هل يعي عرب اليوم حقاً ما حققه أسلافهم من إنجازات هائلة في حقلي العلوم والتكنولوجيا التي لولاها ما قام مختلف حضاراتهم الرائعة عبر حقب التاريخ المديدة؟ فالعلوم والتكنولوجيا الزراعية عرفهما أهل مصر وسومر قبل سبعة آلاف سنة، والهندسة المعمارية بنت الأهرام قبل خمسة آلاف سنة، وفن الكتابة وجد عند المصريين والفينيقيين قبل خمسة آلاف سنة، وكذا الأمر بالنسبة إلى صهر النحاس وبناء السفن وتطوير علوم الفلك والطب الخ... والسؤال: هل كان بإمكان تلك المجتمعات أن تحمي نفسها وتستقر وتتطور لولم توجد تلك المنظومات العلمية التقانية، على بساطتها وبدائيتها، كنشاطات تدعم الاقتصاد والأمن في تلك المجتمعات؟ ليس المقصود من طرح مثل هذه الأسئلة الدخول في شباك علم التاريخ المعقد. المقصود هو توجيه هذه الأسئلة للحاضر العربي. كيف؟ الجواب يكمن في تدقيق النظر في مكونات المشروع النهضوي العربي. فهذا المشروع نوقش في مؤتمرات كثيرة وكتبت فيه المجلدات. وهو مشروع مطروح بأشكال واستنتاجات مختلفة منذ نهاية القرن الثامن عشر. وإذا تفحصناه في صوره الأخيرة، والمتفق عليها من قبل الكثيرين من المفكرين العرب، فإننا سنجد أنه يتلخص في ستة أهداف رئيسية محورية: هي الاستقلال الوطني والوحدة العربية والتنمية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والتجديد الحضاري. وهي أهداف كبرى تتوجه نحو تحديث الوطن العربي وإدخال ساكنيه في قلب العصر الذي يعيشونه. نحن إذاً نريد ولوج عين دائرة العصر لا هوامشه. ولا يوجد شك في أن كل هدف من تلك الأهداف الستة سيساعد في عملية الولوج تلك. ومع ذلك فعندما يدرس القارئ مجلدات المشروع النهضوي العربي يشعر بأن شيئا ما، يمت إلى روح العصر ويحرك ماكنته منذ أربعة قرون، بل يفرض نوع المسار الذي سيسير فيه عصرنا في المستقبل.. بأن شيئا ما غائب إما لأنه مهمش وإما لأنه يتعامل معه كأداة ووسيلة لتحقيق بعض تلك الأهداف الكبرى، وعلى الأخص هدف التنمية. هذا الشيء الغائب إلى حد ما هو الوجود البارز لمنظومة العلوم والتكنولوجيا في هذا المشروع القومي. وفي الحال دعنا نطرح السؤال التالي: هل بناء منظومة العلوم و التكنولوجيا تستحق، بل يجب، أن تكون هدفاً سابعاً قائماً بذاته ومساوياً لغيره - لا عنصراً مساعداً مرتبطاً بالأهداف الستة الأخرى؟ هذا سؤال محوري ولذلك دعنا نستعين أولاً هنا بالتاريخ والواقع. ألمانيا النازية كانت غير ديموقراطية، لكن منظومة العلوم - التكنولوجيا عندها كانت قوية وراسخة فوقفت أمام أوروبا كلها خمس سنوات وكادت أن تنتصر. الاتحاد السوفيتي كان يحقق الكثير من متطلبات العدالة الاجتماعية لكنه انهار في النهاية لأسباب ضعف منظومته العلمية - التكنولوجية بالمقارنة لمنافسيه في الغرب الرأسمالي. اليابان كانت متخلفة وراء مصر محمد علي باشا، لكنها بنت منظومة علمية - تكنولوجية عبر قرن بإصرار ونجاح فنهضت، بينما لم يسمح الغرب لمصر ببناء منظومتها فسقط مشروع محمد علي باشا في مهده. اليوم أحد أسباب الصعود المذهل للصين والهند هو بناؤهما منظومة علمية - تكنولوجية ذاتية. القائمة طويلة ووجود أو عدم وجود المنظومة لم يكن السبب الوحيد في الصعود أو الهبوط. لقد كانت هناك أسباب أخرى... لكن وجود المنظومة كان حاسماً في تاريخ المجتمعات عبر التاريخ كله وسيكون حاسماً عـبر مستقبلها. نود الخروج باستنتاج بسيط ومهم: في أيامنا الحالية يكثر الحديث عبر الوطن العربي كله عن المكونات المطلوبة لنهوض العرب. هناك كلام كثير عن أهمية الديموقراطية والوحدة العربية والتنمية والتجديد الثقافي الإسلامي وباقي أهداف المشروع النهضوي. بينما ينزوي هدف بناء منظومة علمية - تقانية كهدف ثانوي مساعد عند الحكومات وعند مؤسسات المجتمع المـدني. وينسى الجميع أن ما يحرك حضارة العصر برمتها وما يقرر مساراتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية هو تفاعلات وإنجازات وتوجهات منظومة العلوم - التكنولوجيا. المطلوب هو نظرة جديدة لمكانة هذه المنظومة في المشروع النهضوي العربي، وهو ما سنتناوله في المقال القادم.