من أهم الجوانب الرئيسة المرتبطة بالدول المتقدمة احترام القانون. وربما يمثل احترام القانون الفارق الجوهري بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة.
إن مخالفة القوانين وعدم احترامها والضرب بها عرض الحائط، يمثل بداية تقويض الأسس الراسخة للدولة والتلاعب بالقواعد القانونية والتشريعات الخاصة بها التي تنظم أحوال العباد. وكلما زاد عدم احترام القوانين ازدادت ترسانة القوانين التي تسنها الدول وهي تعلم تمام العلم أن تلك القوانين مجرد حبر على ورق، وأنها لن تُحترم ولن تجد سبيلا للتطبيق في الواقع الفعلي المرتبط بممارسات المواطنين.
لا يحاول المواطن العادي البسيط في بداية الأمر تجاوز القوانين أو الالتفاف عليها؛ بل إن اللافت للنظر أن المواطن العادي البسيط هو أول من يستجيب للقوانين التي تسنها الدولة ويطيعها. وفي الدول المتخلفة تأتي هذه القوانين في غير صالح المواطن العادي وضد الامتيازات التي يحصل عليها.
فالدولة المتخلفة هي دولة جباية، وظيفتها الأساسية فرض الرسوم والضرائب والجمارك على مواطنيها، وعلى رأي المثل الشائع «تعطي باليمين وتأخذ بالشمال». ولأنها دولة لا تنتج شيئا حقيقيا، وليست لديها خطط تنموية حقيقية، فإن مواطنيها يصبحون في هذه الحالة هم مصدر مالية الدولة، والمَعين الرئيس لملء خزائنها الخاوية دائما.
من هنا تتفنن هذه النوعية من الدول المتخلفة في إصدار القوانين التي يمكن من خلالها عصر المواطن، حتى آخر مليم يمكن جبايته منه وتحويله لخزينة الدولة، أو بتعبير أكثر دقة، تحويله للقائمين على هذه الدول والمسؤولين عن عملية الجباية وإصدار القوانين والتشريعات.
في مقابل المواطن العادي البسيط، تمارس الشرائح الاجتماعية المتسيدة هوايتها في انتهاك القوانين والتعدي عليها، من أجل تعظيم مصالحها والحصول على مكاسب مادية متنامية. وتمثل هذه الشرائح نسبة محدودة جدا من إجمالي عدد السكان، لكنها في المقابل تحصل على النسبة الأكبر من الدخل القومي، غالبا بطرق غير مشروعة وعبر التحايل المستمر على القوانين السائدة. ومن اللافت للنظر هنا أن هذه الشرائح الاجتماعية تمثل القدوة لعموم المواطنين العاديين في انتهاك القوانين وسهولة التعدي عليها. من هنا لا يجد المواطن العادي أي وازع في انتهاك القوانين، وهو يرى النخب السيادية نفسها تنتهكها ليل نهار دون أن يطرف لها جفن.
تخلق النخب الحاكمة في الدول المتخلفة المثال لانتهاك القوانين والتعدي على قدسيتها، وهو الأمر الذي يخلق مناخا عاما ومواتيا لاستشراء هذا الانتهاك وعدم احترام القوانين، بل وغيابها كلية عن ذهن المواطن العادي وعدم إحساسه بأهميتها. مع استشراء ثقافة عدم احترام القوانين، يدرك المواطن العادي أن القوانين مجرد حبر على ورق، وأن كل قانون مرتبط بوسيلة ما تتيح الالتفاف والدوران حوله والتعدي عليه.
وتكمن مأساة غياب القوانين وعدم احترامها في فرضها على فئة دون غيرها في المجتمع. حينئذ يشعر المواطن العادي بالغبن والظلم، ويبحث عن كل الوسائل التي يمكن من خلالها التحايل على القوانين وعدم تنفيذها. وبمرور الوقت يصبح التحايل على القوانين هو الأساس، وعدم تنفيذها مفخرة المواطن. ففي الدول المتخلفة يوجه المواطنون لبعضهم البعض النصائح المختلفة في كيفية التحايل على القوانين والتعدي على هيبة الدولة، من دون أن يقودهم ذلك للشعور بالخجل أو الخيانة لأوطانهم.
ويزيد الطين بلة أن القوانين ذاتها التي تصدرها هذه النوعية من الدول تتسم بعدم الوضوح، بل إنها تتعمد نشر البلبلة وإثارة التأويلات بين المواطنين. إن مأساة القوانين في الدول المتخلفة لا ترتبط فقط بعدم تطبيقها والالتزام بها، لكنها ترتبط أيضا بعدم وضوحها. فحينما يعجز المواطن العادي عن فهم مغزى القوانين والأهداف المرتبطة بها، يزداد عجزه عن قبولها من ناحية وتنفيذها من ناحية أخرى، وهو الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام انتهاك هذه القوانين والتعدي عليها.
إن بدايات التطوير الحقيقي لأي مجتمع هي وضوح قوانينه، مع القدرة على فرضها بشكل جيد وحقيقي لا يتيح للبعض إمكانية التهرب منها على حساب البعض الآخر. فالتطبيق الحقيقي والشامل للقوانين يُشعر المواطن بالثقة في الدولة التي ينتمي إليها، ويخلق نوعا من الارتباط الحقيقي والفعلي بوطنه.
فالمواطنة ليست فقط خطبا حماسية أو أغاني وطنية، بقدر ما هي نوع من العطاء المتبادل بين الوطن والمواطنين. وبدون هذا العطاء المتبادل الذي تحكمه القوانين على خلفية الحقوق والواجبات، يضحى الوطن مجرد ساحة جغرافية عاطلة عن الإنتاج والتطور الحقيقي، يحقق من خلالها البعض مصالحهم البالغة الأنانية التي تضر بالجميع.
cdabcd
salehabdelazim@hotmail.com