كلمات قليلة وبسيطة لكنها كانت كفيلة بهز أبدان كل من استمعوا إليها، تلك الكلمات التي كان يتحدث بها أحد الخطباء لحظة عبور أول شاحنة تحمل رفات الشهداء العائدين من ثرى فلسطين المحتلة إلى الأراضي اللبنانية. كان المشهد مؤثراً إلى أقصى الحدود حيث اصطف جنود الشرف على الجانبين لأداء التحية العسكرية الواجبة للأبطال العائدين، وانطلقت الزغاريد لتطغى على أصوات الموسيقا الحزينة، لتشيع أجواء مختلفة من الحنين والشوق إلى فلسطين، ومن العزة والكرامة والطموح إلى غد تشيع فيه مجدداً روح العطاء والتضحية، وقبلهما الثقة بالحق والثقة بالنصر.
خاطب المتحدث قافلة العائدين، ومن بينها رفات الشهيدة القائدة دلال المغربي ومجموعتها الفدائية، قائلاً: "أخبرونا بربكم ماذا أوصتكم فلسطين؟ ماذا أسرت لكم من خفايا أسرارها الدفينة؟ وكيف احتضنكم ثراها طيلة تلك السنوات؟ أي شوق وأي حب يغمركم الآن، وأي ألم يعتصركم وأنتم تغادرونها؟".
كانت الدموع تنهمر والأبدان تهتز من وقع الكلمات، لكن الأهم من هذا كله هو اختلاط ذلك بمشاعر أخرى فرضت نفسها على الجميع، مشاعر محاسبة النفس والسؤال الصامت الذي أخذ يضرب كل الحاضرين: أين نحن من هؤلاء؟ ماذا سنخبرهم عن أحوالنا؟ ماذا سنقول عن حال الأمة؟ ماذا سنقول عن قافلة التطبيع التي تسابق قافلة الشهداء؟ كيف أصبح الاستسلام يسمى "ثقافة السلام"، وكيف أصبحت المقاومة محاصرة من العرب قبل أعدائهم، وكيف أصبحت المقاومة تسمى "الإرهاب"؟ ثم ماذا سنخبرهم عن احتلال العراق، وتمزيق وحدة الأمة ونظامها القومي العربي بين دعوة للشرق أوسطية وأخرى للمتوسطية؟
مشاعر حساب النفس هذه تفاقمت في مجمع "شاهد" بعدما وصل رفات كل الشهداء، وسجيت النعوش بعضها إلى جانب بعض، بعدما تم فرزها حسب الجنسيات وحسب الأحزاب والمنظمات الفدائية، وكشفت ألوان الأعلام كيف أن الشهداء وحدوا الأمة في واحدة من أسمى معاني الوحدة، وهي "وحدة المقاومة من أجل فلسطين". كشفت عملية الفرز تلك عن انتماء عربي حقيقي لفلسطين، حيث أضحت فلسطين وأضحى الانتماء لها أحد أهم عوامل وحدة الأمة، والعكس هو الذي تعيشه الآن.
بين تلك النعوش تأكد وجود نعوش ل 24 لبنانياً من أبرزها نعش الشهيدة الجميلة الرائعة سناء محيدلي أول استشهادية لبنانية من أجل فلسطين، و34 فلسطينياً و10 فلسطينيين أردنيين، و47 فلسطينياً سورياً، و37 سورياً، وأردنيان، و8 شهداء تونسيين، وعراقي وكويتي، و3 شهداء ليبيين ومغربي ونيجيري، لكن بقي رفات مجهول لما يزيد على 28 مازالت عملية التحقق من أصحابه مستمرة. إلى جانب هذه الحقيقة المفرحة، حقيقة أن الاستشهاد من أجل فلسطين كان استشهاداً عربياً موحداً للأمة، كانت هناك حقيقة أخرى، هي أن المقاومة صفة جامعة لمكونات هذه الأمة وتياراتها السياسية، القومية واليسارية والإسلامية. وإذا كانت المقاومة الإسلامية الآن هي الأبرز، فإن القوى والتيارات العربية الأخرى سبقت التيار الإسلامي في الدفاع وفي الاستشهاد من أجل فلسطين، وأن المقاومة الإسلامية الحالية هي امتداد لمقاومة ونضال كل الأمة من أجل فلسطين، وهنا تعود المقاومة لتوحد كل التيارات السياسية كما سبق ووحدت الأقطار.
في مجمع "شاهد" تسلمت الجبهة الديمقراطية نعوش 42 شهيداً، وتسلمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين 32 شهيداً، وتسلمت منظمة "فتح المجلس الثوري" 19 شهيداً، وتسلمت الجبهة الشعبية القيادة العامة 12 شهيداً، وتسلمت جبهة التحرير الفلسطينية 11 شهيداً، وتسلمت حركة الجهاد الإسلامي 8 شهداء، وتسلمت حركة "فتح" 8 شهداء، وتسلم حزب البعث العربي الاشتراكي 7 شهداء، وتسلمت جبهة النضال الفلسطيني 6 شهداء، وتسلمت "فتح الانتفاضة" 5 شهداء، وتسلمت "الصاعقة" 4 شهداء، وتسلم الحزب القومي السوري 5 شهداء.
وتوالت الحقائق الواحدة تلو الأخرى، حقائق الزمن الجميل، وأخذت تطوف بالخيال الذي مازال يحلم بزمن أجمل وأروع تعود إليه الأمة لتتوحد مجدداً حول تحرير فلسطين، وحول خيار المقاومة كخيار استراتيجي، بعدما أكدت أنها الخيار الناجح، والمثال اللبناني هو الشاهد الحي: حررت الأرض، وأعادت كل الأسرى، وأعادت رفات الشهداء، في حين أن الخيار الآخر أضاع كل شيء، وفي مقدمة ما ضاع هو وحدة الأمة.