخدين حزينة كئيبة، ففي تلك السنين السود لم يكن هنالك طبيب ولا دواء في القرى، ولا تستطيع الناس أن تأخذ مرضاها إلى طبيب المدينة حيث الطريق بعيد وقد يموت المريض في أثناء السير الوعر، ولهذا فإن الأمراض تنتشر بين الناس بسرعة البرق ويبقى المصاب في بيته حتى أن يبرأ من المرض أو يموت! ومعظم الأطفال الذين لا قدرة لهم على مقاومة الأمراض كانوا يموتون.

ويعتقد الناس الفقراء آنذاك لو أنهم سموا أطفالهم بأسماء ليست لائقة قد يعيشون!

ذلك لأنهم لا يلفتون الأنظار نحوهم فلا حاسد يحسدهم ولا موت يدناهم!

ولهذا السبب ترى أسماءاً غير قليلة كـ (مطرود) و(كلب) و(جرو) و(جحش) قد كثرت في تلك الحقبة السوداء.

فلنرجع إلى قصتنا:

كان الحمار يقدم لنا الخدمات التي تقدمها السيارة الآن... ينقلنا من قرية إلى أخرى أو من القرية إلى المدينة،

نحمل عليه المحصول من الصحراء إلى البيوت،

نحمل عليه الحطب للخبز وطهو الطعام،

يحمل أغراض وأطفال صاحبه إن عزم الهجرة من قرية إلى ثانية.

***

وخلاصة الكلام أن الحمار في وقتنا آنذاك لا يقل أهمية من السيارة في وقتكم الصاخب هذا، وعلى هذا الأساس كان حمدان يذكر أبناءه كل مساء ليروحوا حمارهم الوحيد الذي يحرثون عليه صباحاً ويتركونه يرعى الأعشاب في الصحراء عصراً.

وفي كل مرة عندما يذكرهم الشيخ المجرب بحمارهم، تثاقلوا منه وقالوا:

لا تكرر الأسطوانة علينا في كل يوم، فنحن نعلم أن حمارنا يسرح في الصحراء ويجب أن نروحه.

قال الأب متألماً: أخاف أن تنشغلوا عنه وتنسوه،

قالوا وفي نبرة كلامهم قلة من الرقة: تطمئن، أيعقل أن ننسى حمارنا الوحيد ونتركه في الصحراء؟!

امتعض الأب من كلامهم وواعدهم أن لا يعكر مزاجهم بتكرار الأسطوانة عليهم مرة أخرى.

***

وذات مساء ضافهم أحد أقاربهم فتلهى الأبناء معه حتى نسوا الحمار!

إحمر الأفق وغابت الشمس... ولم يتذكروه!

أذن المؤذن وصلوا... ولم يتذكروه!

تعشوا مع ضيفهم وراحوا يسطرون السوالف البالية... ولم يتذكروه!

والشيخ الموقر صامت لا يشغل باله إلا الحمار الذي كلما ذكر أبناءه ليروحوه تأففوا منه!

وعندما فرشوا الحُصر وتمددوا عليها وألقوا تحية المساء على بعضهم ليناموا،

قام الشيخ من مكانه ووقف عند مربط الحمار ثم نهق بصوت عال!

عندها هب الأولاد... لقد نسينا الحمار!

فركضوا نحو الصحراء وبحثوا عنه، فلم يجدوه،

لكنهم رأوا ذئاباً في الظلام الدامس تعوي على فريسة.... تبين أنها لحمارهم.

رجعوا بعدها خائبين إلى البيت وكان الشيخ واقفاً ينتظر رجعة الحمار،

فأطرقوا رؤوسهم خجلاً واحتبس لساناهما عن النطق!

ونظرات الشيخ تمطرهم بوابل من العتب والغيظ... دون أن تترجم حنقه الكلمات.

cdabcd

1- مطوى: شئ مدور يطوى عليه الغزل.