Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
التجديد العربي - http://www.arabrenewal.org
الاحتلال التعاقدي
http://www.arabrenewal.org/articles/17602/1/CaCIEaCa-CaEUCPIi/OYIE1.html
د. عبد الحسين شعبان

ولد في مدينة النجف الاشرف (العراق) في / 21 أذار (مارس)1945، درس وتعلّم في النجف و بغداد، وتخرج من جامعة بغداد (من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) و استكمل دراسته العليا في براغ حين نال درجتي الماجستير والدكتوراه (مرشح علوم) في القانون(دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية) واختص في القانون الدولي ( من اكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية).
أكمل دراسته العليا في العام1976 -1977 انشغل بقضايا حقوق الانسان منذ وقت - عمل باحثاًعلمياً ونشر العديد من الكتب والمؤلفات في ميادين القانون والفكر والسياسة الدولية وحقوق الإنسان والاسلام والثقافة والأدب منها : النزاع العراقي – الايراني-، الإنسان هو الأصل - مدخل الى القانون الدولي الإنساني ، الصهيونية المعاصرة و القانون الدولي – المدينة المفتوحة - مقاربات حقوقية حول القدس و العنصرية ، - أمريكا و الإسلام ............

 
 د. عبد الحسين شعبان
نشر في 08/8/2008
 

بعد تجاذبات كثيرة عراقية وأمريكية حول مستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن استقر الرأي حول ابرام مذكرة تفاهم ثنائية بين البلدين تجيز للقوات الأمريكية الاستمرار في العمليات العسكرية داخل العراق، لاسيما إذا انتهى التفويض الدولي في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2008 والذي سينشئ فراغاً قانونياً لا بدّ وأن يتم املاؤه باتفاق


الاحتلال التعاقدي

بعد تجاذبات كثيرة عراقية وأمريكية حول مستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن استقر الرأي حول ابرام مذكرة تفاهم ثنائية بين البلدين تجيز للقوات الأمريكية الاستمرار في العمليات العسكرية داخل العراق، لاسيما إذا انتهى التفويض الدولي في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2008 والذي سينشئ فراغاً قانونياً لا بدّ وأن يتم املاؤه باتفاق بين الطرفين يحدد طبيعة ومسؤوليات القوات الأمريكية الموجودة في العراق.

وإذا كانت القوات الأمريكية قد احتلت العراق من دون تفويض قانوني من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، فإنها عادت و"قننت" احتلالها و"شرعنته" بصدور القرار 1483 في 22 مايو/ أيار 2003 الذي اعترف بها وقوات "التحالف" باعتبارها قوات محتلة، وصدرت قرارات من مجلس الأمن حددت وظيفتها بما فيها القرار 1500 و1511 و1546 (الذي قال انه يعيد السيادة للعراقيين 8 يونيو/ حزيران 2004) والقرار 1770 (الذي أكد توسيع دور الأمم المتحدة)، وبانتهاء مهلة القرارات الدولية سينشأ فراغ قانوني لا بد من تعويضه بتعاقد جديد بين واشنطن وبغداد، أي تحويل الاحتلال من عمل عسكري مفروض إلى اتفاق سياسي "مقبول" بموافقة الطرف العراقي.

ولعل مثل هذا الاشكال القانوني يثير تداعيات قانونية أخرى، فهل ستكون مذكرة التفاهم بين الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي معاهدة ملزمة، أي اتفاقاً دولياً ملزماً، أم انها ستحدد إعلان مبادئ أو نوايا، يضاف إلى إعلان المبادئ الذي تم الاتفاق عليه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2007؟ وبهذا المعنى ستكون حجيته القانونية أدنى من معاهدة أو اتفاقية دولية ملزمة طبقاً لمعاهدة فيينا حول "قانون المعاهدات" لعام،1969 الأمر الذي سيترك تأثيراته على العلاقات العراقية الأمريكية حاضراً ومستقبلاً.

وإذا كان توقيع مذكرة تفاهم يعبّر عن رغبة الطرفين، فلعل الرئيس بوش لا يريد أن يعرض الاتفاق "المعاهدة" (مذكرة التفاهم)، على الكونجرس، وبعد موافقته فإن عليه استحصال موافقة مجلس الشيوخ أيضاً، لأن هذه الآلية معقدة وعويصة لاسيما ضمن الظرف السياسي الحالي واتساع رقعة المعارضة لسياسته بشأن غزو العراق واستمرار احتلاله، خصوصاً بسبب فشلها من جهة والخسائر البشرية والمادية التي مُنيت بها القوات الأمريكية من جهة أخرى. كما أنه قد لا يحرز النتائج المطلوبة بموافقة المجلسين، خصوصاً وهو في أواخر أيام حكمه، ولهذا سعى للالتفاف على هذه الآليات تجنباً لعدم تمكنه من إمرارها، واستعاض عن المعاهدة الدولية، باتفاق توقيع مذكرة تفاهم ستكون مقيّدة بهذا المعنى للرئيس القادم الذي سيحل محلّه في البيت الأبيض أياً كان جمهورياً (ماكين) أم ديمقراطياً (أوباما).

وتلتقي رغبة المالكي رئيس الوزراء العراقي، هي الأخرى مع رغبة الرئيس الأمريكي بتوقيع مذكرة تفاهم بدلاً من معاهدة طويلة الأمد، حيث أثار النقاش والسجال حول المعاهدة شجوناً كثيرة لا في البرلمان حسب، بل في الشارع العراقي وبين القوى المشاركة في العملية السياسية وخارجها، ولهذا فهو يلجأ إلى خيار مذكرة التفاهم بدلا من خيار المعاهدة، لاسيما بعد أن أنزل سقف المطالب من جدولة الانسحاب إلى حديث عن أفق لجدول زمني، وهو كلام انشائي وغير قانوني، وقد يكون لا معنى له، الأمر الذي جعل حجم المعارضة للمعاهدة وذيولها وتداعياتها يتسع، خصوصاً أن نصوصها المقترحة لم تنشر حتى الآن ولم يتعرّف العالم إلى المفاوضين الرسميين بصورة نظامية، الأمر الذي أثار تكهنات كثيرة حولها، لاسيما أن ما قامت بنشره بعض الصحف وما تسرب من بعض المسؤولين هو الذي جرت مناقشته بشكل عام، وهو خطير بكل معنى الكلمة.

لعل ابرام معاهدة دولية حسب الدستور الأمريكي يتطلب تصويتاً بنسبة الثلثين في مجلس الشيوخ الأمريكي حسب ما تقرره المادة الثانية منه، في حين أن الرئيس بوش أرادها اتفاقية تنفيذية، ليس من الضرورة عرضها على الكونجرس، والاكتفاء بأن تفويض الأخير كان قد حصل عليه الرئيس بوش عشية شن الحرب على العراق عام،2002 إضافة إلى القرارات الدولية التي منحت تفويضها في وقت سابق ولا تزال مستمرة إلى نهاية العام الجاري، حتى وإن حاول الرئيس بوش توظيفها بادعاء محاربة الإرهاب الدولي وتنظيمات "القاعدة"، وحسب المادة الأولى من الدستور الأمريكي فإن الاتفاقيات الدولية تتطلب أغلبية المجلسين (النواب والشيوخ)، في حين أن المذكرة هي بيان أو إعلان للنوايا أو المبادئ، وستكون الزاميتها أقل من المعاهدة من الناحية القانونية.

وبما أن الرئيس بوش يرفض تجديد التفويض الأممي من مجلس الأمن الدولي الذي يوفر الأساس القانوني لوجود القوات الأمريكية، فإن الأمر سيؤدي إلى نشوء حالة فراغ قانونية سعت واشنطن لاملائها بمذكرة تفاهم رئاسية، وذلك مقدمة لتعاقد طويل الأمد مثلما عكست النصوص التي تم النقاش عليها بشأن المعاهدة المقترحة والحصانات الممنوحة والقواعد العسكرية المقترحة وغير ذلك، إذ لا يمكن أن تبقى القوات الأمريكية من دون سند قانوني، لاسيما من جانب القوانين الأمريكية التي تنظم ذلك، علماً بأن الرئيس الأمريكي يعتبر القائد العام للقوات المسلحة.

لقد سعى الرئيس بوش إلى توصيف مذكرة التفاهم باعتبارها مذكرة خاصة، وليست معاهدة بحيث يعطي غطاء قانونياً مؤقتاً لوجود القوات الأمريكية في العراق، رغم أن تصرفه هذا لا يتوافق مع الدستور الأمريكي، إذ لا توجد سوابق حسب علمنا قبل ذلك، تذهب إلى حد استخدام القوة من دون أخذ موافقة الكونجرس.

وإذا كان هذا الالتفاف على الدستور أمريكياً، فإنه هو الآخر عراقي، فالدستور العراقي الذي تم الاستفتاء عليه في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2005 رغم التحفظات عليه، ينص على أن الاتفاقية الدولية ينبغي أن تحظى بموافقة البرلمان، في حين ان مذكرة التفاهم سيتم التوقيع عليها بشكل أحادي من جانب السلطة التنفيذية ورئيسها نوري المالكي.

ولعل في الأمر ثمة عدم تكافؤ وإخلال بمبدأ الإرادة الحرة، لاسيما عنصر الإكراه حسب معاهدة فيينا حول قانون المعاهدات المشار إليها، ويضاف إلى ذلك عدم تحديد جدول زمني للانسحاب وإنهاء الاحتلال، ولكن ثمة "ايجابيات" حتى وإن كانت غير مقصودة، حيث يمكن لرئيس الوزراء القادم أن ينقض المذكرة أو يتنصل عنها، مثلما يمكن للرئيس الأمريكي المنتخب أن يتخلى عن المذكرة لأنها تتعارض مع الدستور، الأمر الذي سيعيد المسألة إلى المربع الأول، وهو توصيف العلاقة التعاقدية بين البلدين وطبيعتها، فضلاً عن ذلك سيضع القوات الأمريكية، إضافة إلى مستقبل العراق مجدداً امام تحديات خطيرة.

ومن زاوية أخرى فإن انتهاء القرار أو التفويض الأممي من دون بديل شرعي مقبول وواضح، يمكن أن يحرك دعوات قانونية ضد الوجود الأمريكي في العراق لاسيما استخدامها القوة، فضلاً عن أنه سيثير قلقاً لدى القوات الموجودة من دون غطاء قانوني، وهو الأمر الذي سينعكس أمريكياً على مسألة تخفيض القوات تمهيداً لجدولة الانسحاب لاسيما إذا فاز أوباما الذي أعلن عن نيته في تحقيق ذلك، ورغم أن ذلك سابق لأوانه، لكنه في كل الأحوال لا يعني تخلي واشنطن عن أهدافها في العراق الذي تحتله حتى الآن.

ولذلك فإن البعض يسعى إلى تمديد التفويض الأممي لستة أشهر وإعطاء الرئيس الأمريكي الجديد فرصة للتفاوض على اتفاقية تنقل الاحتلال إلى تعاقد طويل الأمد بوجود قوات عسكرية، الأمر الذي من المشكوك فيه أن يحظى بموافقة عراقية لاسيما من طرف الشعب العراقي، حتى إن حصل على موافقة الحكومة والبرلمان. ولعل ذلك سيكون إحدى القنابل غير الموقوتة والتي قد تنفجر في أية لحظة.