كاتبة من البحرين كل من كان وطنا في الوطن، وحياة حقيقية في الحياة، لا يموت. بل يبقى (الكوني) فيه محرضا على التشبث بالوطن والانسان. صوت (أحمد الكوني) وايقاع درويش المبكر فيه وفي اذاننا وفي القصيدة التي جعلت فلسطين، كما هي، أم البدايات وأم النهايات، وجعلت الكون متسربلا بقضيتها، داخلا فيها بقدر ما هي داخلة فيه،
كل من كان وطنا في الوطن، وحياة حقيقية في الحياة، لا يموت. بل يبقى (الكوني) فيه محرضا على التشبث بالوطن والانسان. صوت (أحمد الكوني) وايقاع درويش المبكر فيه وفي اذاننا وفي القصيدة التي جعلت فلسطين، كما هي، أم البدايات وأم النهايات، وجعلت الكون متسربلا بقضيتها، داخلا فيها بقدر ما هي داخلة فيه، لانها معترك كل المعاني والتناقضات والصراعات، ومنطلق الديانات السماوية الاولى، وصلة الوصول بالحضارات والاساطير، وهي تروي لعبة الاقدار في حياة الانسان، فإذا بتلك الاقدار تلعب لعبتها القصوى، في أرض أم البدايات وأم النهايات، وإذا بإنسانها الاسطوري يتطاول على الاساطير القديمة فيكملها بأسطورة جديدة، تلج كل المحكيات والمرويات، وتلخص صراع البشري الهمجي مع الانساني الباحث عنانسانيته وحريته في هذه الحياة، وكيف تتناسل المعاني، كما تتناسل المكابدات بين القاتل والقتيل، وبين الجلاد والضحية، بين الظلم والحق، وبين التمييز والعدالة، وبين الادعاء المزيف بالوطن واستلاب الوطن الاصيل من شعبه، ثم كيف يكون هذا الوطن (المدعى به من المحتل) وفي لحظة اسطرته القصوى هو اقصى الشعر، هو شعر الشعر، هو قلب الشعر، وكيف يتأتى للأسطورة الجديدة راويها والقابض على جمر نبضها، فيتجلى أكثر ما يتجلى في (درويشها) لتجعل منه شاعر الشعراء وسيد الكلمة، وفي كلمته يبنى وطن يسكن فيه المشردون واللاجئون والمحتلون في وطنهم وبعيدا عنه، مثلما يسكن فيه كل الحالمين والثائرين والباحثين عن المعنى والحرية. (درويش) هذا الذي لملم الافق كله في قبضة، ووضعه في دروب وتراب وسماء فلسطين الكونية، ليجعل سنابلها فائقة الاستفاضة حتى في موتها (فحبوب سنبلة تموت ستملأ الوادي سنابل)، وليجعل أرض المكابدات وتلاحم الاساطير هي أرض الحياة: (على هذه الارض ما يستحق الحياة على هذه الارض سيدة الارض أم البدايات، أم النهايات كانت تسمى فلسطين صارت تسمى فلسطين سيدتي، استحق لأنك سيدتي الحياة) (درويش) الذي انطلق من أم البديات ليصل بشعره وثقافته الى اقصى الكثافات الشعرية والثقافية والفلسفية، ورغم ذلك يصر على ان تصل تلك الكثافات الى أبسط الناس (قصائدنا بلا لون، بلا طعم، بلا صوت، إذا لم تحمل المصباح من بيت الى بيت، وان لم يفهم البسطاء معانيها، فأولى ان نذريها ونخلد نحن للصمت). درويش الذي استكان الى سلطة الشعر، فناهض المناصب الوزارية وناهض سلطة السياسة، ليخلص الى صوت شعره ووطنه فقال (ما أكبر الفكرة، ما أصغر الدولة، ما أوسع الثورة!)، هو ذاته الذي شعر بنكبة الانقسام الفلسطيني ما بين «امارة غزة وحاكمية الضفة الغربية« وقال (كم كذبنا حين قلنا: نحن استثناء، وقال (لكن كوابيسنا لم تزج بغزة في هذا المشهد، الى ان صحونا من الغيبوبة، على علم ذي لون واحد يصرع علما رباعي الالوان، وعلى محاولة (انتحار المعنى) علانية في الشوارع، وعلى أسرى بزي عسكري يسوقون اسرى عراة الى كاميرا النصر). (درويش) الذي كان لابد ان يرحل في موته بعيدا، ليعود الى ارضه ووطنه وقبره، كأنه يذكر الجميع في مهرجان وداعه: ماذا خسر الفلسطينيون، ليس فيه فقط، وانما في انفسهم، وهو يجمعهم من كل الفصائل ليودعوه كأنهم يستقبلون الشعر الذي فيهم. هل فعلا مات محمود درويش؟! هناك أناس لا تصدق انهم يموتون، ودرويش واحد من هؤلاء. لماذا؟ لانهم يكونون قد بلغوا غاية تحقق يتجاوز روتين الموت بكثير، تركوا خلفهم نورا يصعب ازالة ضيائه، فهو الضياء المنتشر في كل شيء وكل مكان. (درويش) الذي واكب نبضنا وذاكرتنا منذ الطفولة حتى الآن.. أيعقل ان تموت الذاكرة؟ عصي هو حتى على الوداع، فالوداع هو لشيء عابر قد مر فتركته أو تركك، فكيف بالذي توغل في الوجدان وصاغ العلاقة، يوما بعد يوم، بالقضية وبالوطن وبالتاريخ وبالشعر وبالحرية وبإنسانية الانسان؟ هكذا يترك (درويش) المساحة مكتظة به، ممتلئة بمعاني رؤاه وبشعره ومفرداته وكثافته الجمالية، فلا تشعر بأن من حقه ان يرحل، أو ان بإمكانه ان يرحل، فإذا رحل فعلا، فهو واقف هناك، منزو في زاوية من القلب والذاكرة، مطل من الافق يرمق مكابدات كان جزءا منها، لينظر إليها هذه المرة من بُعد آخر، يحدك كالبحر وكالسحاب، من الارض الى غابات الضباب الابيض الكثيف، كما قال حين عاش مرة في لحظة لقائه بالموت، طار فوق الافق خفيفا، وها هو يطل علينا الآن من هناك، بعد ان ترك الثقل لنا. هل وجد أخيرا اليقين في سؤال الموت الذي ارقه؟ هل حل اللغز وأدرك المجهول؟ كان لغزه الاول كيف يحمل بشعره فلسطين الى الكون، فحل المعضلة لتحمله فلسطين بدورها الى كل مكان. كان لغزه الثاني (البعد الكوني) في ذاته وفي شعره وكيف يصل الى مداميك ثباته وانتشاره، فحل المعضلة، حتى لم يعد مجرد شاعر كأي شاعر، صار شعرا في ذاته، وفي انقى مراحل الشعر وأعمق معانيه، وأكثر التباساته، وأجرأ حواراته، وحين كان في منفاه أو في وطنه، فلم ير النفي في ذاته فقط بل قال (العالم كله منفي الآن). وكان مجازه الشعري (ان يؤسس الوطن في اللغة، إذا تم نفيه في الواقع). وكان همه (ان انتصر على الموت في الشعر)، وهو يدرك ان الموت يهزم كل الفنون جميعا. وكان خوفه من الموت (لم أذهب الى الموت من منطلق ثقافي، ذهبت الى الموت لأن الموت جاء الي، دخلت الموت... هو ليس مخيفا، عبارة عن طيران على غيمة بيضاء، الصراع مع الموت هو المخيف). وكانت مفارقته (لا نكتشف الحياة الا من خلال الموت. خوفي من فقدان اللغة كخوفي من الموت، حين يفقد الانسان اللغة يفقد عناصر معرفته بالحياة). ولكي يهرب من العدم الثقيل كان يتساءل بحرقة (أين العرب من تاريخهم؟ لا اعرف ولا يعرفون) وكان يتأمل تأمل الغاضب على حال أمته (دائما نقول ان هذه اسوأ مرحلة نمر فيها. يبدو ان الهاوية أوسع من الفضاء بالنسبة إلينا. أنا متشائم على المستقبل القريب، ولكن على المستقبل البعيد انا متفائل. يجب ان نربي الامل، ولكن قبلها ان نعترف بالهزيمة، فمن لم يعترف بهزيمته فلن يبني نفسه من جديد). وكان همه الكوني طاغيا (لابد من عقل كوني يعيد الى الانسانية معناها. اننا نقفز من هاوية الى هاوية. لربما حين نصل الى قعر الهاوية سنفكر في الصعود). بعدها كان يدعو الجميع (ثقوا بالماء يا سكان اغنيتي). لم يكن شموخه الشعري شموخا عاديا، هو شموخ شعر الشعر في زمن اللاشعر. شموخ الرهافة في زمن القسوة. شموخ الشفافية في زمن الحجارة. شموخ الروح في زمن المادة. شموخ الحق في زمن اللاحق، شموخ الانسانية في زمن الهمجية. لربما رحل درويش، لكننا لم نفقده ولن نودعه، الا إذا فقدنا ذواتنا وودعنا انفسنا.