كثيرون يعتقدون ان مأزق حركة عدم الانحياز نشأ مع سقوط حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفييتي وغياب القطب الاشتراكي الموازن للقطب الرأسمالي. هذا الاعتقاد الخاطئ منشؤه اعتقاد خاطئ آخر يتصور أن الحركة قامت كخيار ثالث وسيط بين المعسكرين المتصارعين، ومن ثم فإن غياب أحد المعسكرين بات يبرر ضرورة اختفاء أو تفكيك هذه الحركة.
قد يكون هذا الاعتقاد صحيحاً بالنسبة لسياسة الحياد الايجابي التي عبرت عن نفسها في "مؤتمر باندونج" (سبتمبر/ايلول 1955) الذي كان من أهم رموزه الزعيم العربي جمال عبدالناصر الذي ترأس بنفسه وقتها لجنة تصفية الاستعمار، وقال في ذلك الوقت قولته الشهيرة "إن هزيمة الاستعمار في أي مكان بالعالم، هو انتصار لنا. انتصار لحركة التحرر العربية، وانتصار لحركة التحرر العالمية"، التي تتناقض كلياً مع كل تلك الاعتقادات حول حيادية أو وسطية حركة عدم الانحياز، أو حتى الحياد الايجابي. وكان من أهم رموزه أيضاً زعيم الهند جواهر لال نهرو وزعيم اندونيسيا أحمد سوكارنو وكثيرون من الزعماء الأفارقة، خاصة أحمد سيكوتوري (غينيا) وحضره الزعيم الصيني الكبير ورئيس وزرائها شوان لاي.
الدفاع عن مصالح دول الجنوب ضد سياسات الهيمنة والنهب والعدالة الغائبة من دول الشمال، كل الشمال، كان أهم ركائز ودوافع تأسيس حركة عدم الانحياز، وهي بدورها التي تبرر استمرار الحركة، لكن ليس ضمن الواقع الراهن للحركة التي تضم الآن دولاً حليفة للولايات المتحدة وتسعى إلى تخريب الحركة، واستطاعت واشنطن اختراقها من خلالها.
الحركة تضم الآن 118 دولة من بينها أكثر من 70 دولة تعتبر حليفة، إن لم تكن عميلة للولايات المتحدة في ظل تطورين شديدي الخطورة وبالتحديد التطورات الجديدة على صعيد قيادة النظام العالمي، وخاصة ما يتعلق بسيادة الرأسمالية المتوحشة والعولمة الايديولوجية الغربية، وفي ظل تطورات اجمالية اقتصادية سياسية داخل معظم دول العالم الثالث، فرضت استقطاباً طبقياً داخلياً بين من يملكون الثروة ويحتكرون السلطة من جهة ومن لا يملكون ثروة ويخضعون لسيطرة الدولة التسلطية وأدواتها القمعية من جهة أخرى، وهو ذاته نفس الاستقطاب السائد في قيادة النظام العالمي بين دول واحتكارات رأسمالية عالمية هائلة في الشمال، وفقر وتبعية هائلة لمعظم دول الجنوب.
الآن يحدث تلاقٍ بين قوى الهيمنة الرأسمالية العالمية وقوى الاستغلال والاحتكار والاستيراد في داخل معظم دول العالم الثالث، وهذا هو الذي يفرض تبعية الكثير من دول العالم الثالث للولايات المتحدة، وهي ذاتها الدول الأعضاء في حركة عدم الانحياز، والتي تريد تفجيرها وإلغاءها، أو على الأقل تفريغها من مضمونها.
هذا هو الواقع الحقيقي الراهن لحركة عدم الانحياز، كما تجلى في اجتماع وزراء خارجية دول الحركة الأخير في طهران، حيث حدث الانقسام حول الولايات المتحدة وسياساتها، الأمر الذي بات يفرض أحد خيارين أولهما: أن تستمر الحركة كما هي مشلولة وعاجزة وفاقدة لمبررات وجودها، والآخر أن تنفجر من داخلها لمصلحة تأسيس حركة تحرر عالمية جديدة قادرة على التصدي للهيمنة الأمريكية والمشاركة في تأسيس نظام عالمي جديد أكثر عدالة وديمقراطية يتوق إليه كل العالم.