ذكرى ثورة 23 يوليو، التي تحظى كل عام بتغطية اعلامية عربية تستحقها، وتستحق فيها الاشادة بحلم القومية العربية، الذي حاول البعض مجافاته حتى كحلم، تبقى هذه الذكرى متأججة في وجدانات كل الشعوب العربية، لأنها ببساطة استطاعت ان تمس الحلم الذي لايزال قابلا للتحقق، لو توافرت الارادة العربية على مستوى القيادات، وحيث القوة العربية تكمن في وحدة شعوب هذه المنطقة، التي لا ينظر إليها الاعداء والاستعماريون وعلى مدار قرون طويلة، الا باعتبارها منطقة واحدة، العرب وحدهم يتعاملون مع انفسهم من منطلق الخلاف والتشرذم، ووحدهم لا يستفيدون من لغة العصر الجديدة التي لا تحترم الا التكتلات الكبرى. ولكن لأن الحلم هو البداية دائما، ولأن الافكار العظيمة والارادات الفاعلة تبدأ بالحلم، فان حلمالوحدة العربية، التي دعا إليها (عبدالناصر) وحرك من خلاله مشاعر كل الشعوب العربية، يجد اليوم امتداده الاصيل والحقيقي في المقاومات العربية، حيث حلم الوحدة كان مرتبطا دائما بمقاومة الاحتلال والتخلص من ربقة الاستعمار وبناء النهضة العربية على أسس التكامل والموقف الموحد من بؤر الاستهداف الخارجية. لم ترحل ثورة 23 يوليو كما يعتقد البعض، وانما بقيت مبادئ هذه الثورة واحلامها والكثير من رؤاها مشتعلة في قلوب الكثير من الشعوب العربية، وكامنة كالجمر تحت الرماد، تنتظر من يؤججها بالفعل الثوري الحقيقي في مواجهة أشكال الاستلاب الواقعة على الوطن العربي. خيط رفيع ومتين يربط اليوم بين المقاومات العربية وعلى رأسها المقاومة اللبنانية وبين ثورة 23 يوليو، خاصة في شقها المتعلق بالصراع العربي/ الصهيوني، وحيث تمكنت قوى المقاومة من انجاز انتصار مهم في هذا الصراع، لم يحلم به أحد في ان يتحقق بالكيفية التي تحقق فيها، خاصة في يوليو 2006، رغم كل محاولات التشويه التي يتم اسباغ المقاومة اللبنانية بها من دعوات طائفية بغيضة. زمنان هما متصلان ببعضهما بقوة: زمن ثورة يوليو الناصرية، وزمن الانتصار الذي قاده (حسن نصرالله). زمنان متصلان ويشكلان مفارقة في الوعي العربي المعاصر، رغم كل عوامل الهزيمة والانسحاق العربي الرسمي، ورغم كل اسهم الحقد التي تم توجيهها للناصرية في زمنها، ويتم توجيهها اليوم للمقاومة اللبنانية في عقر دارها وفي الدول العربية المحيطة، ومن كل عناصر وجهات السطوة الخارجية الاستعمارية. اختلاف في جهة معينة بين (الناصرية) ومقاومة (نصرالله) يتضح، ان ثورة الضباط الاحرار التي تحولت الى نظام دولة، مما جعلها تتسم بنموذج النظام الثائر، قد انداحت من زمن الخمسينيات حتى السبعينيات الى زمن الالفية الثالثة، لتكون المقاومة الشعبية ونمطية حرب العصابات، هي البديل الاستراتيجي للفشل الرسمي الذي اصاب بوهن النظم العربية الرسمية منذ كامب ديفيد في الصراع العربي/ الصهيوني، الذي للمفارقة لم تخف وطأته قط، وانما ازدادت ضراوة وتنوعا في اشكال الاستهداف، ورغم ذلك أو رغم الانتصار الذي حققته المقاومة، فالمقاومة العربية اليوم، يتم استهدافها من بعض ابناء الشعوب العربية في الداخل اللبناني وغيره من الاوطان العربية، ناهيك عن كثير من استهداف بعض النظم العربية لها. ولأن هذه الامة العظيمة، التي مهما تكالبت عليها المحن والفوضى والانشقاقات والفتن، فهي ولادة، تبتكر في كل زمن ما يساهم في تجلي الروح لديها، فإن كل الابتكارات المضادة لمفاعيل مقاومتها لن تجد الا نهوضا مجددا لتلك الروح تتجلى كل مرة بشكل جديد، كالعنقاء الخارجة من رمادها. ولعل الدوائر الثلاث التي دعا الى تفعيلها (عبدالناصر) ستبقى تصنع التحديات القصوى أمام هذه الامة، لأن الطريق الى تجسيد ذلك التفعيل ليس فقط من خلال الحلم والتشبث بالجنة النظرية، وانما من خلال لغة العصر ذاته، التي تؤكد ان حلم القومية العربية والوحدة العربية، هو الطريق الوحيد لكي يمثل العرب انفسهم في هذا العصر المتسارع الذي لا يعترف الا بالقوة والتكتلات طريقا لنيل المكانة ونيل الاحترام ونيل الحرية والاستقلالية. وفي هذا فان مشروع المقاومة العربية هو الخطوة الاولى لكسر الحاجز بين العرب وانفسهم، واثبات فاعليتهم وجدواهم في مواجهة عدو تغطرس طويلا، ولم يقنعه الا الاستلاب الكلي للعرب وثرواتهم وقدراتهم وعقولهم، وحيث (التنظيرات العربية الخائبة) التي لا تفلح في شيء الا في لغة الهزيمة العربية، هي الجهة التي تناهض روح المقاومة العربية اليوم أكثر من غيرها، باعتبار ان حلم الوحدة العربية حلم غير منطقي وغير واقعي. رغم انه الشيء الوحيد المنطقي والواقعي إذا أراد العرب اثبات وجودهم.