منذ حسم الوضع في يونيو 2007 في قطاع غزة لصالح الحكومة الشرعية برئاسة السيد إسماعيل هنية، لصالح المقاومة والجهاد بقيادة حركة المقاومة الفلسطينية حماس، ولصالح الإصلاح والتغيير، وبالرغم من هروب معظم المسئولين والتابعين لهم عن الفوضى والفلتان الأمني الذي عم القطاع لسنوات طويلة، ذاق خلالها الأهالي الصنوف القاسية من وسائل الخوف والإرهاب والإفساد، لدرجة أنهم أصبحوا يترددون عشرات المرات قبل أن يخرج المواطن لقضاء بعض حوائجه وعائلته.. خوفا من ألا يعود إلى بيته وأسرته، لأنه ربما تصيبه رصاصة عشوائية يطلقها نحوه عابث غير مكترث بحياة الناس..
نعم منذ أيام الحسم أعتقد الناس أن الأمور ستجري بشكل طبيعي.. وقد كان، فقد عم الأمن والأمان فوق ربوع القطاع وحواريه، ورحل الخوف من الصدور إلى غير رجعة.. مما لم يرق للهاربين الذين تمادوا في انتقامهم من قطاع غزة إلى الدرجة انه لم يعد بالإمكان التفريق بينهم وبين العدو الأصلي للفلسطينيين جميعا ألا وهم اليهود، لما وصل بينهم من تصاعد في وتيرة العمل العدائي المشترك الموجه للفلسطينيين في قطاع غزة وفي الضفة الغربية عامة..
وظل القطاع أبيا صامدا لم يطأطئ هامة العز والشرف والكرامة ولم يستسلم ولم يضعف أمام الحصار الغير مسبوق في شدته وإتقان تطبيقه، والصمود أمام الاجتياحات العسكرية الصهيونية التي عاثت ونشرت الموت والدمار والخراب لدى الفلسطينيين في غزة..
ولقد وضح في مناسبات عديدة أن الفئة الهاربة الموصومة بعار الفوضى والتنسيق الأمني مع العدو قد تجاوزت ذلك من خلال إرادتها السوداء في محاولاتها العديدة لإعادة قطاع غزة إلى سجن الخوف والفلتان الأمني، وما محاولات تفجير الحجاج في ملعب فلسطين، ومحاولة اغتيال السيد هنية، والتفجيرات التي جرت هنا وهناك وحتى الانفجار الأخير الذي حدث على شاطئ بحر غزة أخيرا، والذي أحدث صدمة مدوية في نفس كل فلسطيني لشناعة هذه الروح الإجرامية ومدى اتساعها وتصميمها على قتل بوادر الخير وإشارات النصر القادم إلا دليلا على تهاويهم انحدارهم.. خصوصا بعد أن تم إبرام اتفاق التهدئة لمدة ستة شهور فقط بين فصائل المقاومة بقيادة حماس في غزة وبين إسرائيل التي ولأول مرة تلتزم بالاتفاق إعلانا وتطبيقا، ومن قبل ذلك حاجة وطلبا منها.. حيث مثل انجاز الاتفاق خرقا واضحا للحصار الذي أرادته زمرة الحكم في رام الله بقيادة عباس، والذي أملوا أنهم من خلاله سيتم تركيع المقاومة، وإعادة الفلول الهاربة من المفسدين والعملاء إلى ما كانوا عليه..
وحتى لحظة الانفجار كانت الأمور تسير في طريق مضطربة تراوح بين الليونة وبين الحاجة للعمل الحاسم في مواجهة مؤامرات ودسائس وأفخاخ أولئك الفئة المارقة بكل معنى الكلمة ضد كل ما هو طيب وخير وقيم..
ولقد جاء انفجار جريمة شاطئ غزة ليثبت انه ليس من مفر إلا بالقيام بعمل قوي وشديد يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ويمنع تخريب ما تم من انجاز حقيقي فوق الأرض، وهو الذي حدث بأيادي وبتصميم وبعزائم الرجال في الحكومة الشرعية وفي حركة المقاومة الإسلامية حماس وبتفويض شعبي كامل باستثناء بعض المغررين والضالين الذين لا تغني عنهم أفكارهم وأطماعهم المشوهة شيئا..
ومن هنا فإن عملية تطهير المربع الأمني في منطقة عائلة حلس في الشجاعية، وما نتج عن هذه العملية من فرار أكثر من 180 عنصرا منهم بقيادة احمد حلس أبو ماهر القيادي المشهور في فتح باتجاه الحدود مع العدو والذي استقبلهم بالرصاص وبتجريدهم من ملابسهم، وما صورهم المبثوثة فضائيا إلا فضيحة مدوية وعارا شائنا أصاب الفلسطينيين المؤمنين الشرفاء على ما حل بهم بسبب قلة وعي وغياب الحكمة لدي تلك الفئة التي فضلت الارتماء في أحضان العدو عن الجلوس مع الأخوة والأشقاء.. وكما تم اعتقال العشرات من المطلوبين ومنهم المطلوب الأشد المخرب المسئول عن إعداد المتفجرات المستخدمة في محاولات التفجير والتخريب الأمني السابقة وكذلك المسئولية عن انفجار جريمة شاطئ غزة،
واستخلاصا فإن الوصول إلى لحظة الحسم والتطهير لأخطر معقل للفساد وللجريمة وللخيانة وللعمالة مع العدو، فإن ما جرى يعطي شهادات ودلائل عدة مهمة، لا يجوز تجاوزها أو تخطيها، فكل شهادة تعتبر عنوانا رئيسا ضمن حدود الأزمة والانقسام الفلسطيني، وأول هذه الشهادات:
أن حركة المقاومة الإسلامية حماس ليست المسئول عن حوادث التخريب والفوضى، وليست هي المسئولة عن الحصار، ولا هي من يعاقب الشعب، وليست هي ممن يبحثون عن أعداء لها هنا أو هناك، وتاريخها واضح في هذه النقطة بالذات. وأن المسئولية تقع متشاركة فيما بين تنظيم فتح والرئاسة بقيادة عباس، والفصائل المترددة التي تجاريها ويمكن وصفها بالنفاق، حيث أن دعمها لفتح وممارساتها الفاسدة والتخريبية والمتوج بمحاربتها للمشروع الوطني الفلسطيني لصالح الاحتلال الصهيوني، وسكوتها وأحيانا دعمها الضمني لسلوكيات الرئيس ضد المقاومة وضد الفلسطينيين في غزة والضفة على السواء.. مما يعد خروجا عن المنطق المقبول والعقلاني، وتجاوزا لكل ثابت وطني فلسطيني،
ربما تقع على حماس مسئولية من نوع ما، حيث لم تكن حاسمة وواضحة في التعامل مع الذين يخرجون عن الصف الوطني، ومن يطاردون المقاومة ويحاربونها سعيا للقضاء عليها تنفيذا لخارطة الطريق الصهيوامريكية، في نفس الوقت الذي كان الطرف الآخر واضحا في عدائه لحماس، ولقيادتها للمقاومة الفلسطينية، وكونها صارت الرقم الفلسطيني الصعب الذي يستطيع أن يحرك البيادق، وان يصدر القرارات وينفذها، وان يصمد ويواجه وان يتعامل بندية وجرأة وكفاءة في صد العدو عن تحقيق أي نجاح ميداني عسكريا أو غير ذلك.
والشهادة الثانية أن الحكومة الشرعية المقالة في غزة لا تزال هي الحكومة الرشيدة العقلانية القوية التي تمسك بزمام الأمور بثبات العارفين، وتدير شئون الحكم بحكمة وبراعة، وأنها استطاعت الخروج من عنق الزجاجة الضيق، وهي تلعب الآن في ساحة واسعة بكفاءة واقتدار، وبرغم كل ما يقع عليها من دسائس فما تزال تحرز الأهداف وتتقدم في النتيجة النهائية نحو الفوز بدرع البطولة.
والشهادة الثالثة، أن الجهاد ومقاومة الاحتلال الصهيوني عسكريا وبكل الوسائل المتاحة، إضافة للوقوف بحزم سياسيا أمام تمرير مشاريع العدو بحق فلسطين والفلسطينيين وبحق المنطقة هو أمر واقع لا يمكن تجاوزه أيضا بإغماض العيون، أو بإدارة الظهر إلى الناحية المظلمة كما يفعل سكان المقاطعة في رام الله الذين لا يريدون رؤية شمس الحقيقة الناصعة، وأنهم لن يستطيعوا القضاء على المقاومة بأي شكل من الأشكال، لأنها ببساطة شديدة حالة فلسطينية متصاعدة ومتوافقة مع تحقيق الآمال والأحلام والحرية والاستقلال والسلام. وبالتالي فإن إي اتفاق أو مشروع اتفاق لا يحقق أهداف المقاومة والجهاد لن يكتب له النجاح بالمطلق، حيث ستظل المقاومة هي من يفرض إرادتها ومطالبها الحقة المصحوبة بالنتائج الميدانية فوق الأرض.
والشهادة الرابعة أن أعمال الفوضى والفلتان الأمني صارتا حالة من الماضي، والماضي غير مؤهل للعودة ولا للحياة، فقط يستدعى للتذكرة ولأخذ العبرة والدروس، وللتعلم كيف يتم تجاوز الصعاب وحل المشاكل المستدعية له وهي في المهد قبل استفحالها، لقد انزاح الفلتان الأمني وانحسر بهزيمة منكرة فاضحة، ولعل عملية مربع آل حلس وتطهيره كوكر من مثيري الفوضى والفلتان تعطي إشارة واضحة بأنه من الغباء الاعتقاد أو الأمل بأن الأحوال ستعود إلى سيرتها السيئة الأولى.
والشهادة الخامسة أن الدكاكين المسلحة أو شبه المسلحة التي اتخذت وجها عائليا أو فصائليا أو لبست قناعا أجوفا ملونا لإخفاء الحقيقة الكامنة في الصدور، هذه الدكاكين فرغت منها البضاعة، ولم تعد تجد الزبائن ليدفعوا لها، فغزة اليوم أكثر من أي وقت مضى هي أرض العزة والشرف والإباء والكرم.. لأنها أرض الثبات على الحق ولأنها فيلق الجهاد والمقاومة والصبر..
ومن المهم الإشارة أخيرا إلى أن الحوار الفلسطيني الفلسطيني هو أمر ممجوج وثقيل لما علق به من شروط ومن تشوهات ومن انحرافات بينة خبيثة، الحوار من السهل الخوض فيه، ومن السهل التوصل إلى نتائج عملية وملموسة.. لكن متى وكيف يتم ذلك، ببساطة يمكن ذلك في حالة واحدة فقط، وهي لو أن الخلاف بين الأخوة كان على أمور ثانوية أو فرعية أو على تكتيكات وخطط مرحلية، فالخلاف في هذه النقاط لا يمنع الالتقاء ولا الاتفاق بل الذي يمنع الاتفاق ويقف حجر عثرة أمام أي حوار هو أن الطرف الفلسطيني اللائذ بالمقاطعة في رام الله ويعيش تحت حماية الاحتلال المباشرة، وينتقل بغطاء امني كامل متوافق مع مصالح العدو نفسه، هذا الطرف هو من يعطل الحوار ويمنع حدوثه عمليا.. لأن الجمع بين الله والشيطان في صدر واحد لا يجوز ولا يصح، فالإيمان نقيض الكفر، والصدق عدو الكذب.. والصهاينة أعداء طبيعيون لنا فكيف سيتم الاتفاق مع عباس وجماعته وهو يوالي الصهاينة ولاء مطلقا وجعل من نفسه مطية وتابعا يفخر بالجلوس وبالأحضان وبالقبلات التي تناله منهم.. على عباس وعلى فتح العودة أولا إلى مربع الوطن الفلسطيني وإلى الانتماء للمشروع الكفاحي والوطني، وان يطهرا أنفسهما من كل ما علق بهم من أدران التعاون والتنسيق والاتفاق مع الصهاينة لضرب الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني ومقاومته الشريفة.. حينئذ فقط يمكن الحديث بان الحوار سيبدأ وينجح بإذنه تعالى.
لقد ولى عهد الفوضى، وغزة لم تعد تحتمل تكرار تجربة الموت في شوارعها على اللحية وعلى الانتماء وعلى الصلاة والعبادة مرة أخرى، وهي تشمئز أن يدوس ترابها الشريف.. خائن أو عميل أو فاسد أو منافق أو سمسار درج في حياته على بيع الحقوق والأوطان.
غزة اليوم أثبتت أنها غنية وقوية ومميزة، وأنها أبعد ما تكون على حافة الانهيار، أو إعلان إفلاسها الوطني والأخلاقي، وعلى الذين يراهنون على سقوط غزة بالجوع أو بالدبابات الصهيونية فعليهم الإياب الحميد إلى واقع الفعل الصادق المنتم للحق والحرية الذين تمثلهما غزة اليوم بجدارة واقتدار أخلاقي
غزة لا تأكل من ثدييها، "تموت الحرة" ولا تبيع شرفها، ولا تتنازل عن عفتها وكرامتها، غزة تمثل الآن حالة رفض وممانعة ومؤشر صدق وحمية وشجاعة.. ولأجل ذلك تصلي لله شكرا وتسجد له خشوعا ورضا وعبادة، والذي رأى صور آل حلس العراة يعلم قيمة التمسك بالأخلاق وبالكرامة والعزة، ويعلم يقينا بان الموت أهون كثيرا وأولى من الوقوع تحت براثن تلك الفضيحة العار الأبدي.