ترى ما الذي يبحث عنه السائح عادة؟ الطبيعة والبحر، والتعرف على عادات الشعوب، ونمط حياتها وشكل علاقتها بأرضها وتاريخها وما يمدانها به بروح الانتماء والجذور التي تظهر في تفاصيل شعبية فلكلورية أو رقصات أو عادات وتقاليد أو مراسم احتفاء بالطبيعة، ولربما يضاف الى ذلك، حين تكون الرحلة جماعية من خلال جهة سياحية، التعارف بين مجموعة الرحلة ونمط وأسلوب الترتيب السياحي في البلدان التي يتم اختيارها للسياحة فيها. حين وصولنا إلى سريلانكا أو سيلان أو (سردنيب) بحسب التسمية الشائعة والعربية، وحيث وضع (ابن بطوطة) اقدامه فيها قبل قرون طويلة، ليتم بعد ذلك بناء مسجد في إحدى القرى، التي نزل أول ما نزل فيها على المحيط الهندي، فان الجاذب الاكبر في هذا البلد هو الطبيعة الخضراء والبحيرات وجبال الشاي المرتفعة، وحيث وصلنا إلى قرية جبلية على ارتفاع 2000 متر في مدينة (نورا إليا)، وما بين مدينة (كاندي) كأول محطة سياحية ثم (نورا إليا) وبعدها منطقة (دامبولا)، كانت الاراضي الشاسعة كلها تحفل باخضرار الطبيعة والبحيرات، وبعضها الواقع على المناطق الجبلية كانت تحفل بالسحاب وبالبرودة المنعشة، حيث تتداخل الطبيعة ما بين مناطق تقع على المحيط الهندي مثل العاصمة (كولومبو) والمدن الساحلية ومناطق مزارع الشاي المرتفعة، ومناطق أخرى تحفل بالغابات مثل (دامبولا)، وزوارك الطبيعيون في بلكون الغرفة، هم من القرود ذات الاشكال الجميلة، بأحجام مختلفة. ورغم الثروات التي توفرها الطبيعة السيلانية فإن البنية التحتية فقيرة جدا في الغالب ماعدا العاصمة، رغم وجود الفنادق السياحية المعنية باستقبال السياح المتزايدين - كما يبدو - عاما بعد عام، والرحلة السياحية الجماعية لها ميزاتها مثلما لها بعض الجوانب السلبية، فمن ميزات هذه الرحلات النظام وتأمين الحجوزات والاقامة وترتيب برنامج سياحي للتعرف على أهم المدن والمناطق السياحية الذي وضعت له (المواسم للسياحة) برنامجا جيدا، ولكن في ذات الوقت فان التقيد بجدول زمني محدد للبقاء في الاماكن احيانا يأتي على غير رغبة السائح، حيث يفضل البقاء مدة اطول في مكان ما، فيضطر للمغادرة بسبب الجدول الزمني للتنقل بين المدن التي هي بدورها تقع في مدة زمنية محدودة لا تتجاوز الاسبوعين مما يجعل الارهاق رفيقا دائما لكل التنقلات عادة. وعودة إلى (سريلانكا) فان الطبيعة التي تضج بها كل اماكنها تجعل من بند الجماليات يفوق البنود الاخرى، وحيث الفيلة وعاملات مزارع الشاي، والجبال الخضراء الممتدة التي تعانق برهبة رذاذ السماء وسحابها وضبابها، وحيث طبيعة الشعب المسالمة والوطاويط المتعلقة على أشجار بعض البحيرات كثمرات سوداء معلقة، وحيث رفقة البحرينيين لبعضهم وكأنهم عائلة واحدة، وحيث الضحكات والمشاكسات والباص الجامع للوجوه جميعها، وحيث مصانع تعدين الاحجار الكريمة في (كاندي) ومصنع الشاي في (نورا إليا) ومصانع النسيج اليدوية الباهظة الثمن رغم بدائية تصنيعه، وحيث (بوذا) الذي يجلس تمثاله الكبير رابضا فوق أحد المرتفعات والمعابد البوذية المنتشرة في الجبال وفي كل مكان. (سردنيب) التي احتفظت بنكهة طبيعتها الفطرية الاولى، فلم تمس تلك الطبيعة يد التنسيق الا فيما ندر، عابقة بأجواء الطراوة الاولى والشلالات الصغيرة والمتوسطة وهي تخترق صخور الجبال مطلة على الزمن وكأنه الزمن الاول، الذي يحتفي بزواره ليقول لهم (هكذا كنت منذ البداية والى الآن)، وحيث يختلط الفقر ويمتزج بوجوه الفقراء في شوارع المدن الضيقة والبدائية، خارج العاصمة ليعلن حجم الفساد والنهب المنظم المعتاد في اكثر الدول ولكنه في هذه المرة في بلد الشاي وجوز الهند والطبيعة الزاخرة بالباباي وانواع الفاكهة الغريبة الاخرى وبلد التماثيل والحرير والمصنوعات اليدوية الكثيرة. ومن الاشجار والجبال والمرتفعات والغابات الى بحار (المالديف) وجزرها المتناثرة على مساحة بحرية هي جغرافية البلد، ليمتلك المطار وحده جزيرة خاصة به، قريبة من العاصمة (مالي)، وسريعا كان الانتقال عبر البواخر السياحية الصغيرة الى (جزيرة الفردوس) ليذكرنا نحن البحرينيين ببحرنا الذي كان يوما ما لامعا ومترقرقا حين كنا اطفالا نعشق السباحة فيه واللعب برماله. جزر مليئة بالأشجار وشاليهات سياحية قريبة من الساحل أو فوق أعمدة مغروزة في البحر، ولكن لا شيء يستحوذ هنا على الروح والجسد غير البحر، وأسماكه المرئية وبوضوح في مائه وأسماك القرش الصغيرة التي كما يبدو تهوى اللعب على السواحل الضحلة، وتصادق المصطافين وهم يشاركونها ماء (المالديف) إلى جانب الحياة المرجانية التي ترى جزءا منها عبر غواصة سياحية. ذكرتني المالديف كثيرا بجزرنا التي كانت ثلاثا وثلاثين جزيرة منتشرة على مياه الخليج، ولأن بحارنا لم نعد نراها الا في احلامنا، حيث نتذكر باستمرار لعب الطفولة فيها، فان (المالديف) كانت قريبة ببحارها إلى القلب، وكأنها تعيدك إلى الطفولة المفقودة، وحيث بالامكان مجددا اللعب مع الماء وكائناته السابحة في صفائه، فلا تفعل شيئا هناك سوى الاستمتاع بماء البحر، الرابض عند حدود الغرفة الساحلية أو الشاليه حتى الشبع فيما البواخر المتوسطة تزحف بتؤدة من بعيد، لتذكرك بأن البحر ليس بحرك وأنك مجرد سائح جاء لزمن قصير، يستعيد ذكريات شواطئ وطنه على مبعدة آلاف الكيلومترات فتتولد في غمرة الفرحة بالبحر، غصة تذكرك. أن بلدك بدوره مجموعة من الجزر كانت صاخبة، وكانت مشعة وكانت متاحة، وكانت جزيرة بل مجموعة كبيرة من الجزر كالمالديف ولكنها لم تعد كذلك ونسيت حضور البحر فيه، الذي تم حرمانك منه لأسباب كثيرة يعرفها الجميع. حينها أيضا يتولد سؤال لافت: لماذا يسافر البحرينيون الى المالديف وبحرهم كان يشبه بحرها كثيرا؟ ولماذا يدفعون المبالغ الباهظة إذا فكروا في البقاء أكثر من عدة أيام هناك رغم ان بلدهم جزيرة ايضا؟ إنه عشق البحر بعد الحرمان منه، الذي جعل من ذلك الحرمان مؤثرا قاسيا على الانسان البحريني، الذي كان لآلاف السنين لا يعرف الا البحر الذي يشبه بحر المالديف، ولا يعرف إلا العيون العذبة، ومزارع النخيل ومشاتل الزرع التي لو بقيت أو بقي بعضها على حاله، لما احتاج إلى التصرف بجوع سياحي نحو اماكن الطبيعة وجهات البحر.