Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
التجديد العربي - http://www.arabrenewal.org
حتى لا تتراجع أجيال المستقبل
http://www.arabrenewal.org/articles/17795/1/IEi-aC-EENCIU-AIiCa-CaaOEPEa/OYIE1.html
د. علي محمد فخرو
شغل منصب وزير التعليم بدولة البحرين في الفترة من (1982-1995).
عمل سفيراً لدولة البحرين في فرنسا وبلجيكا وأسبانيا وسويسرا.
عضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية في دبي.
رئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
 
 د. علي محمد فخرو
نشر في 08/14/2008
 

ظاهرة المقاومة العربية تحتاج أن ينظر إليها من ألف زاوية وزاوية حتى يتمُّ استيعاب معانيها وإدراك وهجها الرمزي. فهي إضافة لكونها ظاهرة سياسية وجهادية بامتياز فإنها تشير إلى معاني ثقافية وتنظيمية وقيمية. ولذلك فإنها ظاهرة يجب أن تعيش وتقوى وتنتشر وتتجذًّر في الأرض العربية. دعنا تحديداً نتفحص المقاومة اللبنانية. في الساحة


حتى لا تتراجع أجيال المستقبل

ظاهرة المقاومة العربية تحتاج أن ينظر إليها من ألف زاوية وزاوية حتى يتمُّ استيعاب معانيها وإدراك وهجها الرمزي. فهي إضافة لكونها ظاهرة سياسية وجهادية بامتياز فإنها تشير إلى معاني ثقافية وتنظيمية وقيمية. ولذلك فإنها ظاهرة يجب أن تعيش وتقوى وتنتشر وتتجذًّر في الأرض العربية. دعنا تحديداً نتفحص المقاومة اللبنانية. في الساحة النضالية السياسية أثبتت المقاومة التي ظهرت من رحم الجنوب اللبناني أن الانتقال من الهامش إلى المركز والخروج من ظلام التخلف إلى وهج قوة العصر ممكن، وفي فترة وجيزة. فمنذ بضعة عقود كان الجنوب اللبناني منطقة ريفية بدائية يسكنها شعب مغلوب على أمره ومقموع من قبل إقطاعية مستبدَّة تزرع في أحشائه المرض والفقر والجهل. من هنا، فأن يستطيع تنظيم جاد منضبط خلال فترة وجيزة تجييش بشر ينتظمون في حركة سياسية - اجتماعية- قتالية قادرة على مقارعة قوى استعمارية وصهيونية عالمية وقوى عربية وداخلية متآمرة عليه، فان ذلك يعتبر إنجازاً لأنموذج في التربية والإعداد والممارسة السياسية النضالية يصلح أن يكون درساً للآخرين. وبدلاً من التفتيش عن نماذج أوروبية شرقية أو أمريكية جنوبية للتعلٌّم من تجاربها لا يحتاج المفكرون والسياسيون العرب إلى أكثر من زيارة للجنوب اللبناني ليكتشفوا أن إمكانيات فقراء العرب ومهمَّشيهم ومظلوميهم أوهج وأسطع من إمكانيات العساكر الخائفين والساسة المتردٍّدين وبخلاء النٍّعم السَّاهين.

في ساحة القيم الأخلاقية الإنسانية العليا دعنا نستذكر ما قاله البطل الشكسبيري هاملت من أن وهج الإصرار والإقدام لا تطفئه إلا الأفكار الشاحبة. من هنا فان الذين عششت في عقولهم أفكار اعتبار الهيمنة الأمريكية الصهيونية قدراً لا يمكن رده وبالتالي لا يمكن مقاومته، سواء أكان في لبنان أم فلسطين أم العراق، سيعتبرون إصرار وإقدام المقاومة اللبنانية نوعاً من الجنون والعبث. إن هؤلاء لا يستطيعون الإدراك بأن الله قد منح كل ذي عقل ارادة الإختيار بين الحقيقة وبين الإستكانة، كما يقول المفكر الأمريكي إميرسون.

والحقيقة هي أن هناك مشروعاً شيطانياً أمريكياً صهيونياً تجب مقاومته، وإلا فانه سيحرق الأخضر واليابس في كل أرض العرب. ذلك أن هناك كلمات من مثل مقاومة الأعداء ودحر الاستبداد وإقامة العدل لا تستطيع النوم ولا السكينة، وهي تحتاج أن تفعٌّلها دوماً قوى التضحيات الجسام في جسد الأمة، إلى أن يندحر الأعداء وتستعيد الأمة قدرها. والتضحيات التي تستفيد منها الأجيال تلو الأجيال هي التي تقف في أعلى قمم الأخلاق. ولذلك فان تضحيات أهل الجنوب اللبناني يجب أن لا تضيع هدراً. فلا يكفي الإحتفال بانجازاتها، وإنما تحتاج أن تدخل في نسيج روح الأمة. وهذه مهمة من مهمات المستقبل القريب والبعيد.

في ساحة الثقافة الرمزية يطل من هذه المقاومة الباسلة القول المأثور بأن سيرة حياة الرجال العظام تذكرنا بأننا نستطيع جعل حياتنا تسير في ذلك الدرب. وفي حياة قادة وناشطي المقاومة اللبنانية الكثير الكثير مما يجب أن يستوعب. إن كثيراً من هؤلاء ضحوا بسكينة حياتهم وبراحة عائلاتهم في وطن تنخره فكرة الخلاص الفردي. إن هؤلاء ذهبوا للقتال وهم يرددون كلمات شاعر أمريكا الجنوبية كاستيلوا: اليوم يا أماه، ونحن نقترب من مواجهة الموت بابتسامة عريضة، فانما من أجل ولادة الحياة، حتى لا تعاني أجيال المستقبل ما عانيته أنت يا أماه.

أما الأنظمة العربية، التي بخلت على المقاومات العربية حتى بكلمات التهنئة أو إبراز إنجازاتها على تلفزيوناتها الرسمية، بينما لم تبخل قط باستعراض قدرات الرئيس الأمريكي على القيام برقصات السيوف والرماح.... هذه الأنظمة يجب أن تفتح عينيها على وهج الحياة الذي فجرته المقاومة والتي لولاها لعم الظلام أرض العرب كلها.