Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
محمود درويش: لم نفقدك ولن نودعك
 
يعود اليكم الموقع في حلته الجديدة راجين أن ينال رضاكم علماُ بأن أعمال التطوير قد تستمر لأيام قادمة ويسعدنا تلقي تعليقاتكم وأقتراحاتكم البنائه
 

الصفحة الرئيسية  |  عن الموقع  |  أسرة التحرير  |  الهيئة الإستشارية  |  إتصل بنا  |  مواقع  |  خريطة الموقع

ترسل المواضيع الى البريد الإلكتروني: editor@arabrenewal.com












 

 

 »  الصفحة الرئيسية  »  ثقافة وفنون  »  ملف خاص عن الشاعر الكبير محمود درويش  »  محمود درويش: لم نفقدك ولن نودعك
محمود درويش: لم نفقدك ولن نودعك
 فوزية رشيد | نشر  08/14/2008 | ملف خاص عن الشاعر الكبير محمود درويش
فوزية رشيد
كاتبة من البحرين 

عرض جميع مقالات فوزية رشيد
محمود درويش: لم نفقدك ولن نودعك

ترى ما شكل الذي رأيته وتراه؟! أي طلسم جديد تفتق أمام كثافة شعرك على نصال المعرفة بعد الموت، وقد كنت تحاوره بعمق في الحياة؟! هل وأنت في شفافية اليقين وقد دخلت ممر العبور الاخير، من دون رمز أو استعارة أو استفاضة، ومن دون كثافة اللغة ومكابدات الروح، ومن دون مصايد الكلمات الخارجة من محدودية الحواس، هو أنت كما كنت؟! وحيث أنت الآن في الخفة والكثافة معا، في العمق وفي الفضاء معا، في الشعر والشاعرية معا، في السؤال والجواب وفي اليقين اليقين، حيث لا شكوك هناك بعد، وحيث لا سؤال ولا لغز ولا غموض أو مجاهيل أبعد، أو لربما هناك مجاهيل أبعد... ماذا رأيت؟!

هل تركت السؤال لنا.. وتركت اللغز ضاربا بمجهوله في وجوهنا، فيما أنت تستريح اللحظة من عبء الجسد؟! لماذا تبتسم الآن؟! ألم تكن هي اسئلتك أيضا؟! ونسألك: هل من بلغ كثافة الشعر في روحه وهو في الحياة، حين يموت، يكون في الموت كغيره؟! أم ان لمراتب الكثافة والخفة في الروح والبصيرة والحدس فضاءات تختلف، تجعل المختلف فيها يعيش الموت بدهشة مغايرة، عن الذين كانوا أقل مهارة ودربة في اصطياد كثافة الشعور وكثافة الكلمة واللغة، طالما ان في البدء كانت الكلمة، وفي المنتهى تبقى الكلمة، وكل الديانات والاساطير والتاريخ كلمة؟! ونسألك: هل تلك الغيمة البيضاء وخفة الفراشة القادمتين من البعد المجهول أو البعد الآخر، كما وصفت في لقائك بالموت قبل ان تموت، هي ذاتها التي يطير بها كل مرتحل عن هذا العالم المادي المحسوس والمحدود؟! أم ان لفروقات الوعي وفروق اختبارات الروح، مذاقات اخرى مختلفة في البعد الآخر، ومن وعي الى وعي، ومن روح الى روح، حتى إن كان الفعل واحدا، هو فعل العدم؟! ما الذي تكتبه الآن، وأنت في الجهة الاخرى، وفي البعد الآخر لكينونتك، وأنت الذي لا تستطيع الاستمرار في اية كينونة من دون لغة؟! هكذا صرحت مرة حين اعتقدت انك بعد الجراحة الثانية قد فقدت اللغة. ثم هل وجدت أخيرا حلا للغز الالغاز التي حيرتك في شعرك وفي سؤالك وحيرت قبلك كل العقول؟! أم ان تلك النجوم التي اشعلتها في دروبنا، غفت بعد الموت عن اشعال دربك وتركتك في غموض آخر وربما أكبر، وحتما لا نعرف هذه المرة حتى ماهيته؟! درويش ماذا فعلت بنا؟! تركتنا خلفك بعد ان اصطدت من سمائنا طيورا لتطلقها في سمائك الاكثر رحابة وتعلمنا معها الطيران. تركتنا بعد ان غصت في مياه تاريخنا وأرضنا وذاكرتنا وانساننا، لتهدي لنا بأشعارك كلمات الخلود. لربما خذلتك (زهرة الخلود) كما خذلت (جلجامش) قبلك فقد خطفتها الحية، لكنك بقيت على عنادك، وأنت تحاور (أنكيدو) وتستلهم من عذابات جلجامش عذاباتك وعذاباتنا، بقيت على عنادك فزرعت الكلمات الصلدة لتبقى خالدة صِنو زهرة الخلود، مزهرة تهاود رؤانا وأحلامنا، كما تهاود قضايانا وأوجاعنا ومكابداتنا، وتلقننا دروب مصائرنا في المقاومة. كل الذين يرحلون لا يعودون ليخبرونا الاجابات عن الاسئلة المؤرقة لولا يقين الروح في الايمان. كنت تحاور الحياة في كل قصائدك، وكنت تحاور الموت أيضا بذات العنفوان. لم تكن شاعرا لقضية واحدة، بل كنت شاعر كل القضايا، حتى إن ارتبطت قضية فلسطين بصوتك وبإيقاعك وبرسمك للكلمات. حتى ان ارتبطت انت بها بالمشيمة السرية ناشدا من غيابها الحياة لك والحياة لنا. لكن أعجب ما صغته انك بكلماتك وأشعارك شكلت وطنا يوازي الوطن المغتصب وهو يغوص فيه وظللت تبني في بيوته الحلمية واحدا تلو الآخر، وفي انهاره وبحاره واشجاره، ولم تنس حتى فضاءه وضياءه وضبابه وسحبه. حتى إذا صعدت بالحلم الى الحلم، اتسعت فيك رحابة الانساني، وافاق الكوني، ليسجل صوتك نبض كل الارواح المغتصبة، وان كانت تعيش في اوطان قائمة من تراب. لم يستطع سجانك حبس الروح أو الهوية، فسجلت (أنا عربي ورقم بطاقتي خمسون) ولم يتمكن القاتل والجلاد من سلخ كينونتك، فتسامقت حتى وصلت برؤاك إلى عنان السماء.

يا محمود (الكوني)، يا من قطفت أجمل أزهار التاريخ والاساطير وعجنتها بالواقع والقضية والدم والنضال والاسئلة الصعبة، فشحذت في كل مرة، كبرياء الدم على السيف، وكبرياء الروح على العدم والفناء، وشحذت معهما أجمل ما فينا لنبقى ونغني ونحلم بالاوطان، فوق صهوة حصان طليق رسمته، فلم يشأ الركض على الارض ولكنه طار بأجنحته في غياهب الفضاء. يا درويش.. كيف نجرؤ على وداعك؟! هل بإمكاننا ان نودع الذاكرة أو الهوية أو الوجدان أو الحلم أو كلمات الفجر المورقة توعدنا بالندى وبنهوض الروح من ترابها وطينها، لتصبو نحو المستحيل طالبة بعض المساواة مع الآلهة كما قلت في احدى آخر قصائدك؟ هل بإمكاننا ان نودع وجدان أمتنا وشعرها وقلبها وقد أدركت في لحظة غياب، ما بإمكان الكلمات ان تصنعه، وما بإمكان الشاعر مثلك ان يفعل من فعل السحر فينا، حتى ركضنا لاهثين خلف الكلمات، لأن الكلمات لم تعد مجرد كلمات، لكنها اصبحت اقوى ما فينا، وأجمل ما فينا وما في بريق قلوبنا واشعاعات ارواحنا، ونحن المكبلون بالطلاسم وبسوآت القيادات البليدة، ونحن الجائعون الى الانعتاق من اسر بعد اسر، نتطلع الى ارواحنا المخفية، حتى إذا جلسنا صامتين نسمع صوتك، ونستمع الى الرخامة في كل كينونتك، أدركنا انه لم يكن صوتك، انما كان صوتنا وصوت هذه الامة، قادما من أدغالنا السحيقة لينبهنا، بعثه الله لنا في رسالات الرسل ورؤيا الانبياء وجواهرهم، وشعر الشعراء، الذين تجاوزوا سياق الكلام، ليجعل هؤلاء معا، الكلام صبوة وجنة وبلسما وزهرة، وسماء وبحارا وانهارا وفضاء. ليجعلوا الكلام حلما وحرية ووطنا وحصانا ينطلق رغم كبوته، وليجعلوه سموا وروحا وآفاقا، وليتجاسروا على قبضات كل جلادي هذا العصر، وليتجاسروا على غموض الموت وليجعلوا الكلمات توق الانساني فينا الى اجمل ما فيه وما في هذه الحياة، وليجعلوا كبرياء الشعر في وجه الحجر حتى نطق الحجر شعرا. فهل بعد هذا وغيره بإمكان أحد ان يسأل ماذا فقد؟! في الحقيقة لم نفقد شيئا ولن نودعك لأن شعر الشعر هو أجمل ما فينا ما بقينا وبقيت الحياة.


اضف تعليق
تعليقات


خيارات المقال