كاتب مصري
تتسم الحركة الثقافية في مصر بالتنوع والغزارة. ورغم الضغوط الاقتصادية الحادة والتي بلغت مستويات غير مسبوقة، فإن الأمر لا يعدم ظهور مثقفين ومفكرين وكتاب يكافحون ليل نهار جرياً وراء الكلمة المكتوبة، والرغبة في التعبير عن ذواتهم وواقعهم المعيشي. واللافت للنظر أن الحركة الثقافية في مصر تشمل أطيافاً عديدة لا يمكن حصرها
تتسم الحركة الثقافية في مصر بالتنوع والغزارة. ورغم الضغوط الاقتصادية الحادة والتي بلغت مستويات غير مسبوقة، فإن الأمر لا يعدم ظهور مثقفين ومفكرين وكتاب يكافحون ليل نهار جرياً وراء الكلمة المكتوبة، والرغبة في التعبير عن ذواتهم وواقعهم المعيشي. واللافت للنظر أن الحركة الثقافية في مصر تشمل أطيافاً عديدة لا يمكن حصرها في طبقة بعينها أو شريحة اجتماعية محددة.
وهذا التنوع يثري الحركة الثقافية ويمدها بمصادر إبداعية مختلفة ومتعددة. ويبدو أن هذا التنوع وجد مصادر عديدة ومتنوعة للتعبير أقرب للغة الشارع الحية وامتداداً لها، إلى الحد الذي جعل البعض يكتب مباشرة بالعامية المصرية اللغة المحببة والمفهومة للشعب المصري.
وفي هذا السياق يمكن أن نتناول الكتاب البديع لخالد الخميسي «تاكسي، حواديت المشاوير» الصادر عن دار الشروق المصرية والذي وصل عدد طبعاته عشر طبعات خلال عام. يتناول الكاتب حكايات سائقي التاكسي في مصر. فالكاتب لديه تاريخ طويل في استخدام التاكسي في انتقالاته المختلفة عبر مدينة القاهرة وأحيائها المختلفة.
من هنا فهو يحتفظ بمخزون هائل وضخم ومتنوع عن حكايات سائقي التاكسي في مصر، ويقوم دوره هنا على نقل تلك الحكايات والعمل على الربط فيما بينها وإضافة قدر بسيط من التدخل والتحليل. فمادة العمل هنا أقرب لمادة البحوث الاجتماعية الميدانية التي تطلق العنان للمبحوثين أن يسترسلوا فيما يقولون بدون أية قيود أو أية محاذير.
تمثل حواديت السائقين مرآة بالغة الوضوح للحالة المصرية الآن. صحيح أن معظم سائقي التاكسي في مصر ينتمون للشرائح الاجتماعية الوسطى والمحدودة الدخل، إلا أن آراءهم تمثل انعكاساً واضحاً وجلياً للمزاج السياسي والاقتصادي في مصر.
غلبت على معظم حواديت هؤلاء السائقين الشكوى المتكررة من الضغوط الاقتصادية الهائلة التي يواجهها هؤلاء السائقون والتي تؤثر على حياتهم وحياة أسرهم. وتغلب على هذه الحكايات خفة الدم والطرافة.
فبعض هؤلاء السائقين كان يفند بالتفصيل دخله الشهري للكاتب ويحدد له المطلوب منه يومياً، وبشكل خاص مصاريف التعليم والأدوية، ثم يسأل الكاتب ببراءة أو بتحد عن الكيفية التي يوفق بها أوضاعه المادية ويواجه بها أعباء الحياة اليومية.
والكاتب لا يلزمنا بنوع واحد وثابت من السائقين؛ فمن يستخدم التاكسي في القاهرة عرضة ليقابل أنماطاً وأشكالاً شتى من البشر. فهذا سائق عجوز يقود سيارة متهالكة لا تقل عجزاً عن سائقها. وهذا سائق مهندم أنيق يهتم بتفاصيل سيارته ويحرص عليها.
وهذا سائق هادئ ورزين وحكيم. وهذا سائق حاد ينفث سموماً تصاحب دخان سيجارته التي يخاف الكاتب أن يطلب منه إطفائها تجنباً لما لا يحمد عقباه. ومعظم هؤلاء السائقين لا يملكون السيارات التي يعملون عليها، فهي ملك لآخرين، لذلك يكثر الحديث عن ورديات العمل وجدوى العائد منها مقارنة بالجهد المبذول.
إضافة إلى ذلك يكثر الحديث عن طول فترة العمل على التاكسي وعدم رؤية الأبناء إلا يوم الجمعة، وهى كارثة تواجه الملايين من أرباب الأسر المصرية الذين دفعتهم ضغوط الحياة الاقتصادية للبقاء فترات طويلة خارج البيت ومنعتهم من لقاء أبنائهم أو متابعتهم وتربيتهم.
لقد أصبح التاكسي بالنسبة للكثيرين في مصر وسيلة سهلة من أجل الحصول على وردية عمل جديدة، لذلك نقابل مع الكاتب الكثير من حملة المؤهلات العليا أو حتى الحاصلين على الماجستير ممن يغادرون أعمالهم الحكومية أو الخاصة ليبدؤوا وردية عمل جديدة خلف مقود التاكسي.
يبدوا هؤلاء السائقين على قدر كبير من الطيبة أو بشكل أكثر دقة السذاجة وهو يتناولون شؤون السياسة وأحوالها سواء في مصر أو في الخارج. فهم على وعي بالبنية السياسية في مصر لكنهم يتناولون مسألة الانتخابات بشكل مضحك، ينتهي غالباً بتأكيد رغبتهم في الابتعاد عن السياسة وعدم المشاركة السياسية. أحد هؤلاء السائقين كشف بشكل عبثي أن من يسجل نفسه في قوائم الانتخابات يمنح الحكومة فرصة مراقبته والتلصص عليه.
وتزداد مساحة السذاجة في التصورات السياسية حينما يتعلق الأمر بأميركا أو العراق. تبدو السياسة هنا أقرب لعقلية ابن البلد القائمة على الفهلوة والجدعنة والرغبة في المساعدة بعيداً عن أي فهم حقيقي ومتعمق للواقع السياسي العالمي وقضاياه المختلفة.
وعلى ما يبدو أن السائقين يتناولون السياسة من باب الثرثرة، وربما إثبات الذات أمام الركاب أياً كانت نوعيتهم، من هنا يبدو فهمهم السياسي ساذجاً وعبثياً. أما الجوانب الاقتصادية فهم أكثر إدراكاً لها لأنها تمسهم بشكل مباشر وتمس أسرهم ومستقبلهم.
من أهم الجوانب التي كشفت عنها تلك الحواديت هي حالة الحرمان التي تواجه هؤلاء السائقين، وتتسبب في تجريدهم يوماً بعد يوم من أبسط الحقوق الإنسانية مثل الحصول على غذاء جيد وعلى رعاية صحية مناسبة. يمثل كتاب الخميسي معزوفة من الشارع المصري مكتوبة بعرق الكادحين ولهاثهم اليومي من أجل مجرد الرغبة في الاستمرار في الحياة.
cdabcd