في تاريخ النضال الوطني ضد الاستعمار، حدث أن دب الانقسام في صفوف حركات التحرر الوطني وتحول إلى صراعات مكشوفة ومسلحة. هكذا انقسمت جبهة التحرير الجزائرية على بعضها البعض وبلغ الانقسام حدود الاقتتال والانقلابات المسلحة. وهكذا تحول الثوار الصينيون الذين كانوا يقاتلون الاحتلال الياباني خلال الحرب العالمية الثانية إلى فريقين في حرب أهلية مريرة. وهكذا انهمك اليونانيون الذين كانوا يقاتلون القوات الألمانية المحتلة في تلك الفترة في حرب مماثلة بين اليسار واليمين.
وهكذا انقسم ثوار زيمبابوي الذين كانوا يقاتلون نظام ايان سميث العنصري الى حزبين متقاتلين حتى انتهى الأمر بسيطرة روبرت موغابي على السلطة. هذه الانقسامات هي امر مألوف في السياسة الدولية. بيد ان هذه الانقسامات تحصل عادة بعد ان تنجز حركات التحرر الوطني مهمة التحرير، اي بعد ان تخرج قوات الاحتلال من البلاد وتحقق الاستقلال الكامل وبعد ان يعترف المجتمع الدولي بهذا الاستقلال. الانقسامات قلما تحصل قبل الاستقلال وقبل التحرير. عندها فإنه من الارجح ان يغيب الهدف الاستقلالي عن الافق، وان يحيد المتصارعون والمتقاتلون عن هدف التحرير وان يصبح الهم الرئيسي لديهم هو التغلب على الفريق الآخر داخل حركة التحرر الوطني.
ما يحدث الآن في فلسطين هو اقرب الى النموذج الثاني من مسارات النضالات الوطنية ضد الاحتلال. ناضل الشعب الفلسطيني والعرب ضد الصهيونية لأكثر من مئة عام، وقدموا تضحيات انسانية عظيمة، ولكن الاقتتال الداخلي بين فريق فلسطيني تقوده «فتح» من جهة، وفريق فلسطيني آخر بقيادة «حماس» من جهة اخرى، يكاد يضيّع على الفلسطينيين أي فرصة للتخلص من الاحتلال، هذا اذا كانت هذه الفرصة متوفرة اساسا في ظل الظروف الدولية والاقليمية والفلسطينية الراهنة. فهل هناك من سبيل الى ايقاف هذا الفصل المؤلم في تاريخ الشعب الفلسطيني؟
يوجه العديد من الاطراف الفلسطينية والعربية والدولية المعنية بالقضية الفلسطينية النداءات الحارة التي تناشد فريقي الاقتتال التخلي عن لغة السلاح في الصراع الداخلي، وتسعى بعض الاطراف العربية الرسمية مثل مصر واليمن الى التوسط بين الفريقين بأمل اشراكهما في حوار داخلي يؤول الى انهاء الصراع المسلح بينهما. هذه المناشدات والمداخلات جديرة بتحقيق اهدافها اذا اقترنت بمشروع حل يراعي مصالح الطرفين ومخاوفهما وتطلعاتهما. اكثر الحلول التي قدمت في هذا السياق تتمحور حول مسألة تشكيل حكومة فلسطينية تحل محل الحكومتين الحاليين وتحظى برضا طرفي الصراع.
في هذا السياق يجري التداول في مشروعين: الاول هو حكومة ائتلافية، أي بالأحرى حكومة وحدة وطنية تضم ممثلين عن كل من «حماس» و «فتح» مع بقية الاطراف الفلسطينية. وبديهي ان تأتي حكومة من هذا النوع حصيلة مصالحة وطنية شاملة وتراجع عن الاجراءات والسياسات الاقصائية المتبادلة التي مارسها كل من الطرفين بحق الطرف او الاطراف الاخرى. ومن المفترض عندها ان تتمكن مثل هذه الحكومة ان تمارس مهماتها الطبيعية، كما كان الامر قبل ان ينفجر الصراع بين «فتح» و«حماس».
المشروع الثاني، حكومة مؤقتة تتشكل من حياديين مقبولين من الطرفين تعكف على انهاء الاوضاع الفلسطينية البائسة وخاصة في قطاع غزة حيث يعاني الفلسطينيون من متاعب وصعوبات الحصار. كما تهيئ الاجواء لاستئناف الحياة الديموقراطية في الاراضي الفلسطينية بما في ذلك التحضير لانتخابات جديدة وقريبة اذا تم الاتفاق على هذه الخطوة.
ان أياً من الحلين يشكل مخرجا معقولا من الانسداد الفلسطيني الراهن، خاصة اذا جاء حصيلة حوار جاد ومسؤول بين اطراف الصراع. بيد ان من المرجح ان تعترض تنفيذهما صعوبات لا يستهان بها. فليس من السهل تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد ان بلغ الصراع بين الطرفين المستوى الذي نشهده من الحدة والعنف. وليس من السهل قيام حكومة وحدة وطنية تضم «حماس» و «فتح» في ظل خلاف مهم حول استراتيجية التحرير يشمل اهدافها ووسائلها.
وليس من السهل الوصول الى حكومة وحدة وطنية لأن هذه الخطوة سوف تصطدم بمعارضة اميركية واوروبية قوية. هذه المعارضة لن تضايق «حماس»، ولكنها سوف تضيّق على «فتح» وتنزع من يدها أي فرصة حقيقية او واهمة لانتزاع دولة للفلسطينيين. اما الحكومة المؤقتة، فإنها تفترض ان هناك بعض الاطراف الحيادية التي لم يتم استقطابها في الصراع الفلسطيني وان اطراف الصراع متفقة على بعض الخطوات الرئيسية مثل اجراء انتخابات قريبة. ولكن الحقيقة ان هذه الفرضيات غير مؤكدة. فهل يعني ذلك ان تبقى الأزمة مفتوحة على مصاريعها الى ما لا نهاية؟
اذا احتكم طرفا الصراع الى التجارب الديموقراطية في العالم، واذا أخذا بعين الاعتبار الوضع الدقيق والاستثنائي الذي يعيشه الفلسطينيون، لوجدا ان من الممكن العثور على حلول متنوعة للخروج من الانسداد الراهن. من الحلول المستطاعة التي يمكن اللجوء إليها هنا الاتفاق على ان تشكّل «فتح» حكومة أقلية فلسطينية، بينما تضطلع «حماس» بدور الرقيب البرلماني على الاداء الحكومي. هذا الوضع ليس مألوفا حتى في الأنظمة الديموقراطية البرلمانية، ولكنه ليس غريبا عنها. وكثيرا ما تلجأ الاحزاب الى الاتفاق على مثل هذا التدبير اذا وجد الحزب الذي يفوز بغالبية المقاعد في المجلس النيابي انه ليس قادرا، لسبب من الاسباب، على تشكيل حكومة أكثرية. وحيث تشكل مثل هذه الحكومات، فإنه يجري تحوير وتعديل موقت واستنثائي في اصول الصراع البرلماني. فالعادة تقضي بسقوط الحكومة اذا صوت البرلمان ضد مشروع تقدمت به الى المجلس. خلافا لهذا العرف، يتفق اطراف الصراع على ان تبقى حكومة الاقلية حتى لو صوت البرلمان ضد مشروعها، وألا تسقط الحكومات إلا اذا صوت البرلمان ضدها في جلسة مخصصة لمناقشة مسألة الثقة. ان ترتيبا من هذا النوع سوف يحقق الفوائد التالية:
1- انه سوف يسهل الخروج من الازمة الفلسطينية الراهنة ويحد من امكانية تفاقمها وتحولها الى حرب اهلية مفتوحة تسبب المزيد من الكوارث الوطنية والانسانية للفلسطينيين.
2- انه سوف ينقل الصراع الفلسطيني من حيز العنف الى حيز السياسة. هذا الانتقال يسمح لكل من طرفي الصراع بالاحتفاظ بمواقعه. «حماس» سوف تستطيع الاحتفاظ بالموقع البرلماني وهو موقع ذو قيمة استراتيجية في اطار النضال التحريري. فمن هذا الموقع تستطيع «حماس» والقوى المؤيدة لها مخاطبة المجتمع الدولي ومطالبته بتأييد حقوق الفلسطينيين وقضيتهم العادلة واختراق الحصارات التي تقيمها إسرائيل حول المقاومة الفلسطينية، وحول جناحها الاسلامي بصورة خاصة. و«فتح» سوف تتمكن من الاحتفاظ بموقع حكومي تستطيع عبره رفع الضغوط المعيشية المجحفة التي تمارس على الفلسطينيين، ومقاومة مشاريع إسرائيل الاستيطانية والتوسعية.
3- انه سوف يسمح لفريقي الصراع بالاحتفاظ بمواقفهما العامة ولكن مع تعديلات تعزز النضال الفلسطيني ولا تضعفه.
هذه التعديلات والاتفاقات تشكل عادة جزءا مرافقا لعملية تشكيل حكومات أقلية. وعلى الصعيد الفلسطيني يمكن التوصل الى تفاهم مواز لتشكيل حكومة أقلية يتيح لـ «فتح» الحفاظ على موقفها من التسوية السياسية ولكن مع استبعاد التنازلات غير المبررة. بالمقابل فإنه يتيح لـ «حماس» الاستمرار في موقفها من قضية التحرير ولكن مع استبعاد بعض اشكال الصراع مثل العمليات الموجهة ضد المدنيين الإسرائيليين والتركيز على مقاومة قوات الاحتلال خاصة في الضفة والقطاع.
4- انه سوف يخفف من وقع الضغوط الابتزازية التي تمارس على «حماس» بغرض تبديل مواقفها تجاه الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. تتجه هذه الضغوط - في نهاية المطاف - الى فرض عقوبات صارمة على الفلسطينيين الذين يعيشون في ظل أي ادارة تابعة لـ «حماس». وهكذا تحمّل إسرائيل وحلفاؤها الدوليون «حماس» - ولو بصورة غير مباشرة - مسؤولية الاوضاع البائسة التي يعيشها اولئك الفلسطينيون. الاتفاق على تشكيل حكومة أقلية سوف ينزع هذا السلاح من يد إسرائيل.
اخيرا لا آخرا، ينبغي التأكيد هنا، ان مثل هذا التدبير لن يعني انتصارا للفريق الذي يشكل الحكومة الفلسطينية على حساب الفريق الذي يتموقع داخل السلطة التشريعية الفلسطينية. ان هذا الاستنتاج قد يكون صحيحا في بلد يعيش حياة سياسية عادية. اما في الاراضي الفلسطينية وفي ظل سيف الاحتلال المسلط على الجميع، فإن الامساك بالحكومة لا يشكل مكسبا لأحد والخروج منها لا يشكل خسارة لأي فريق. العبرة في نهاية المطاف هي الافادة من المؤسسات الفلسطينية من اجل تحقيق التحرير وخدمة الأماني الوطنية الفلسطينية.