الطريق المسدود بين اليسار والقومية العربية
بالمنطق التجريدي يمكن لكل من يريد، أن يبدو وكأنه على حق. فالتجريد هو منطقة اللغة الحرة، والفرق "الضئيل" بين الشكل الثابت للمفهوم ومضمونه المتغير. ولا تعدو أهمية هذا الفرق "الضئيل" أهمية الفرق بين السمكة البلاستيكية أو المحنطة والسمكة التي تسبح في النهر. وأشهر أمثلة هذا المنطق هو جدول الضرب. فهو دوغما توافقية مطلقة التبني لأنها حيادية بالكامل تستعمل مجانيا في الحسابات دون أن تكون لها أية علاقة بسعر البضاعة، أو مضمونها الاجتماعي أو ميزاتها الإستهلاكية أو حتى شكل عملة الدفع. وللتوضيح أكثر فإن المنطق التجريدي هو منطق الوجود الشكلي، الذي لا وجود له في حركة الوعي الواقعية. بعبارة أكثر وضوحا هو جدول الضرب التحرري الذي ظل اليسار العربي اللا قومي يستعمله في تقييم أسعار البضائع التحررية المتخيلة التي كان يبيعها لنا في سوق السياسة. قومية × نظام= فاشية. قومية × تنمية اشتراكية= برجوازية. قومية × تنمية بشرية= شوفينية. قومية × تحرير= مغامرة كارثية. قومية × مركزية= ديكتاتورية. قومية × عدالة= عنف... قومية × أي شيء= معاداة التحرر.
قالت الماركسية - ربما سهوا- بأنه على حركة الوعي لا يوجد مفاهيم محايدة. لأن المحايد هو المطلق، أي غير الموجود فعليا. ألمفهوم، هو وجود اجتماعي تاريخي وجدلي قيد التحول، لذلك لا يمكن استعمال منطوقه استعمالا مجانيا، غير مرتبط بسياق الواقعة العيني في زمانها ومكانها الموضوعيين. وأن شرط المفهوم الجدلي أن يكون جزءا من حركة الواقع بملابساتها الظرفية لكي يصبح طرفا موضوعيا فيما هو قيد البحث. بدون ذلك فهو "دوغما" لإجماع أخلاقي أو علمي توافق تجريدي يقاس عليه في الفكر المجرد، مثل جدول الضرب كما سبق.
أحب أن أنوه أن الفذلكات الإنشائية التي أوردتها، مثل جدول الضرب التحرري، أو معترضة "ربما سهوا"، هي لمصلحة الموضوعية أكثر مما هي لمصلحة السخرية من انغماس اليسار العربي في العربدة التنظيرية، لتبرير هوس العداء السياسي للقومية العربية. ودافع السخرية هو أن اليسار العربي - الحزبي خاصة- كان يشبه إلى حد بعيد مجندي العامة الذين كانت الخلافة التركية تسوقهم إلى الحرب بدون تدريب. هكذا فعل بهم اليسار العالمي الإستشراقي، الذي جندهم على مشارف الغزو التحرري القومي اليهودي لفلسطين، بعد دورات تدريبية سريعة، ليقيموا أحزابا شيوعية في العالم العربي. لذلك كان وعيهم النظري قريبا جدا من وعي البروليتاريا الرثة، ووعيهم السياسي قريبا جدا من الكمال. أي أن كل ما كان يفصل بينهم وبين الأمية التحررية هو فن المغالطة السياسية.
تنقسم تدرجات الوعي في الماركسية إلى أربعة مستويات:
1- وعي الوعي النظري للماركسية، الذي يحقق التزام الوعي في حقل الممارسة النقدية والعملية.
2- وعي النص كدليل نظري للالتزام أو المخاطبة الأكاديمية.
3- التزام النص المدرسي كوسيلة لتدريب القيادات والكوادر الحزبية.
4- الالتزام بالنص كشعار خارج دائرة الوعي النظري.
المستوى الأول، غير موجود قطعيا على الساحة العربية. والدليل هو انعدام الأسماء العربية المعترف بها في هذا الموقع. فعلى سبيل المثال لا يوجد أسماء عربية لامعة في التأسيس النظري النقدي كغرامشي مثلا.
أما المستوى الثاني فهو مقصور على نخبة من المثقفين ليست قليلة، ولكنها غالبا تقيم في ساحة الثقافة الحرة وليس في ساحة الالتزام أو العمل الحزبي. كما أن هناك سياحات نظرية كثيرة ليست جدية أو مقنعة يؤديها بعضهم.
ألنموذج الغالب على اليسار العربي النشط حزبيا، هو الإنتماء إلى المستويين الأخيرين. لذلك نحن عندما نتكلم عن اليسار العربي النشط، فنحن نتكلم عن ظواهر تلمذة حزبية وافدة من مدارس اليسار العالمي الماركسي، في بداية تحوله نحو الليبرالية، وبداية الاختراق الصهيوني لحركات اليسار العالمي، في أعقاب الحرب الثانية.
كانت تلك الفترة، هي مرحلة الشعوذة الإعلامية لأمريكا والصهيونية في التمهيد لتنفيذ أجنداتهما المشتركة. كانت إمبرياليات أوروبا المثخنة تلعق جراحها المادية المتمثلة في الدمار والقتل، وجراحها المعنوية المتمثلة في المحرقة الأوروبية النازية. أما الحليف المعادي السوفييتي فقد بدأ معارضو ستالين من ليبراليي الشيوعية، يشدون الوعي العام نحو ديموقراطية العالم الحر. وفي أثناء ذلك كانت أمريكا والصهيونية تعدان الرقى الإعلامية للإجهاز على الوجدان السياسي القومي لكل الإمبرياليات الأوروبية المهزومة بدون استثناء. وقد اعتمدتا في ذلك على مفردات الذاكرة الجريحة للحرب، للطعن في المفهوم القومي عموما، الذي أنتج الفاشية والنازية. أسماء العلم تحولت إلى لعنات قومية أبدية، في الإعلام، فتحول إسم العلم الحركي للقومية الإيطالية والألمانية معجميا إلى شتيمة سياسية، وخدش أخلاقي غائر في جبين أي نظام قومي أينما كان ومهما كانت أهدافه. صارت اللفظة المعجمية، في الإعلام السياسي للحليفين الأمريكي والصهيوني، صواتة سحرية مكتظة بالإيحاء، مثل "ديلكم" أو "شمهورش" في طقس من طقوس الشعوذة، يمهد لسيكيولوجية العولمة، وإلغاء عوائق الوجدان السياسي لأنظمة الهوية التي تعترض المشروع. فالعلاقة بين لفظ الفاشية، وشجب النظام القومي إطلاقا هي مثل علاقة الأفعى بمزمار الحاوي. فالفاشية إسم تنظيمي معجمي وليس إسما لنظرية اجتماعية شاملة. ولكن أمريكا والصهيونية نجحتا في اللعبة التخييلية، إلى درجة أن كل حركات اليسار الأوروبي صدقت كذبة "غوبلز" الأمريكية الصهيونية، وتبنت الفاشية كشتيمة إيديولوجية عامة. وحينما جاء موفدو اليسار العالمي إلى المنطقة العربية كانوا يحملون معهم رقية "الفاشية" التي تحمي التحرر من أفعى القومية.
كل دول أوروبا الإمبريالية كانت نسخا قومية متماثلة تماما في عصبيتها القومية. والصراع بينها وبين الفاشية والنازية كان على أساس جشع الإستئثار البريطاني والفرنسي بالمستعمرات، والذي ولد حركات "تحرر إمبريالي" داخل الإمبريالية، وأدي إلى ظهور إشكالية المحاصصة بالزي القومي بالطبع. فهذا هو زي الصراعات البشرية منذ الأزل وسيبقى كذلك. فكل الحروب بما فيها حرب أمريكا على العراق، جرت وتجري تحت مظلة حماية المصالح القومية والأمن القومي. فكيف أصبح كل نظام قومي عربي "فاشيا" بالإيطالية؟!! لماذا لا تكون له نسخته الخاصة العربية؟ لماذا لا يسير في صف دول "الخير القومي" مثل دول الحلفاء، ويحكم عليه سلفا بأنه سيكون نسخة عن "القومية الشرية" لدول المحور؟ "الفاشية والنازية" بالمعنى الرقيوي "والمعجمي أيضا، لا يمكن أن تكون إحداهما مولودا عالمثالثيا في دول تعرج نحو التحرر القومي. إنهما ميزة مجتمعات الغنى والقوة والنهب والإستشراق المولع بتصنيف البشر إثنيا. أي أنهما بحاجة موضوعيا، إلى رحم غربية بالتحديد لتولدا منها. أما الأنظمة القومية العربية فقد كانت بحاجة إلى يسار عربي موفد، يخون وطنه، فتعاقبه لتصبح "فاشية"، ويتم اغتيالها بإجماع دولي ديموقراطي على هذا الأساس، كما حدث للناصرية والبعثية.
من أصعب الأمور مناقشة المغالطات المكشوفة. لأنها زائفة العلاقة أصلا بالموضوع. وأرجو ألا يظن أحد يقرأ هذا النص، أنني أتكلم من موقع سجال نظري مع اليسار العربي النشط، فهو في واد والمفاكرة في واد آخر. ولكنني أحاول فقط أن أطرح وجهة نظري كقومي، في نوع العلاقة التي فرضها اليسار العربي على القوميين العرب، لكي أبين أنها تلغي موضوعيا أي شكل من أشكال التواصل الفكري أو السياسي معه وقوميا وأخلاقيا. يجب أن ينظر إليه على ضوء التجربة، في مواقفه الحالية، وفي مأثوراته التاريخية منذ تأسيسه، أنه يشكل خطرا قوميا مباشرا. وأنه عدو للتنمية القومية بكل تفاصيلها كما أثبت دائما. لقد عزل نفسه بالعداء لكل قضايا شعبه القومية والوطنية، ويجب عزله قوميا ووطنيا. ما تقبله موضوعية المصلحة القومية في معركة تحرير حاسمة على مستوى الوجود، هو حركات تحرر ويسار بمركزية التزام قومي، وبشروط حركة التحرر القومي كمنطلق نحو التنمية التحررية بالتحرير أولا. وحاليا يجب كشف حالة اليسار اللاقومي على الساحة الجماهيرية، للفت النظر فقط إلى مغالطاته ودوره التخريبي على مستوى الالتزام القومي، وإثبات أن الأحزاب الماركسية في العالم العربي كانت أحزابا سياسية بالكامل، وجزءا من المعركة على التنمية القومية للشعوب العربية، ولم تكن أبدا أحزابا إيديولوجية. كانت الإيديولوجية تستخدم أحيانا لتنزيه الماركسيين عن الخطأ أو الخيانة السياسية بطرافة عالية المستوى. فقد استغرب أحدهم أن يقوم نظام قومي بتوجيه تهم أمنية لمجموعة يسارية، كان أفرادها "بدون شك - أعداء للاستعمار بدون هوادة". على أساس هذا التصنيف النوعي للتنزيه لا يجوز اتهام القساوسة والشيوخ والدايلامات بالتحرش الجنسي، فالأمر مستحيل "نوعيا". وبالمقابل على أساس الشجب النوعي فإن أحد "مناهضي الليبرالية" التروتسكيين العرب، وهو ذو قامة يسارية بارزة في محافل اليسار العالمي، يقول أنه يجب تكوين مروحة من كل الأوساط المناهضة لليبرالية بما فيها الدين وباستثناء القومية.
لا أسمح لموضوعيتي أن تزعم أن التجربة القومية كنظام، تختلف في سلوكياتها الأمنية عن أي نظام آخر. إنها نظام يحارب أعداءه بقسوة الخصم، مثل كل الأنظمة. الفرق بين الأنظمة ليس فرقا إجرائيا. إنه فرق في طبيعتها الاجتماعية. كل نظام يصنف أعداءه بمقياس يوافق طبيعته الاجتماعية، التحررية أو الرجعية أو العميلة أحيانا. وفي ذات الوقت لا تسمح لى الموضوعيه، اعتمادا على مرجعية التجربة، أن أعتبر النظام القومي مقياسا شريا للطغيان والعنف، كما يصر اليسار اللا قومي، وأن صدام حسين مثلا من ناحية، وأمريكا من الناحية الأخرى يقتسمان المسؤولية كفرسي رهان عن سياق العنف الدموي الدائر في العراق. الصحيح الوقائعي يقول أن اليسار الماركسي والدين السياسي هما اللذان يقتسمان مسؤولية الجريمة مع أمريكا بالتآمر المباشر. إن ما جرى هو عودة على نموذج تحالف اليسار الماركسي مع الدين السياسي والمخابرات البريطانية ضد القوميين العراقيين قبل نصف قرن. مما يؤكد مدى مثابرة وانغماس اليسار في العداء لكل ما هو قومي عربي؟ وهو حر في ذلك مهما كانت دوافعه، ولكن على اليسار العربي أن يقبل العرف العالمي في حق دفاع الأنظمة عن نفسها، خاصة حينما تصل التضحية التحررية بالبعض درجة الخيانة السياسية للوطن. واليسار الإستشراقي الموفد هو المؤهل موضوعيا للنموذج "الفاشوي" بحكم تخرجه من دورات التدريب اليسارية في الغرب. ولكن الفصل الموضوعي في هذا الشأن هو للوقائع التي تؤكد كون النظام الناصري في مصر، والبعثي في العراق هما - بغض النظر عن تعدد المواقف ووجهات النظر- أعظم ما حدث لنا كشعوب عربية في تاريخنا المعاصر على كل المستويات السياسية والاجتماعية والتنموية والتحررية. هذه الجزئية الموضوعية للإنجاز القومي والوطني العربي، قياسا على تجاربنا ما قبل وما بعد الزمن القومي، وملابسات العلاقة المزرية بالآخر التي نعيشها اليوم، وبذاءة التجربة مع "اليسار" العربي الوافد، هي التي تحدد انحيازنا، بمنطق التجربة، إلى أن أي مشروع نهضوي تنموي عربي يجب أن يكون بالقطع الموضوعي والتجريبي مشروعا قوميا ينتمي يساريا وتحرريا إلى قواعد الحركة الاجتماعية العربية ووعيها الملتزم، وليس إلى موفدي اليسار العالمي المجهولي الالتزام والهوية، الذين يحتكرون المعرفة النظرية للتحرر، ثم يتبين لنا بعد ذلك أنهم موفدون من مراكز العداء الإمبريالي الغربي للمشروع القومي العربي، أو متقاطعون معها بالمصلحة الفئوية.
ودعونا نسترجع بكل الألم دور اليسار العربي تساؤليا فقط، لأننا نحن المدانون أولا، ولأن إدانة الغير في حالات العجز لا تفيد شيئا. ما يفيد هو وعي تجربتنا المهينة والمكلفة قوميا مع اليسار العربي والعالمي، ولا نعود إلى منهج الإرتجال في علاقتنا بالأخر. إذا أتيح لنا فرصة قومية أخيرة، فسنخسرها مرة أخرى إذا لم نتبع منهجا فاشويا تحرريا يؤكد على قومية التوجه والمصلحة الاجتماعية لشعوبنا. لذلك دعونا نسأل ولا نجيب بصوت عال:
1- اعتبرت الأحزاب الشيوعية العربية، حركة التحرر القومي اليهودي - لن أضع أقواسا- رزمة تحررية واحدة، كوادر وفصائل وقيادات. في حين اعتبرت "المعارضة الفلسطينية" جبهات تقودها الرجعيات المحلية التي هي المسؤولة عما لحق بالشعب الفلسطيني المضلل من تشريد.
2- لم تركز على ظاهرة الهجرات اليهودية إلى فلسطين، في حين قامت بدور أساسي ومعلن في حق هجرة اليهود في الدول العربية إلى فلسطين.
3- أكدت على الطبيعة الاجتماعية للصراع بين اليهود والعرب في فلسطين. واختصرت الإشكال الوطني إلى إشكال "التعايش بين الشعبين.
4- عشرات من افراد اليسار العالمي استشهدوا في صفوف الهاغاناة. ولم يستشهد شيوعي عربي واحد في صفوف الفلاحين الذين كانوا يهبون للدفاع عن قراهم ومزارعهم.
5- وقعوا على وثيقة "استقلال" الجزء المنهوب من فلسطين التاريخية باعتبار أن المهاجرين اليهود هم الفلسطينيون الذين حرروا فلسطين من البريطانيين.
6- ساهموا بدور فاعل ومعنوي في اغتيال التجربتين القوميتين في مصر والعراق. في العراق دعوا وشاركوا فعليا إلى تحرير الشعب العراقي من فاشية النظام القومي.
7- قيادات الأحزاب الشيوعية في إسرائيل وسوريا والعراق ساندت حركة تحرير شمال العراق البرزانية لإقامة إسرئيل كردية وقامت بدور مباشر وتحرري نشط في هذا المجال. ولا زال الحزب الشيوعي العراقي المستكرد يعيش بأجندة تحرر مقتصرة على تمزيق العراق. والعرقية، التي كانت تثير هلع اليسار الماركسي فيما يخص العروبة أصبحت بندا من بنود التحرر عند غيرهم.
8- لا توجد حركة انفصال عرقي في الوطن العربي، لا يعتبرها اليسار العربي والعالمي حركة تحرر! وهو لا يخفي ولهه بأصلانيات الأقليات في البلاد العربية، كديناميات تفتيت في الوطن العربي.
9- لم يتحرش الشيوعيون العرب في تاريخهم بالدين السياسي، وتحالفوا معه أكثر من مرة في الدول القومية لاغتيال النظام أو التمهيد السياسي لاغتياله.
10- لم يكن، ولا يوجد الآن أجندة تحررية للأحزاب الشيوعية العربية على ساحة القطريات العربية، قياسا على أجندتها السياسية المكتظة على الساحة الإقليمية.
لماذا؟
لم يثر العالم العربي اهتمام حركات التحرر العالمي، إلا على مشارف الشروع بالجانب التنفيذي للمشروع الصهيوني في فلسطين، وبداية مشروع "الإستقلال" في الوطن العربي. وأهم الأسباب هي أن العالم العربي ظل بعد تقسيم تركة الرجل المريض محمية استعمارية وصهيونية من ناحية، وأن الوعي العربي الموروث خلافيا كان يحتاج بعد زوال الخلافة، إلى فترة نقاهة ممتدة قبل الشروع في تسييسه من ناحية أخرى. ولكن المشروع الصهيوني في فلسطين، فرض حالة من التسييس المبكر على بلاد الشام والجوار المصري والعراقي المحاذي، امتدت عربيا فيما بعد لتشمل كل القطريات العربية بمستويات متفاوتة. وأنشأت الصهيونية الكيان الأردني كمنشاة حراسة وفصل جغرافي مع العراق على الصعيد الإجرائي، وكثفت الهجرة، وبدأت باصطناع مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية مسبقا، وفي هدوء تحرري تام.
كان هناك إجماع سياسي غربي من القمة السياسية والثقافية إلى القاعدة، على دعم "الحق اليهودي القومي" في فلسطين. وكان هذا أمرا مفهوما تماما على مستوى القمة السياسية كشريك مؤسس في المؤامرة الإمبريالية. ومفهوم جيدا على مستوى "القطعان الغربية" لأكثر من سبب تلقيني ومزاجي ووعيوي مموه. فماذا عن قواعد التحرر واليسار الماركسي في الغرب؟
لم يترك المشروع الصهيوني طويل المدى أية فراغات للتقييم السياسي أو الثقافي أو الوجداني العابر على ساحة الغرب، بما يخص الوطن القومي لليهود. لقد عملت الصهيونية النخبوية على إحاطة مشروعها بطابع إنساني وتحرري وحقوقي ورومانسي. وكانت رومانسية العمل الإشتراكي أو الجماعي اليهودي في فلسطين تبدو وكأنها القاسم التحرري المشترك للكادحين اليهود مع الماركسية. هذه الرومانسية التحررية، أصبحت لدى اليسار الماركسي والماركسوي الغربي المخترق صهيونيا حتى العظم، هي المرجعية النظرية للتقييم على صعيد العلاقة بين المستوطنين اليهود وشعب البلاد الأصلي في فلسطين. لقد حيدت أي عوامل اشتباه في الوعي اليساري، حول كون الصهيونية حركة تحرر قومي. لم يكن الرأسمال اليهودي صهيونيا في نظر اليسار الماركسي الغربي. كان الصهيوني هو يهودي كادح ومضطهد خارج مباشرة من الرواية التاريخية المحزنة. لذلك كانت الصهيونية حركة تحرر اشتراكي يساري بدليل أن كوادر حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، كانت مؤلفة من الكادحين، ومثقفي اليسار اليهودي الذين عملوا جنبا إلى جنب في الزراعة واستصلاح الأراضي البور وقدموا أول تجربة "كولخوزية" ناجحة خارج الإتحاد السوفييتي. وأصبح من تحصيل الحاصل أن وجودهم هناك سينقل معه رياح التحرر إلى فلسطين والمنطقة عموما، ويمهد للاختراق الماركسي لشعوب المنطقة المتخلفة. على هذه الخلفية للرفاقية التحررية المشتركة بين اليهود والعرب، قام اليسار الغربي بأولى حملاته التحررية على شكل أحزاب ماركسية عربية بقيادات موفدة رشحتها الصهيونية بنفسها. وكان أول مبادئ الالتزام العملي لهؤلاء الموفدين هو إقامة علاقات رفاقية مباشرة مع الشيوعيين اليهود في فلسطين. كان خالد بكداش في سوريا وسليمان اليوسف في العراق وتوفيق طوبي وشموئيل ميكونس وموشه سنيه في فلسطين يشكلون قيادة إقليمية واحدة للأحزاب الشيوعية في المنطقة. وكانت أهم بنود الشراكة هي محاربة الرجعية والفاشية، أي الدين والقومية، ونشر المقولات التحررية في التعامل مع الصهيونية.
ظل اليسار العربي بقصوره الأخلاقي والفكري والعقلي أحيانا، مخلصا لمهمته حتى اليوم، رغم أن النتائج على صعيد الرفاقية المشتركة كانت مخزية ماركسيا وتحرريا. كان اليسار العربي الماركسي مخلصا على صعيد العلاقة الرفاقية إلى درجة أخوة السلاح، ولكن الرفاق اليهود فقط هم الذين ماتوا شهداء، أما هم فلم يحصلوا حتى على تعويض مجزي عن نضالهم "التحرري"، سوى جائزة إسرائيل الأدبية كبدل تقاعد تحرري.
ويساريو اليوم، العرب، بوصفهم ورثة للعفوية التحررية لمن سبقوهم، هم أيضا مجموعة ظواهر ثقافية للإيدولوجيات اليسارية على اختلاف مرجعياتها النظرية في الغرب، إلى درجة أنهم يؤاخون سياسيا عند الحاجة، بين المثالية الغيبية والمادية العلمية، كما يفعل ممثلو الإفلاس الفكري الحداثيون في ديموقراطيات الاستبداد الطبقي والرأسمالي. فهم يقرأون التحرر جيدا ولا يقرأون تاريخه إطلاقا. وللإنصاف، فإن لديهم محفوظات تحررية لا بأس بها، ولكنها كما قلت بدون تاريخ، إي محتجزة قيد اللغة، وليس قيد حركة التجربة والوعي المرحلي. لذلك لم يستطع اليسار العربي الجديد، حتى الآن، تكوين لافتة تحررية موحدة من أية قضية اجتماعية أو سياسية حاسمة على المستوى العربي، ما عدا ما يختص بمسألة العلاقة بإسرائيل. فهذه الإشكالية، علاوة على كونها جزء من الموروث التحرري لقدماء اليسار العربي، فإنها بالأساس إشكالية استشراقية غربية على كل المستويات، ولذلك فهي تدخل في دائرة تخصصهم التحرري بقوة. هناك شبه إجماع بينهم على منطوق هذه اللافتة، وهو أنه لا مجال إلا لحل تحرري في فلسطين، وأن أي طرح تحريري هو انحراف نحو الفاشية، لأنه لا يمكن الجمع بين التحرير (العنف) وبين التحرر في جدلية واحدة. والمقصود بهذا أولا، هو أن الحل القومي غير وارد أبدا حتى على أسس تحررية. وهذا يشكل أيضا شبه إجماع مشترك مع الليبرالية الرسمية واليسار الغربي، على أن المقاومة والتحرير تحت أي شعار قومي هما عنف إرهابي. والسبب في هذا التوافق، هو أن شدة وطأة الانعكاس الثقافي للوعي الأصولي الغربي عليهم، تنعكس على لا وعيهم مباشرة. فخطر قضية الانبعاث القومي العربي والإسلامي هي جوهر عقيدة الإستشراق العنصرية في السياسة والفكر والثقافة العامة. وقد ظل الوعي الإستشراقي الغربي هو أهم مكونات البنية الاجتماعية للغربي التي شكل الإشتشراق فيها عامل تقييم الذات المميزة، اعتمادا على التطابق التام مع النقيض الشرقي الأسطوري والهمجي. ولم يكن حتى بوسع ماركس نفسه أن يتملص من وطأة هذا الأساس البنيوي في تناوله للعينة الاجتماعية الشرقية، بوصفها عديمة الشخصية تحرريا، ولا مناص للتطور والحركة فيها من أن تكونا انعكاسا لحركة التاريخ الاجتماعي الغربي عليها. واعتبر أن الاستبداد الاستعماري الغربي هو الدينامية الوحيدة القادرة على اجتثاث أصلانية الاستبداد الشرقي. ومنطقيا لا بد أن تصبح هذه المقولة الإستشراقية بامتياز، جزءا من لا وعي تلامذة اليسار الإستشراقي الغربي من العرب، يفصل بينهم وبين أصلانيتهم الاجتماعية ويصبحوا هم أيضا مستشرقين من عيار متدن. أما بالنسبة للعدو التحرري الثاني الدين، فهناك إجماع تلقائي قاتل على رفضه تحرريا، دون أن يعني ذلك رفضه في التحالف السياسي ضد القومية، خاصة التيار الدينوي السياسي الليبرالي، لأن البند الأول للوعي هو وجوب تدارك الخطر القومي بكل الطرق الممكنة. كل ما هو ضدي وعنصري وغرضي وتحقيري في ثقافة الكل الإستشراقي الغربي تجاه العرب والإسلام كديانة "معربة"، انعكس في لا وعي أي يسار عربي تحرري، على شكل وعي ثقافي تحرري سيكيولوجي يتحفظ تحرريا من أية أهلية تحررية لشعوبهم العربية. وفي حين أن الحركات القومية التي قامت على أنقاض الشيوعية، في روسيا وولاياتها السوفييتية القديمة، وأوروبا الشرقية، هي حركات غير تقدمية الآن على الأغلب، إلا أنها غير ناقصة الأهلية للتغيير والتطور نحو التقدمية والتحرر، ويجب مقاربتها والعمل على جرها نحو مناهضة الليبرالية والرأسمالية، حتى من جانب الطائفة التروتسكية المتشددة يساريا. هذا الثمن المعتدل سياسيا للتصنيف التحرري القومي: مناهضة الرأسمالية والليبرالية فقط لا غير، غير وارد في شروط المناقصة التحررية مع القومية العربية، فإنها غير مؤهلة لإنتاج حركة اجتماعية سليمة العواقب على مستقبل التحرر، بدون ضبط هيئات تحررية رسمية لتلك الحركة. هناك بنود أخرى للمناقصة مع الشعوب العربية. وهي كلها مكونة من محفوظات تحررية ثابتة معجميا، لا سبيل للتفاوض بِشانها:
1- التحرري العربي هو الماركسي اللينيني اللا قومي فقط.
2- لا يشمل بند الالتزام أعلاه الستالينية لأنها مثلت انزياحا قوميا فاشيا.
3- الطروحات القومية العربية أخطر من الدين، لأن لها مستقبلا فاشيا مؤكدا، بينما لا مستقبل سياسي حقيقي للدين، ولا يشكل خطرا ممتدا على التحرر.
4- الاعتراف بأنه لا حل تحريري للقضية الفلسطينية، لأنها بطبيعتها قضية تحرر، أي إشكالية داخلية لسياق وطني فلسطيني يهودي واحد.
بقليل من التأمل، فإن نسخة هذه المناقصة التحررية المطروحة الآن من اليسار العربي على الشعوب العربية، هي ذات النسخة التي طرحت في مرحلة التأسيس الأولى لليسار العربي الموفد تحرريا. وقد حافظ اليساريون العرب الجدد على هذا التراث بحذافيره، ما عدا أنهم بدأوا بالتفريق بين الصهيونية والتحرر. بل بدأوا بالربط - بشجاعة غير متوقعة- بينها وبين القومية العربية، وعلى قدم المساواة، من حيث النزعة العنصرية والفاشية.
إن بنود هذه المناقصة التاريخية، تحتاج إلى خبرة ميدانية، ليست بعيدة تاريخيا. ولكنها تحتاج بالإضافة إلى القراءة النصية للأحداث إلى قراءة تحليلية متعبة على مستوى التبرير النظري. ولذلك نكتفي بنتائجها العملية حتى لا نقضي وقتا ضائعا في قراءة فناجين التبرير التحرري النظري لليسار العربي المجني عليه، والجاني في آن واحد:
1- القطع التحرري مع سياقات الوعي القومي، وبالتالي مع الحركة الاجتماعية للشعوب العربية، والتحول إلى حركة شجب سياسي للتحرر القومي العربي، تلافيا لانعكاسات نتائجه الفاشوية، على المشروع التحرري الصهيوني المتحالف مع اليسار العالمي.
2- التوافق السياسي الأخرس مع الرجعية العربية والدين السياسي، لتقوية القطرية ومنع قيام مشروع قومي نهضوي موحد، يشكل عائقا أمام مشروع اليسار العالمي المؤسس على القطرية وتعميق التناقضات بين الأنظمة العربية.
3- تجاهل قضايا الوعي الاجتماعي العام على الساحة الاجتماعية العربية، قصديا، حتى لا يؤدي ذلك إلى حتمية تحرر القومي، كهوية ثابتة لوجدان الشعوب العربية.
4- التقاطع التكتيكي مع كل أعداء المشروع القومي النهضوي العربي، إلى درجة الخيانة التحررية.
إذن فاليسار العربي الماركسي، بدأ مفلسا إيديولوجيا وتحرريا حينما عزل نفسه قوميا ووطنيا وبالتالي جماهيريا، وانغمس في التبشير الضمني بالعنوان التحرري حول أخوة الشعوب في فلسطين والمنطقة العربية عموما. وهو إلى الآن ما زال مشغولا بذات العنوان أكثر بكثير مما هو مشغول بقضايا الظلم والفساد العينية للأنظمة العربية. وفيما عدا تعرضه للأنظمة القومية، فإننا لا نذكر له أية مجهودات تحررية في نظام الملك فاروق أو نوري السعيد أو الملك عبد الله أو خليجيات النفط. بدا مترفعا ويائسا تحرريا من مخاطبة رثاثة الوعي لدى الأكثرية على الساحة العربية. أو لعله كان لديه مهمة تحررية محددة، لذلك بدأ نشاطاته التحررية من موقع سياسي واجتماعي نخبوي نسبيا، ليكون حاضرا على مواقع المرابحة السياسية للصراعات على السلطة، والإسهام المباشر في محاربة الفاشية القومية من هناك. ولعل أكثر ما يثير الانتباه، بدون أن يثير الاستغراب هو تجاهله التام لموضوع النفط، الذي كان وما زال من المنطقي، بل والحتمي، أن يشكل لب قضية التحرر لدى الشعوب العربية. ولكن معرفته بأن المقاربة لهذه القضية هي مقاربة قومية بالحتم الموضوعي، تتناقض مع جوهر مهمته "التحررية"، فإنه نجح في تجاهلها.
هذا هو الدور التحرري الذي قدمه اليسار العربي الماركسي. والمكابرة لم تعد تجدي. والاختباء وراء المغالطة النظرية مرفوض في حالته سلفا. لأن الماركسية لا تجيز وعي الخيانة ولا خيانة الوعي في أية حال من الأحول. فأينما توجه اليسار العربي والعالمي أيضا ستصطدم رأسه بالحائط. وعلى مستوى السجال السياسي، لا يوجد أية فرصة مقنعة أمام اليسار العربي يدافع بها عن دوره. لقد وضع رهانه، وأبدا ليس بالصدفة، على الصهيونية كحركة تحرر منذ البداية وانتهى الأمر. لذلك فإن اليساريين العرب في محاوراتهم يتجنبون الخوض في السياسة مباشرة، لأنها تطرح مواقف عينية محرجة وملزمة سجاليا. ومن ثم، فإنهم يحاولون وقف سياق أي حوار سياسي، وتحويله إلى سجال نظري. فالقفز من مواقع الإدانة السياسية الصريحة إلى الساحة النظرية المفتوحة على كل أشكال المغالطة الذاتية، وحتى على الهرب إلى ساحات نظرية مجاورة، يصبح ممكنا. ولسوء الحظ فإن معظم أو كل اليساريين العرب الجدد هم حوامل ثقافية لما يدور على ساحات التنظير الأوروبية الفكرية والفلسفية الاجتماعية، مثل مباحث الديموقراطية والحداثة والإشتراكية واليسار الليبرالي الحديث "المناهض للعولمة"، ونظريات التاريخ الجديدة. وهم لسوء الحظ أيضا مجرد حوامل ناقلة حرفيا، لا تتجاوز لديهم حوادث الاجتهاد، دائرة الإتباع. فاليساري العربي الجديد يفترض أن اليسارية هي نوع من الفلسفة الخاصة، وأن فلسفات التحرر موجودة قبل التحرر. لذلك لا يقيمون وزنا لكون الشعوب أكثر يسارية بالسليقة الاجتماعية من ماركس نفسه، وليس منهم فقط. فهي لديهم لا تملك الوعي الفلسفي لنظريات التحرر. وعلى هذا الأساس لا يمكن للشعوب العالمثالثية أن تنتج سياقا ذاتيا لحركة اجتماعية تقدمية، أي تحررية، دون رعاية تحررية وافدة. أي أنهم كانوا وما زالوا يسيرون في ذات الطريق المنهجي للاهوتية. حيث أن على الشعب أولا أن يلتزم بقدسية المرجع الديني (ألتحرري في حالتهم) ليستطيع التحرر من شريته الذاتية، كشرط مسبق للتخلص من الظلم، والتمكن من الانتصار على أعداء الدين (التحرر) من بني البشر الآخرين. هذا النهج أدى بهم إلى الاعتقاد أن الحاجة إليهم هي ضرورة تطورية حاسمة لدى شعوبهم المتخلفة. وكانت هذه السطحية النظرية هي درجة الوعي القصوى التي يستطيع اليساري العربي، كمدمن للحالة الغربية، بلوغها. فقد ظل يعي نفسه تخييليا، كمواطن ثقافي وفكري غربي، يقوم بمهمة استشراقية تبشيرية ذات وعي تحرري على الحالة الاجتماعية العربية.
وسيكون هذا الكلام ناقص الموضوعية دون الإشارة إلى ظاهرتين يساريتين على الساحة الفلسطينية خارجتان في التقييم عما سبق. الظاهرة الأولى هي حركة "أبناء البلد" وهي حركة يسارية بمركزية التزام قومي وطني كما تشير أدبياتها. ومن الناحية العملية، تشكل هذه الحركة النموذج ليسار تحريري وتحرري على المستوى القومي العربي، وبديلا لكل ظواهر التحرر الإستشراقية، كحركة منبثقة من أصل اجتماعي مباشر يستمد شخصيته التحررية من سياق نظرية التحرر العامة، ولكن على خلفية واقع المعاناة الموضوعي للشعوب العربية وللشعب الفلسطيني. ولكن المؤسف هو أن هذه الحركة لم تعمل على تصدير نموذجها إلى الساحة القومية ربما بسبب ظواهر الاضطراب التنظيمي المحلي للحركة من ناحية، وصمت مثقفي اليسار القومي العربي في الساحات العربية عن أهمية هذه الحركة التي تفوق من الناحية العملية تجربة حركة الأرض. ولو قامت حركة أبناء البلد، أو لو سمحت لها الظروف بطرح نفسها كحركة مستقلة ذات منحى يساري تحرري، وذات مركزية قومية كما هي فعلا، أو لو انتبه اليسار القومي العربي إلى أهمية هذا النموذج في تأسيس تيار قومي يساري، وقام بتبنيه والمشاركة في تطوير بنيته الفكرية، لربما كانت الآن واحدة من أهم تيارات المستقبل على ساحة التحرر القومي.
الظاهرة الثانية هي الظاهرة التي تمثلها صحيفة "كنعان" وصفحتها الإلكترونية، والتي يشرف عليها المناضل الفلسطيني، والباحث الماركسي المعروف د. عادل سمارة. وهي ذات توجه قومي واضح ولكن بمركزية التزام ماركسي متشدد. وقد يكون تسويق هذا الموقف في الوعي القومي التقليدي أصعب من تسويق وعي فكر حركة "أبناء البلد"، ولكن عمق الأصالة التحررية والقومية لديها، رغم أنه يتخذ أحيانا شكل الوصاية القومية، لا يمكن الشك فيه. وهي مؤهلة أن تكون إلى جانب حركة أبناء البلد نموذجا آخر لحركة وعي تحرري قومي مركزي.
ولعل كلتا الحركتين أهملتا البعد التكتيكي إهمالا كاملا، ولم تتحركا في مجال التصدي المباشر للحراك القومي المؤرشف والممول خليجيا الذي يقوده اليوم الليبرالي الحداثي د. عزمي بشارة، كجزء من تيار التطبيع والعولمة الاقتصادية والسياسية في العالم العربي. ولعله كان عليهما أيضا أن ينتبها إلى دور اليسار الليبرالي ممثلا في الأحزاب الشيوعية التقليدية الوافدة، والعمل على إنهاء دورها على الساحة العربية كخلايا يسارية ليبرالية متحفزة، تدعم القطرية، وتراهن فئويا على اقتراحات العولمة. كان يمكن لهذا التصدي أن يطرح فكرهما بوضوح من ناحية كبديل عن تيار قومي مفلس فكريا ومنهجيا، وأن يسهم من ناحية أخرى في تنظيف الساحة القومية من الانتهازية. إن أمنية أن يبادر الطرفان إلى تأسيس مشروع قومي ليسار عربي جديد، يقوم على القواسم المشتركة الكثيرة بينهما، وأهمها الالتزام القومي التحريري والتحرري معا، يطرح على اتساع الساحة العربية، هو حلم نظري بعيد التحقيق. فلا الإمكانات المادية تسمح بذلك، ولا اختلاف نهج الالتزام المركزي بين الطرفين. ولكن من يدري! فلا بد من قيام يسار قومي يواجه الضرورة الملحة لخطاب لنبذ الموضوعي، لخيانة الأحزاب الشيوعية العربية لشعوبها ولولائها النظري للماركسية. وتوجيه النبذ الموضوعي المقابل أيضا، لعبثية التيارات القومية الليبرالية والصالونية التي تجتر فكرا قوميا يقوم على الملكة الإنشائية لبعض النخب الموهوبة.
لقد أثبتت التجربة، التي مرت بها الشعوب العربية عدة أمور:
1- أنه لا يوجد، ولن يوجد في المدى المنظور للحركة، ما يمكن الرهان عليه كمركزية استنفار وتحريض، في حالة المداهمة الحالية المنفلتة لمشروع الإلغاء العولمي، سوى الأصلانية القومية المتشددة، في مواجهة أصلانية الإستشراق الغربي التي تستهدف كامل الوجود الاجتماعي لشعوب العالم وعلى رأسها الشعوب العربية لحساسية وأهمية الموقع. إن أهم ديناميات التصدي المؤهلة لاستقطاب الوجدان الجمعي العربي هي دينامية المصلحة القومية بتجلياتها التحررية والأصلانية المختلفة. ولن ينقذ الحركة الاجتماعية العربية من الانهيار العاجل، وفقدان سياقها التحرري وهويتها الجامعة، سوى حرب تحرير شعبية تؤكد استقلالها وأصلانيتها العرقية والحضارية، وتؤدي إلى دحر سيطرة الغرب الإمبريالي على كل مقدراتها. لتكن حربا تحريرية بمركزية قومية "فاشوية" إذن، فالقضية قضية مصير، وبدون دحر مرحلة الإلغاء لن يكون هناك أي مستقبل تحرري أو وجودي للشعوب العربية ربما إلى......؟ العالم في وضعه الحالي، أصبح ساحة حسم تاريخي بين مشروع العولمة الليبرالي الحداثي، ونظرية التحرر الاجتماعي التاريخية. كل الموازين هي في جانب أمريكا ما عدا ميزان واحد هو ميزان الشعوب المقهورة قوميا ووطنيا واجتماعيا وإنسانيا. لم يعد هناك إمكان عملي لإقامة أحزاب برجوازية ماركسية، أو ماركسوية، أو أحزاب ماركسية حقيقية على خلفية غير تحريرية وغير قومية. أي غير شعبية. فديناميات التحرر العملية معطلة الآن بالظرف الموضوعي للهيمنة والقوة المباشرة. وهذا ما يفسر انضمام الماركسيين في الغرب إلى الليبرالية "لمناهضتها من الداخل" أي لإصلاحها وخلق بديل تحرري ليبرالي عن التحرر الماركسي، لأن الأخير لم يعد متاحا حتى موضوعيا، أمام هيمنة أمريكا الحالية على التاريخ. لقد أصبح الصراع صراعا مباشرا بين الشعوب وبين لصوص الخبز العالميين، بين المجاعات المباشرة وفوائض الثروات المنهوبة في الغرب، بين المذابح المجانية والحروب الأهلية المدبرة والمجاعات، وبين همجيي التكنولوجيا في المراكز "الحضارية" للعولمة الإمبريالية ذات السحنة الاقتصادية المجردة، والوجدان الإستشراقي المعتوه، الذي يظن أن بإمكان الغرب أن يمحو أصلانيات التاريخ ويستبدلها بنظام عالمي قائم على وجهة نظر القوة وحدها. وبمعنى أوضح أصبحت كرة التحدي في ملعب الشعوب.
أي في ملعب التحرير بصفة عاجلة ورئيسية وليس في ملعب التحرر.
2- أثبتت التجارب العربية والعالمية أن اليسار العالمى الماركسي، والماركسوي وخاصة الأحزاب الشيوعية والأحزاب الاشتراكية في أوروبا تتقاطع في وعيها المصلحي في أكثر من موقع بالنسبة لقضايا التحرر العالمي، مع سياسات الدول الليبرالية الإمبريالية، وخاصة في موقفهما المشترك من المشروع القومي في المنطقة العربية بالذات. بدأ هذا الموقف بعد الحرب العالمية الثانية بتأثير مباشر من أمريكا والصهيونية، ثم تعمق بدرجة كبيرة بعد البدء بإنشاء المشروع الصهيوني إلى درجة الرهان التحرري على إسرائيل. وبلغ أوجه بعد انتصار الليبرالية السياسي على الماركسية. لقد انخذل الوعي الماركسي لدى الأحزاب الشيوعية إلى درجة التحلل والوقوف إلى يسار الوعي الليبرالي أو الاندماج السياسي فيه. لا يوجد الآن ما يمكن تسميته حركة تحرر عالمي، وأصبحت الكرة في ملعب الشعوب ومصالحها القومية والاجتماعية. لقد تبلور الوضع إلى حالة المواجهة المباشرة بين مشروع الإلغاء العالمي لموضوعة التحرر بكاملها، وبين شعوب العالم الفقيرة، التي من المفترض أن تشكل بروليتاريا النظام العالمي التراتبي الجديد. في وضع كهذا لا بديل عن الدينامية المركزية للتحرير والتحرر القومي كقيادة للشعوب في معركة الحسم التاريخي بين وجودها على سياق البناء الذاتي، أو تسليم قدرها الاجتماعي للمستقبل الجاهز في قائمة الاستعباد.
3- مستقبل مشروع العولمة سيتحدد في الشرق الأوسط أي في المنطقة العربية وتحديدا في العراق. ولا حاجة لشرح هذه المسلمة المشروحة. لذلك فأن بقاء المستقبل التحرري لشعوب العالم، رهن بنجاح مشروع التحرير العربي وإسقاط الهيمنة الأمريكية على المنطقة.
4- يشكل اليسار الماركسي اللا قومي اليوم أكبر الأخطار الداخلية والخارجية على المقاومة العراقية ووحدة العراق. وكما راهن في فلسطين على الصهيونية فإنه يراهن الآن على دولة إسرائيل الكردية في شمال العراق.
5- لذلك لا بديل عن فعل قومي شعبي مركزي "فاشوي" تحرري، يؤكد على الالتزام القومي كهوية تحريرية وتحررية لكل النشاطات السياسية والاجتماعية على الساحة، ويمنع دستوريا أي نشاط تحرري غير ملتزم قوميا.
6- رغم أهمية وخطورة عامل الزمن في المواجهة، إلا أن الأمر غير ميئوس منه، على ضوء أن أمريكا ليست الآن في وضع القوة المطلق الذي كانت عليه عسكريا وسياسيا، مما يؤخر زمن الحسم السريع الذي كانت تعتمد عليه. أية حركة مؤثرة في أحد الجانبين خلال الزمن المتوتر قد تشعل فتيل الحرب الشعبية القومية التي لا رهان عربيا على غيرها.
7- لقد خان الحزب الشيوعي السوفيياتي حركة التحرر العالمي، منذ الديتانت الأول الذي عقده مع أمريكا في مطلع الثمانينات. حارب خروشتشوف عهد ستالين "القومي" الفاشوي والفردي والدكتاتوري، ليمهد للقومية الليبرالية التي أنجبت غورباتشوف ويلتسين وروسيا الحديثة. ولم يعد لفلول الحزبية الشيوعية في الغرب أي ثقل سياسي أو معنوي أو أية مرجعية ايديولوجية تمنعها من التلاعب في ساحة الليبرالية. لذلك في حالة قيام تيار قومي تحرري داخل التيار القومي المركزي فيجب أن يؤسس نظريا على المادية العلمية وتاريخية التطور الاجتماعي، مع الالتزام العملي التام بخصوصيات الحركة الاجتماعية العربية بتغليب الظروف الموضوعية على التكتيك النظري مرحليا.
8- التصدي للنفاق الليبرالي واليساري على صعيد الحركات الانفصالية العرقية في الوطن العربي. كل من يعيش على أرض الوطن العربي من حقه التلقائي أن يكون مواطنا كامل الحقوق بدون أي استثناء. يمكن لأية أقلية عرقية أن تنفصل ثقافيا إذا شاءت بدون أن يمس ذلك بأي حق من حقوقها الوطنية، ولكن جغرافيا الوطن العربي ليست للتقسيم. ويجب مواجهة أية محاولة للانفصال الجغرافي بالحسم اللازم، كما تفعل تركيا مع أكرادها. إن تركيا هي الوطن الحقيقي للأكراد، أما شمال العراق فقد كان عراقيا منذ الأزل، والكرد المتواجدون هناك هم خلاصة تسللات رعوية من تركيا. وإذا شاؤوا فليعودوا إلى وطنهم التاريخي في كردستان التركية. أما قصة أن شمال العراق هو جزء من الطن التاريخي للأكراد فهو نسخة طبق الأصل عن فرية الصهيونية بشأن فلسطين.
وكلمة أخيرة إلى أحد المثقفين العرب، الذي أوضح لي لا قوميته بشكل يساري شديد الوضوح، ولكنني لم أنجح في استشفاف خلفيته الثقافية أو النظرية جيدا. فهو يتجول في سجالاته ضد القومية بين فكر فوكو وألتوسير ودريدا... وباكونين... والأخلاق المثالية... والأخلاق العلمية. يقول الرجل أننى أستخدم التخويف بالليبرالية لقمع التحرر. ويواصل: "فكأن الله لم يخلق إلا الليبرالية والقومية":
الليبرالية، يا أخي، هي ذريعة ضد الحرية من جانب معتنقيها، وليس من جانب من يطرحون خطرها على حركات التحرر لدى كل شعوب العالم. وفي الحقيقة أن الله خلق أشياء كثيرة قبلنا، وتدخل في القومية عرضا، ولم يتدخل في الليبرالية أبدا. ومشهد الواقع الذي نعيشه يقول ببساطة شديدة أن أمريكا هي التي تعتقد ذلك وليس أنا النكرة المسكين. من قسم العالم إجرائيا، إلى مشروع لمركز حضاري إمبريالي غربي صهيوني تقوده أمريكا، من ناحية، وإلى شعوب عالم ثالث يجب، في الفلسفة النظامية لهذا المشروع، أن تكون القاعدة البروليتارية لأممية الاقتصاد المعولم، من الناحية الأخرى؟ فماذا تريدنا أن نعتقد على ضوء هذا الخيار الإمبراطوري الأمريكي الواضح والمعلن تحت اسم النظام العالمي الجديد؟ نعم يا سيدي! نطقت بعين الصواب. لم يعد في العالم الآن سوى ثنائية الصراع بين مشروع العولمة التراتبية الهرمي لأمريكا والصهيونية، وبين شعوب العالم المرشحة للإستعباد الأممي. أي بين الليبرالية الديموقراطية المعولمة كآلية نظام اقتصادي عالمي استعبادي، وبين كل مقولات التحرر الإنساني التي توجتها الماركسية. هذا هو واقع التحدي الذي يفرضه المركز الإمبريالي الغربي على كل شعوب العالم. معادلة دفاع الإنسانية عن نفسها في وجه المسخ الديموقراطي الليبرالي الذي يمثل الشر الكوني. لقد جاء هذا المسخ الكوني في زي الآلهة، راكبا عربة العنف. يصنع محرقة لإبادة أينما حل. بدأ من مسقط غزوته الاستيطانية، فأباد شعبا بعشرات الملايين من البشر باسم التمدن الأوروبي، ثم فتح باب العبودية على مصراعيه أمام القراصنة، ليشتري أجيالا كاملة من السود يأكلهم لحما ويرميهم عظما، ثم دبر حربين عالميتين ليثخن أوروبا العجوز ويحولها إلى ظاهرة ساركوزية تابعة ورخيصة كما هي عليه الآن. ثم قرر أن الفرصة أصبحت مواتية له، ليفرض نموذجه على وعي البشرية من خلال سيكيولوجية الخوف والقوة التي لا تقاوم فهدم هيوشيما ونغازاكي على رؤوس من فيهما، بدون إي مبرر سوى توضيح الأمور. وظلت عربته تجوب العالم وتنشر فيه الجوع، والأوبئة، والمذابح الأهلية حتى وصل العراق ليبيد هذه المرة حضارة بكاملها. هذا هو المسخ الرهيب القادم من جهنم المثيولوجيا، الذي تقارن بين عنفه وعنف الأنظمة القومية المسكينة التي ظهرت على ساحة القهر العالمي الأولى. من قال أنك حتى تقارن بينهما؟ إني لم أسمعك تندد بأمريكا. سمعتك تندد بالقوميين الذين يذبحون الشيعة في العراق. من أين لك هذا الحقد الممتد على الأنظمة القومية الشهيدة؟ يبدو يا سيدي أنك لا قومي إلى درجة المعاناة. تنساق مع غضبك التحرري على الأنظمة القومية إلى درجة أنك تحمل جرائم أمريكا لها. ترى هل سيصل اليسار إلى يوتوبيا الشيوعية عبر محاربة الخطر العربي القومي أولا على العالم!؟ العنف ليس حركة دخيلة أو متسيبة في التاريخ إنه حتى الآن حالة التاريخ الموضوعية، وأبرز ظواهر الجدل على حركته. فالطبقية هي تاريخيا أعم وأشمل ظاهرة عنف موجهة ضد الشعوب. هي مصدر كل أشكال العنف التاريخي المبادر اجتماعيا وإيديولوجيا وفعليا، سواء العنف البيني كالحروب الإمبريالية التي أكلت مليارات البشر، أو العنف التحرري المتولد بالضرورة، والذي يحاول تقويض النظام الطبقي بالعنف الثوري. عنف موضوعي طبقي مبادر، أمام عنف موضوعي تحرري مقاوم. في أية ناحية تضع "عنف" النظام الناصري أو البعثي؟
لم أطرح كل هذا الكلام المكرر، إلا كمقدمة لطرح موضوعة اليسار العربي كإشكالية معاناة سياسية وتحررية "غيبية" تثقل على الحركة الاجتماعية العربية، كالدين السياسي، والمشروع الدولي الإستشراقي سواء بسواء. هؤلاء كلهم يشكلون مشروع الإلغاء القومي العربي، ويتقاطعون معا في كل التفاصيل التكتيكية، والأهداف الإسترتيجية لكل منهم. وعلى الشعوب العربية إذا أصرت على وجودها الذاتي أن تفرز مشروعا قوميا بنواة مركزية صلبة، تكافئ ضغوطات النفي الموجهة إليها. الأمل ليس كبيرا على ضوء واقع الحال القومي، ولكن التحولات النوعية يمكن أن تحدث بين ليلة وضحاها بفعل تراكمات الوعي.
***