Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
حول إشكالية مفهوم "الأمة الإسلامية"
 
يعود اليكم الموقع في حلته الجديدة راجين أن ينال رضاكم علماُ بأن أعمال التطوير قد تستمر لأيام قادمة ويسعدنا تلقي تعليقاتكم وأقتراحاتكم البنائه
 

الصفحة الرئيسية  |  عن الموقع  |  أسرة التحرير  |  الهيئة الإستشارية  |  إتصل بنا  |  مواقع  |  خريطة الموقع

ترسل المواضيع الى البريد الإلكتروني: editor@arabrenewal.com












 

 

 »  الصفحة الرئيسية  »  دراسات  »  حول إشكالية مفهوم "الأمة الإسلامية"
حول إشكالية مفهوم "الأمة الإسلامية"
 حسن بيان | نشر  08/2/2008 | دراسات
حول إشكالية مفهوم "الأمة الإسلامية"

منذ فترة ليست بالقريبة، درجت بعض القوى السياسية على الإكثار من استعمال مفردة "الأمة الإسلامية" في خطابها السياسي والمقصود بهذه القوى ليست تلك التي تشكل المنطلقات الفكرية الدينية مضموناً عقيدياً لها والمصنفة تحت عنوان عريض يشار إليه بالحركات الإسلامية، بل المقصود هو تلك القوى التي تعتبر نفسها حركات وقوى وطنية وقومية. ان تستعمل الحركات والقوى المدرجة تحت يافطة تصنيف الحركات الإسلامية مفردة "الأمة الإسلامية" في حديثها عن الأمة، فهذا ليس غريباً عليها لأن هذه القوى تعطي للانتماء الديني الموقع الأساس في تحديد مفهوم الأمة وعليه يعرّف سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق" "الأمة الملسمة بأنها جماعة من البشر تنبثق حياته وتصوراته وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من التشريع الإسلامي". ويضيف ان هذه الأمة بهذه المواصفات قد انقطع وجودها منذ الحكم بشريعة الله فوق ظهر الأرض وجميعاً. ولابد من إعادة وجود هذه الأمة لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة البشرية مرة أخرى"/ معالم في الطريق ص(6).

أما محمد باقر الصدر فيرى ان مفهوم الأمة هو جزء من العقيدة وجزء من المذهب الاجتماعي السياسي الإسلامي واستناداً إلى نظرة تعبر عن شمولية الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان، وان العلاقة بين مفهوم الأمة والإسلام هي علاقة دينية أي علاقة تعتبر الإسلام وحياً من عند الإله لا ديناً بالمعنى السوسيولوجي.

أما منظمة العمل الإسلامي في العراق وهي قريبة جداً من المدرسة الفقهية الإيرانية فتعرف الأمة الإسلامية بأنها المجموعة البشرية التي تتبع الإسلام وبنظرها ان الأمة هي ظاهرة معنوية أكثر من كونها مادية، فهما تتبع نوعية الفكر والسلوك والنظام أكثر من اتباعها للمناخ والحدود الجغرافية.

ويعتبر أبو الحسن بني صدر في مقابلة مع صحيفة الخليج تاريخ 1/5/1980، ان امة الإسلام واحدة والإمام المقصود هنا (الخميني) هو قائد ديني لنا وهو كذلك لشعب العراق ولكل الشعوب الإسلامية" وهذا يعني ان كل المعتقدين دينياً بالإسلام يشكلون امة واحدة.

ان هذه التعريفات المشار إليها على سبيل المثال لا الحصر، تكاد تكون مشتركة بين كافة الحركات والقوى ذات المنطلقات الفكرية الإسلامية قديمة التكوين كانت قديمة أم حديثة.

إن هذا التحديد لمفهوم الأمة عند هذه الحركات والقوى استتبع كنتيجة طبيعية لمنهجها الفكري، إسقاطاً للمفهوم القومي، لأن الأمة الإسلامية حسب مفهوم هذه القوى لا تقيم اعتباراً للتشكلات القومية كما ذهب إلى تفسيره سيد قطب في كتابه معالم في الطريق، حيث يشير إلى ان الأمة المسلمة ليست أرضاً كان يعيش فيها الإسلام، وليست كوناً كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي، وأكثر من ذلك، فإن بعض هذه القوى نظر في تحديده لمفهوم الأمة نظرة سلبية إلى المفهوم القومي، إذ يعتبر محمد باقر الصدر ان الاختلاف بين مفهوم القومية ومفهوم الأمة هو اختلاف التناقض، لأن الفكر الاجتماعي السياسي المرتكز على مفهوم القومية يريد ان يغير المجتمع ويطوره انطلاقاً من التراث الذي يمتد إلى ما قبل الرسالة الإسلامية. في حين ان مرجعية مفهوم الأمة التي تتضمن تطبيق الشريعة في جوانبها العبادية والاقتصادية والاجتماعية هي مرجعية لا تتصور الرجوع إلى الأصل ومفهوم التراث إلا ابتداء من عصر الرسالة.

هذا التحديد لمفهوم الأمة عند ابرز منظّرين للحركات ذات المنطلقات الفكرية الدينية ينطلق من ثابتة وهي ان الأمة بدأت ملامح تكوينها مع بدء الرسالة الإسلامية، وما سبق ذلك لا علاقة له بمكونات الامة، لأن المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام هم الذين يشكلون الأمة المسماة "الأمة الإسلامية" مع ما يستتبع ذلك من إسقاط لكل ما يعتبر من مكونات الأمة الأساسية والجوهرية، كالأرض واللغة، وترابط المصالح المشتركة والتجانس القومي ومنظومة العادات والتقاليد والأعراف التي تشكلت عبر تعاقب المراحل التاريخية.

بطبيعة الحال ان من يعتبر ان العقيدة الدينية هي المكون الأساسي لا بل الأوحد للامة، فإنما يكون منسجماً مع نفسه عندما يسقط كل عناصر أخرى اعتبرت أو تعتبر من مكونات الأمة. وبذلك يكون عند هؤلاء، ان تشكل الأمة له بداية في الزمان دون حدود في المكان حتى ولو كان المنتمون إيمانياً لهذا الدين لديهم موروثات مختلفة، تجد انعكاساتها وحضورها في منظومة المفاهيم والسلوك والعادات والتقاليد واللغة بما هي ناتج تراكم ثقافي.

وعلى أساس هذا الاعتقاد بحصر المكون الوحيد للأمة بالدين دون سائر العوامل الأخرى يكون منظرو الحركات الإسلامية قد اعتبروا ان هناك فصلاً ميكانيكياً بين إنسان ما قبل الدعوة، وإنسان ما بعدها والمقصود هنا الإنسان بما هو حالة مجتمعية، وهذا يستتبع فصلاً بين المراحل التاريخية وبمعنى آخر عدم وجود تواصل بين المراحل التاريخية التي عبرها تتشكل معالم المجتمعات البشرية.

وهنا تطرح الإشكالية التي أحدثت إرباكاً وارتباكاً في النظر لمفهوم الأمة وانطلاقاً من تساؤلين اثنين:

التساؤل الأول: هل الإسلام دعوة ورسالة، أسقط وتجاهل كل ما سبقه ان في الجانب الديني وان في الجانب المجتمعي؟

التساؤل الثاني: هو هل الإسلام كدين يشكل مكوناً وحيداً للأمة حتى يصبح الأخذ به كعامل حاسم في تحديد مفهومها؟

في الجواب على التساؤل الأول، نقول انه ليس صحيحاً ان الإسلام كدين، أسقط وتجاهل كل ما سبقه في الجانب الديني وفي الجانب المجتمعي واستناداً إلى المعطيات التالية:

المعطى الأول: عدم تنكر الدعوة الإسلامية لما سبقها من دعوات دينية ذات بعد رسالي.

إن الإسلام كدين كلي في نظرته للتكوين طبيعة وبشراً، لم يتنكر لما سبقه من رسالات سماوية، وبالتالي لم يعتبر ان الحياة البشرية، بدأت معه. بل على العكس من ذلك، اعترف بالديانات السماوية التي سبقته واحترم المعتقدات الدينية لمعتنقي الديانات السماوية الأخرى وتحديداً اليهودية والمسيحية، وان موسى وعيسى بنظر الإسلام هما رسولان من عند الإله، بل أكثر من ذلك، فإن ما ورد في القرآن الكريم حول موضوع التكوين، لم ينقض ما ورد في "العهد القديم" أي في التوراة، بل ثمة تشابه في الإسلام وفي اليهودية كدين لموضوع التكوين.

وهذا ان دل على شيء، فإنما يدل على أن الدعوة الإسلامية، لم تنسخ الدعوات الدينية ذات الطبيعة التوحيدية التي سبقت بل كانت في العصر التاريخي التي ظهرت فيه، استمراراً للدعوة والتبشير بوحدانية الخالق. وطالما هذا الخالق هو واحد، فالتكوين والخلق هما واحد عند كل الديانات السماوية. ولا يعقل ان يكون الله خالق الكون والبشر، خلق كوناً بطبيعته وبشره مفصلاً على قياس كل دعوة على حدة.

هذا يقودنا إلى القول بأن الإسلام ليس بداية البشرية بإقرار الإسلام له ذاته الذي يعود بالخلق البشري إلى آدم، وهو ليس الدين الأول الذي بشر بوحدانية الخالق إذ سبقه في ذلك رسل آخرون وإذا كان المجتمع البشري قبل الدعوة الإسلامية لم يكن كله مؤمناً بالتوحيد وفق ما جاءت فيه الرسالتان السماويتان اللتان سبقتا وهما اليهودية والمسيحية، فإنه بعد الإسلام، وصراحة النص بأن محمداً هو خاتم الأنبياء والرسل، وفي ظل الأثر المحدود جداً لحالات التبشير بعد أفول عصري الخلافتين الأموية والعباسية، أصبح الانتساب المعتقدي الديني، انتساباً وراثياً، بشكل عام يعتنق الأبناء دين الآباء وهذه لا تقتصر على المنتمين دينياً للإسلام وإنما تشمل سائر الأديان الأخرى.

إن الإسلام الذي أقر بتعددية دينية وانطلاقاً من إقراره واعترافه بالديانات التي سبقت، فإن المجتمع الذي أطلق ويطلق عليه المجتمع الإسلامي، انما هو في الواقع مجتمع تعددي في المعتقد الديني لأفراده. وهذا يستتبع اعترافاً بحق معتنقي ديني الهي توحيدي ان يمارسوا طقسهم الديني، لأن الإسلام الذين لم ينسخ ما قبله من ديانات سماوية، لم يكن تعايشه معها تسامحاً وحسب بل أيضاً اعتقاداً دينياً، وان ممارسة الآخرين طقسهم الديني هي حق لهم استناداً إلى أحكام الدين الذين يعتقدون وعلى قاعدة ثابتة عند الإسلام ان "لا أكراه في الدين".

وهذا يقودنا إلى ان المجتمع الذين يؤمن غالبية أعضائه بالدين الإسلامي لا حرم فيه ان يكون هناك أناس يعتنقون ديانات سماوية أخرى وبذلك لا يصح القول بأن يسمى المجتمع، مجتمعاً إسلامياً، إذا كان فيه من هم غير مسلمين بالمعتقد الديني، وبغض النظر عن عدد هؤلاء.

هذا في الجانب الديني/ المعتقدي، أما في الجانب المجتمعي فهل يصح القول ان الإسلام بما هو منظومة مفاهيم في بداية الدعوة ولاحقاً كان منفصلاً ومقطوع الجذور عن الحالة المجتمعية التي سبقته؟

إن الجواب على هذا التساؤل يرتبط بالبيئة الاجتماعية التي ظهرت فيها الدعوة، ومن ثم الطريقة التي أديرت فيها الشؤون المجتمعية في بداية الدعوة وبعدها، والمفاهيم ومنظومة العلاقات الاجتماعية التي استمرت قائمة بعد الدعوة.

من الرجوع إلى البعد الإنساني المجتمعي من الدعوة الإسلامية، يتبين بشكل واضح، ان الإسلام وكما استوعب ما قبله مما دعت إليه الديانات السماوية التي سبقت، وحافظ على طقوس دينية كان يعتبرها ذات صلة جوهرية بالإيمان التوحيدي فإنه في الجانب الآخر، عمل على استيعاب كل المعطى الايجابي في منظومة المفاهيم والعلاقات المجتمعية التي كانت سائدة في البيئة المجتمعية التي ظهرت فيها الدعوة، وعمل على إلغاء كل ما اعتبره يتناقض في السلوك المجتمعي ما جاء به الدين الحنيف، وعمد إلى تشذيب سلوكيات ومفاهيم كي تصبح متلائمة مع معطى الدين الجديد نصاً وسنةً لإدارة المجتمع في شق العلاقات الإنسانية المجتمعية، ولهذا فإن كثيراً من العادات والتقاليد والأعراف والمفاهيم التي كانت سائدة في البيئة المجتمعية لمرحلة ما قبل الدعوة استمرت لكن عبر ضوابط جديدة فرضتها نواميس الدين المُبَشّر به، وهذا لم يقتصر على البيئة المجتمعية الأصلية التي انطلقت منها الدعوة، بل طال أيضاً كل البيئات المجتمعية التي دخل أبناؤها في رحاب الإسلام. فهذه البيئات التي اعتنقت الإسلام كمعتقد ديني، بقيت مشدودة في علاقتها الاجتماعية إلى أعراف وتقاليد وعادات، تماهى بعضها مع الدين الجديد واستمر وتناقض بعضها مع المفاهيم المجتمعية الجديدة التي ادخلها الإسلام إلى العلاقات الإنسانية، وكان ذلك سبباً جوهرياً في بروز صراعات بين التكوينات المجتمعية التي كانت شديدة التمسك بأعرافها وتقاليدها وان بعضاً من هذه التكوينات المجتمعية عمدت إلى إدخال بعض مفاهيمها الخاصة إلى منظومة الإسلام كونها كانت ترى بذلك واحداً من العوامل الأساسية في حماية مكونات شخصيتها المجتمعية.

هذه الحالة التي سادت في البيئات المجتمعية التي اعتنق أبناؤها الإسلام، لم يستطع الإسلام كدين ان يصهرها في بوتقة واحدة، إذ بقيت كل بيئة محافظة على سمات خاصة بها. وبذلك فإن الإسلام الذي لم يسقط كل منظومة المفاهيم والعلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة في البيئة الأصلية التي تنشأ فيها والمقصود بذلك البيئة العربية، فإنه أيضاً لم يستطع ان يذيب ويلغي السمات الخاصة للبيئات المجتمعية في الحوض البشري الذي انتشر به. فإنه تعامل معها أيضاً مع البيئات المجتمعية التي انتشر بها. وإذا كانت قد حصلت حالات إكراه في مراحل معينة من مراحل نشر الدعوة، فهذا لم يكن استناداً إلى النص المعتقدي، بل يعود إلى إدارة الفعل السياسي التي أدارت شؤون البيئات المجتمعية المعتبرة ضمن المديات السلطوية لهذه الإدارة.

من كل ما تقدم، نصل إلى خلاصة ان الإسلام الذي لم يلغ الأديان السماوية التي سبقت واقر استتباعاً لذلك بتعددية دينية، فإنه أيضاً لم يلغ السمات الخاصة للبيئات المجتمعية التي انتشر فيها. فكان فيه العام والخاص بالنسبة لهذه البيئات، العام، هو وحدة المفاهيم الايمانية، والخاص هو تنوع المفاهيم الاجتماعية، تبعاً لتنوع التكوينات المجتمعية. هذا التنوع في المفاهيم الاجتماعية جعل من كل مكون بيئي ومجتمعي يتميز بسمات خاصة عن غيره. وهذا يقودنا للقول بأن الإسلام كدين موحد للإيمان لم يكن كذلك موحداً للبيئات المجتمعية. هذه البيئات التي لم تختلف ولم تتصارع على مبادئ الإسلام الإيمانية الاساسية، اختلفت وتصاعدت حول المصالح ودخلت في حروب في ما بينها وكانت كل بيئة ترسم حدوداً لها، هذه الحدود التي ينظر إليها تقليدياً بأنها حدوداً جغرافياً، هي الواقع حدوده تمايز سمات كل مجتمع عن غيره.

وهنا، نصل لنطرح التساؤل التالي، هل الإسلام كدين يشكل مكوناً وحيداً للأمة حتى يصبح الأخذ به كعامل حاسم في تحديد مفهومها؟

إن الجواب على هذا التساؤل، لا يكون بما يشير إليه النص، بل الأهم من ذلك مدى مطابقة النص للواقع، فإذا لم يكن النص عاكساً لحالة واقعية أو ممكن التطبيق على حالة واقعية، فإنه يبقى مندرجاً ضمن إطار الجدل النظري. وانه في ضوء ذلك لا يكفي ان يقول المنظرون "للأمة الإسلامية" بأن المسلمين يشكلون امة واحدة وان تميزت سمات تكوينات بيئاتهم المجتمعية لأن ذلك يناقض مبدأ إسلامياً جوهرياً، وهو إقرار واعتراف الإسلام بديانات سماوية أخرى يعيش المنتمون إليها دينياً في نفس البيئات المجتمعية، وعندها لا يصح ان يطلق على المكون البشري في البيئة المجتمعية بأنه مكون مسلم نظراً لوجود أناس من ديانات أخرى.

إذاً، فإن الإسلام الذي لم يستطع ان يذيب ويزيل الفوارق والسمات الخاصة للتكوينات المجتمعية التي انتشر فيها، لا يمكن الاستناد إليه كمعتقد ديني للقول بأنه يشكل مكوناً وحيداً لإبراز الشخصية الاعتبارية لهذا المكون المجتمعي، وبالتالي فإن الدين وان كان يؤدي الوظيفة الأساسية في توحيد المفاهيم الدينية إلا انه لا يشكل مكوناً أحادياً للبيئات المجتمعية المتمايزة في سماتها الخاصة بها.

وعلى هذا الاساس، فإن المفهوم الذي يطرحه منظرو الحركات الإسلامية للأمة ليس علمياً وليس واقعياً، لأن للأمة مفهومها وهي ليست حالة هلامية، بل هي حالة واقعية وطالما هي كذلك فهي تخضع في تحديد مفهوم لقواعد علم الاجتماع والتاريخ وعليه استند أصحاب النظريات التي تقول بأن الأمة في تكونها ليس خلاصة عنصر واحد بل جملة عناصر تفاعلت فيما بينها وأنتجت شخصية اعتبارية أطلق عليها اسم الأمة.

الأمة في مفهوم الحركات القومية

في مجال الاستعراض لمفهوم الأمة لدى الحركات السياسية ذات المنطلقات الدينية الصرفة، جرى التوقف عند التعريفات التي أعطاها ابرز منظرين لأبرز حركتين سياستين، منظمتين وهما سيد قطب عند تنظيم الأخوان المسلمين ومحمد باقر الصدر لدى حزب الدعوة.

أما في مجال تناول مفهوم الأمة من منظار الحركات السياسية ذات المنطلقات الفكرية القومية، فإنه يتم تناول مفهوم الأمة من وجهة نظر أبرز حركتين سياسيتين تناولا هذا الموضوع فكراً وتنظيماً وممارسةً، وهما حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب السوري القومي الاجتماعي.

أنطوان سعادة في كتابه نشوء الأمم، عرّف "الأمة بأنها جماعة من البشر تحيا حياة موحدة المصالح موحدة المصير، موحدة العوامل النفسية والمادية في قطر معين يكسبها تفاعلها معه في مجرى التطور خصائص ومزايا تميزها عن غيرها من الأمم". واستناداً إلى هذا التعريف، يقول أنطوان سعادة في شرحه لمبادئ الحزب، ان القول بأن السوريين هم أمة واحدة هو إعلان حقيقة أساسية تقضي على البلبلة والفوضى وتضع المجهود القومي على أساس من الوضوح لا يمكن بدونه إنشاء نهضة قومية في سورية.

ويعرف سعادة القومية في كتابه نشوء الأمم: بأن القومية هي يقظة الأمة وتنبهها لوحدة حياتها ولشخصيتها ومميزاتها ولوحدة مصيرها. "أنها عصبية الأمة". وقد تلتبس بالوطنية التي هي محبة الوطن ويخلص إلى اعتبار القومية هي الروحية الواحدة أو الشعور المنبثق من الأمة، من مجرى وحدة الحياة في مجرى الزمان أنها عوامل نفسية منبثقة عن روابط الحياة الاجتماعية والموروثة والمعهودة.

واعتبر سعادة ان الترابط بين الأمة والوطن هو المتحد الوحيد الذي تتم به وحدة الحياة ولذلك لا يمكن تصور حكم إنساني اجتماعي من غير بيئة تتم فيها وحدة الحياة وهذه البيئة هي الوطن السوري الذي نشأت فيه الأمة السورية والمعبر عنها بالهلال السوري الخصيب ونجمته جزيرة قبرص. وان أهم مبدأ ركز عليه سعادة في إدارة شؤون الدولة، التي تتولى إدارة شؤون الأمة هو فصل الدين عن الدولة هي الدولة القومية.

أما حزب البعث العربي الاشتراكي، فإنه من خلال الرجوع إلى أدبياته لم يتبين انه حدد تعريفاً نصياً للأمة، لأن الأمة من وجهة نظره هي معرفة بذاتها وهي بالتالي لا تحتاج إلى تعريف في ماهيتها، لأن التعريف يتناول موضوعاً غير محدد. ولذلك فإن القول بوجود الأمة والمقصود بذلك الأمة العربية فإنما ينحصر بالجانب الإعلاني وليس بالجانب الإنشائي. وان المكون البشري الذي يطلق عليه اسم الأمة العربية هو المكون القائم في منطقة جغرافية محددة وان كانت رسالتها الإنسانية تتجاوز هذه الحدود.

وان هذا المكون يشكل امة واحدة ليس لأن اللغة العربية هي لغة أبناء هذا المكون وحسب، بل ما يشد هؤلاء إلى مركز جاذب هو منظومة المفاهيم والأعراف والتقاليد والمصالح المشتركة والتي تشكلت عبر تعاقب المراحل التاريخية. وهذا ما أشار إليه الحزب بوضوح في مبادئه الأساسية الواردة في مقدمة دستوره.

لقد جاء في مقدمة دستوره ان العرب امة واحدة والأمة العربية وحدة تضامنية وجميع الفوارق القائمة بين أبنائها عرضية زائفة تزول جميعها بيقظة الوجدان القومي (المبدأ الأول).

كما ان الأمة العربية تختص بمزايا متجلية في نهضاتها المتعاقبة، وتتسم بخصب الحيوية والإبداع، وقابلية التجدد والانبعاث (المبدأ الثاني)، وهي ذات رسالة خالدة تظهر بأشكال متجددة متكاملة في مراحل التاريخ (المبدأ الثالث).

وفي مجال علاقة الأمة بالوطن اعتبر حزب البعث، ان لا امة بدون وطن، وان الوطن العربي هو وطن للعرب وهو وحدة سياسية اقتصادية لا تتجزأ (المبدأ الأول)، وان الوطن العربي هو البقعة الجغرافية التي تسكنها الأمة العربية ما بين المحيط الإقليمي والخليج العربي وجبال طوروسس والبحر العربي والبحر الأبيض المتوسط (المادة 7).

أما في مجال تحديده للمفهوم القومي، فإن الحزب اعتبر ان القومية هي حقيقية حية خالدة وان ما يربط الفرد بأمته هو الشعور القومي الواعي وهو شعور مقدس. وان الفكرة القومية أو ما يمكن تسميته بالحافز او الباعث القومي من وجهة نظر الحزب فهي فعل إرادة الشعب العربي في التحرر والتوحد وتحقيق الشخصية العربية في التاريخ (المادة 3 من المبادئ العامة من دستور الحزب).

وقد أخرج مؤسس البعث الأستاذ ميشال عفلق التعرف النصي للقومية من تشخيصات المفردات اللغوية ذات المدلولات المادية، إلى رحاب التعريف المعنوي، عند إجابته عن معنى القومية، فقال انه حب. فالقومية بنظره هي حب قبل كل شيء. وقصد بذلك علاقة الحب التي تشد الحبيب إلى محبوبته فالحبيب هو الإنسان العربي والمحبوبة هي الأمة العربية.

وطالما ان البعث يعتبر ان الأمة العربية هي وحدة سياسية ثقافية، وان الوطن العربي هو وحدة جغرافية، فإن للعرب الحق في إقامة دولة واحدة على قاعدة ان الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدولة العربية التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة واحدة وتكافح سائر العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرفية والإقليمية (المادة 15 من المبادئ العامة).

أما لجهة تحديد من هو العربي فقد حدد دستور الحزب في مادته العاشرة بأن العربي هو من كانت لغته العربية وعاش على الأرض العربية وتطلع إلى الحياة وآمن بالانتساب إلى الأمة العربية".

وانه على ضوء هذا التحديد من هو العربي، فإنه لم يشر إلى الانتماء الديني الإيماني لمكون أساسي لتحديد هوية الانتماء إلى الامة، بل أشار إلى عدة عناصر، وهي اللغة، والعيش والانخراط في الحياة المجتمعية والإيمان بأن العربي في التاريخ الزماني فيه هو لحظة من لحظات التواصل التاريخي للأمة والتي يؤمن بعلاقة الربط المعنوي التي تربطه بها وهي الشعور القومي.

اذاً، فإنه حسب مفهوم حزب البعث، للأمة والقومية والوطن، فإنه قارب المفهوم الحديث لمفهوم الامة- القومية والدولة- القومية، وهو المفهوم الذي ساد منذ بدأت عملية فرز المجتمعات على أساس تشكلها القومي والذي عرف بعصر القوميات.

وهذا ما تطرق إليه علماء وفقهاء القانون الدستوري في تحديدهم وتعريفهم لمفهوم الأمة والقومية والدولة القومية.

فالدكتور أدمون رباط في مؤلفه الوسيط في القانون الدستوري الجزء الأول يعرف الأمة القومية، بأنها الشعب الذي يخالجه الشعور بأنه امة واحدة، وان شعوراً جماعياً كهذا الشعور لا يظهر إلا في مجموعة بشرية تكون واعية بوجودها وبالتالي مؤمنة بحقوقها ومتحملة مسؤولياتها في حكم الدولة التي تظلها ولهذا يرى ان القومية أصبحت قوة سياسية متجهة تحو جميع أقطار العالم إلى التجلي في دولة واحدة، تكون خاصة بها لتستقل في حدودها وهذا ما جعل الدولة العصرية مرتدية شكل الدولة القومية.

أي مقاربة هي الأصح والأدق لمفهوم الأمة؟

من خلال ما تقدم يتضح ان مفهوم الأمة من خلال مقاربات التحديدات والتعريفات التي أعطتها الحركات السياسية التي أشير إليها على سبيل المثال لا الحصر، ان كانت ذات منطلقات فكرية، دينية، أو منطلقات فكرية قومية يتبين عنصر التفريق الجوهري بين النظريتين، الدينية والقومية... فالنظرة الدينية تعتبر الدين مكوناً أساسياً ووحيد اًلإضفاء صفة الأمة على المكون المجتمعي، والنظرة القومية، ومعها فقهاء العلم الدستوري، لا يعتبرون الدين مكوناً للأمة، بل ثمة عناصر أخرى هي من العناصر الأساسية.

وهنا يطرح التساؤل، أي المقاربتين هي الأصح والأدق هل كل الذين يؤمنون بالإسلام يشكلون أمة واحدة، كما تذهب إليه الحركات الدينية، أم ان هؤلاء موزعون على مكونات بشرية مجتمعية متمايزة في لغاتها وعواطفها ومراحل التشكل التاريخي لشخصياتها المعنوية؟

قبل الرجوع إلى المقاربة الواقعية لمعرفة مدى مطابقة المنظومة الفكرية الضابطة لمفاهيم وسلوك الحركات السياسية ذات المنطلقات الفكرية الدينية منها القومية للواقع المجتمعي نشير إلى آيتين على سبيل المثال لا الحصر وردتا في القرآن الكريم وهي الآية 13 من سورة الحجرات والآية 110 من سورة آل عمران.

فالأولى تنص "يا أيها الناس ان خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان أحسنكم عند الله أتقاكم" والثانية تنص: "كنتم خير أمة أخرجت للناس"

فماذا يستدل من هذين النصين، النص الأول يشير إلى ان الله خلق البشرية شعوباً وقبائل، أي ان البشرية مشكلة من مجموعة شعوب وان الأفضل منها هو الأتقى. أما النص الثاني، فيشير إلى تسمية الأمة تحديداً مقرونة بصفة الخير. وعندما يشير القرآن إلى الأمة التي نزل الوحي عليها هي خير أمة أخرجت للناس، فهذا يعني ان هناك أمم أخرى، موجودة لكن الأمة التي حملت الدعوة هي "خير أمة".

وعندما ينص القرآن في مخاطبة الخالق للنبي محمد في الآية (7) من سورة الشورى وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها، وكذلك أنزلنا حكماً عربياً سورة الرعد - الآية 37)

وكذلك ما جاء في سورة الشعراء: نزل به الروح ومن على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين الآيات 193 - 199)

هذه الآيات تحدد بوضوح ان الإسلام أنزل على العرب خاصة والإشارة إلى الأعجمي في عدد آيات القرآن يعني أيضاً ان الأعاجم هم شعب آخر.

اذاً، ان العرب قبل الدعوة كانوا أمة، وهذا ثابت بالنص، وهنا فإن العرب يصح ان يطلق عليهم أمة الدعوة كما ذهب إلى تسميته الدكتور ناصيف نصار في كتابه مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ.

وان الرسالة التي حملها العرب، اعتنقها كثيرون غير العرب. والشعوب غير العربية التي اعتنق أفرادها الإسلام، اعتنقوا ذلك معتقداً دينياً، ودون ان يؤدي إلى ذوبان شخصيتهم الاعتبارية وموروث عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم التي تشكلت عبر التاريخ ولهذا بقيت تلك الشعوب محافظة على سماتها الخاصة وهذه السمات رسمت خطوطاً فاصلة بين حدود المكونات المجتمعية التي اعتنقت الإسلام. ولهذا فإن القول بأن الشعوب التي اعتنقت الإسلام تشكل أمة واحدة يناقض الواقع المجتمعي القائم، وان ما سمي بأمة الاجابة، أي الشعوب التي استجابت للدعوة ودخلت اليها، لا تشكل أمة واحدة لا بحكم المطابقة النصية لما ورد في القرآن الكريم ولا بحكم المطابقة الواقعية.

ولذلك، فإن القول بأن الذي يعتنقون الإسلام يشكلون امة واحدة هي "الأمة الإسلامية"، هي تسمية مغلوطة، وان المقاربات الفكرية للحركات السياسية ذات المنطلقات القومية هي الأدق لا بل هي الأصح وهذه المقاربة الصحيحة هي التي جعلت دساتير الدول التي يؤمن غالبية سكانها بالإسلام، تحدد هوية قومية لذاتها، وان الدول العربية وهي التي يعتبر أبناؤها من امة الدعوة لم يشر أي واحدة منها في دستورها إلى تعبير الأمة الإسلامية. وهذا ما يشير إليه الدكتور محمد مجذوب في مؤلفه دراسات قومية ودولية: "ليس ثمة دولة عربية واحدة تعلن في دستورها أنها امة إسلامية أو جزء من الأمة الإسلامية، بل ان تعبير الأمة الإسلامية لا يرد في الدساتير العربية، وكل الدساتير في الدول العربية تشير إلى شعوبها إلى أنها عربية أو جزء من الأمة العربية".

إن عدم دقة إطلاق مفهوم "الأمة الإسلامية" على الشعوب التي يؤمن غالبية أبنائها بالإسلام. ذهب إلى تأكيده فلاسفة وعلماء الاجتماع المسلمين فالمسعودي في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر لم يستعمل كلمة أمة بالمعنى الديني ولم يستعمل عبارة الأمة الإسلامية. فالمسلمون بنظره هم أهل الملة. والملة والدين تترادفان على وجه العموم. أما الأمة فإنه يستعملها فقط بالمعنى الاجتماعي التاريخي. وقد تكون للأمة ملة، وقد تكون بلا شريعة موصى بها.

وهذا التحديد والتمييز الذي أعطاه المسعودي لمفهومي الأمة والملة تناوله الفارابي، حيث اعتبر ان الأمة هي جماعة معينة من الناس، بينما الملة هي مجموعة أراء وأفعال مرسومة لحياة جماعة معينة ويمكن ان يكون هناك تعدد في الملل التي توضع لإرشاد الناس إلى السعادة. والسبب هو ان الملة تعبر عن حقيقة المبادئ الوجودية ومراتب الوجود والسعادة لا عن طريق التصور والتعقل بل عن طريق التخيل والمحاكاة وأساليب التخيل والمحاكاة تختلف بين امة وأخرى بحسب خصائص كل واحدة.

ولهذا يعتبر د. ناصيف نصار ان الفارابي أعطى لمفهوم الأمة مضموناً اجتماعياً محورياً، وان فلسفة الفارابي لم تميز تمييز دقيقاً بين الأمة والملة وحسب ولكنها أيضاً حددت العلاقات الجوهرية بينهما.

من هنا، فإن إطلاق "مفهوم الأمة الإسلامية" على مكون بشري تؤمن غالبية أعضائه بالإسلام ليس مفهوماً دقيقاً ولا يطابق واقع الحال. ولهذا فإن المراحل التاريخية التي حكمت فيها الدولة مستمدة شرعيتها الدينية من الإسلام كما في عهد الدولة الراشدية أو الأموية أو العباسية أو العثمانية، فإنها لم تستطع ان تصهر المجتمعات التي وقعت ضمن مدايات ممارسة هذه الدولة لسلطاتها، وانه ما ان سقطت مكونات هذه الدولة التي قدمت تحت عنوان الخلافة حتى عادت الحدود لترتسم بين الشعوب التي كانت محكومة بهذه الدولة.

ولهذا يتبين، ان الثابت التاريخي بقي المكون المجتمعي المتمايز عن غيره بسمات خاصة. وهذا لم يقتصر على الشعوب التي كانت منضوية تحت سلطة (الدولة- الخلافة)، بل أيضاً، طال وضع الشعوب التي وقعت تحت سلطة الإمبراطوريات الحديثة، حيث إنه بعد انهيار(الدولة - الإمبراطورية)، كانت الحدود تعود لترسم بين المكونات البشرية المتمايزة.

لذلك، لا يصح القول بأن الشعوب التي يؤمن أبناؤها بالإسلام يشكلون امة إسلامية، لأن مفهوم الأمة له تحديد وتعريف ومفهوم تتداخل فيه عدة عناصر جرت الإشارة إليها. وإذا كان من يصر على القول بأن الدين يشكل مكوناً وحيداً للأمة وان المسلمين يشكلون امة واحدة فهذا يقود للقول بأن المسيحيين يشكلون امة واحدة واليهود يشكلون امة واحدة الخ... ولهذا يعتبر الأستاذ شبلي العيسمي في مؤلفه عروبة الإسلام وعالميته، "ان الإسلام دين وعقيدة وليس قومية بالمعنى المتعارف عليه. والمسلمون من قوميات عديدة ودول متعددة وان الدعوة إلى وحدة المسلمين على أساس أنهم يشكلون امة واحدة تفتقر إلى الدقة العلمية ولا تعبر عن مفهوم واضح لكلمة وحدة".

وانه على ضوء ذلك، فإن الأمة بما هي تشكل مجتمعي والقومية بما هي رابط معنوي تشد الفرد إلى المجموعة والوحدة بما هي تعبير سياسي عن التوحد القومي والدولة بما هي مفهوم حقوقي ونظام لإدارة شؤون المجتمع، بحاجة إلى تحديدات واضحة كي يزول الالتباس الحاصل حول مفهوم الأمة.

وإذا كانت الحركات السياسية ذات المنطلقات الفكرية وان تمايزت واختلفت في تحديد المضامين القومية، إلا أنها في ما تطرحه من تحديدات لمفهوم الأمة والقومية هو التحديد الواقعي ان لم يكن العملي بمعنى مدلولات علم الاجتماع البشري وان من يرفع شعار "الأمة الإسلامية"، إنما يرفع ذلك لأهداف سياسية لعدم صحة مطابقة الشعار مع الواقع المجتمعي. وإذا كانت الحركات السياسية ترفع شعار الدعوة إلى قيام "الأمة الإسلامية"، وهي ترى ذلك منسجماً مع منطلقاتها الفكرية، إلا انه لا يجوز ان تقدم الحركات السياسية ذات المنطلقات الفكرية القومية على إدراج هذه المفردة في خطابها السياسي، لأنها تناقض نفسها من ناحية أولى وتحدث إرباكا والتباساً في حدود التمايز بين الفكر القومي والفكر الديني من ناحية ثانية واستعمال مفردة (الأمة الإسلامية والأمة العربية) بنفس المدلول هو استعمال مغلوط، ويجب وقف هذا الاستعمال حتى لا تبقى الأمور مختلفة وتضيع عندها المقاييس.

وإذا كانت الحركات السياسية ذات المنطلقات القومية لم تستطع حتى الآن ان تحقق بالفعل وحدتها القومية، فهذا لا يعني ان الفكر القومي غير صحيح وغير واقعي، بل لأن الظروف الذاتية والموضوعية المحيطة بذلك تؤخر في تحقيق انجاز الوحدة القومية دون ان تسقط مقوماته.


اضف تعليق
تعليقات


خيارات المقال