كاتب مصري
هل يمثل التاريخ عبئاً بالنسبة لحركة التقدم والتطور والتحديث؟ وهل تتحرك المجتمعات التي لا تمتلك تاريخاً بمرونة أكبر عن تلك المجتمعات التي يكبلها تاريخها الطويل الذي يمتد لآلاف السنين؟ وإذا كان التاريخ يمثل عبئا على حركة المجتمعات، فلماذا تتشبث به المجتمعات وترتبط به، بل وتقاتل في سبيله؟
هل يمثل التاريخ عبئاً بالنسبة لحركة التقدم والتطور والتحديث؟ وهل تتحرك المجتمعات التي لا تمتلك تاريخاً بمرونة أكبر عن تلك المجتمعات التي يكبلها تاريخها الطويل الذي يمتد لآلاف السنين؟ وإذا كان التاريخ يمثل عبئا على حركة المجتمعات، فلماذا تتشبث به المجتمعات وترتبط به، بل وتقاتل في سبيله؟
وفي عصر العولمة المبتذل الذي يقتحمنا ليل نهار، هل يصبح للتاريخ قيمة، بعد أن تحولت مفرداته ومنتجاته وتجلياته المختلفة إلى سلع تمتلئ بها أرفف المتاجر الرخيص منها والغالي على السواء؟ وأخيرا، ألا يصبح التمسك بالتاريخ في مثل هذا الحالة ضربا من الجنون والعبث والعزلة عن المحيط الكوني العام؟
يمثل التاريخ أهمية قصوى لكافة المجتمعات الإنسانية؛ فالتاريخ يمثل الحنين والمثال الذي تتوق إليه الشعوب، وتوجه إليه رحالها كلما أعيتها تحولات الحاضر وظروفه المعاندة. ولا يمكن الجزم بشكل قاطع بالأسباب التي تجعل الشعوب والأمم تتعلق بالتاريخ وتتمسك به، دون القدرة على تحليله ونقده، ناهيك عن الانسلاخ عنه.
ولعل ذلك يظهر من خلال كتب التاريخ الرسمية على وجه الخصوص التي تسطرها الأمم لنفسها ولأبنائها، حيث تشيد من خلالها بالتاريخ وبالأسلاف وبالبطولات المختلفة. وحتى إذا لم توجد أي بطولات ولا يحزنون، نجد هذه الأمم تمد تاريخها إلى آلاف مضت من السنين، مستندة إلى وجود بعض الأواني أو العملات النقدية، من أجل الحصول على مساحة ما من التاريخ، ومن أجل اكتساب قدر ما من التواصل الحضاري الإنساني القديم.
ويتفاوت استخدام التاريخ بين الأمم القديمة والحديثة. فالأمم القديمة تتحدث عن التاريخ ليل نهار، تستدعيه في كل صغيرة وكبيرة. وما يلفت الانتباه هنا أن استدعاء التاريخ يتم في أوقات الهزائم كما في أوقات الانتصارات، رغم اختلاف التداعيات المرتبطة بكليهما. لكن التاريخ حمال أوجه وحمال تفسيرات، ففي كل الأوقات هناك متسع ومكان لاستخدام التاريخ وحمولات التأويل المرتبطة به.
فمن الملاحظ الآن على سبيل المثال أن انطلاقة كل من الهند والصين ترتكز بدرجة كبيرة إلى استدعاء التاريخ. ففي ظل المواجهة الصينية الأميركية الحالية، تستدعي الصين تاريخها وحضارتها مقارنة بالولايات المتحدة الذي لا يمثل تاريخها سوى قشرة رقيقة جدا من تراكمات التاريخ الصيني القديم.
وإذا كان الصينيون يستدعون تاريخهم في المواجهة المباشرة مع أميركا، فإن الهنود يستدعون تاريخهم وحضارتهم من أجل إثبات حسن نواياهم في الحصول على مكانة عالمية تليق بالهند وتاريخها والتنوع العرقي والديني الذي تملكه. في الصين يتم استدعاء التاريخ من خلال الإحساس بالتفوق التجاري الصيني على الولايات المتحدة الأميركية، بينما يتم استدعاؤه في الهند من خلال الإحساس بضرورة تسويق الهند لدى الآخر الغربي في الأساس.
وإذا كانت الصين والهند تستدعيان التاريخ إبان صعودهما الحالي، ومن خلال فهمهما لوضعيتهما الحالية ضمن منظومة القوى الكونية العظمى والصاعدة، فإن هناك العديد من الأمم الأخرى تستدعي التاريخ وهي على شفا الانهيار والخروج من حسابات التاريخ ذاته.
ومن الأسف أن العالم العربي ينتمي إلى هذه الأمم. ومن مفارقات القدر أن العالم العربي لا يستطيع أن يحيا بدون تاريخ، سواء إبان فترات صعوده أو إبان فترات انهياره والهزائم التي تطارده. فالعرب لا يحيون إلا بالتاريخ، حتى وهم لا يدركون حقيقة واقعهم، وإملاءات الحاضر المتنفذة عليهم وعلى شعوبهم وعلى حضارتهم، وبالطبع على تواريخهم الحقيقية أو المختلقة.
هنا يتم استدعاء التاريخ بكافة حمولاته الدينية والطائفية والعرقية، تستدعيه الأغلبية كما تستدعيه الأقليات. ومن اللافت للنظر أن استدعاء التاريخ يتم هنا، وعلى عكس ما يتم في الصين والهند، من دون أية إسهامات عربية حقيقية في صناعة الحاضر، أو حتى المساهمة بقدر ما في تشكيله. وحتى بعض التجارب العربية التي لعبت الصدفة دورا في صعودها، فإنها تتم ضمن وضعية الاستهلاك العربي دون أية إسهامات إنتاجية حقيقية.
كما أن البعض في العالم العربي يستدعي التاريخ بكل حمولاته وتأثيراته المختلفة، بينما يزيح البعض الآخر التاريخ مرتكزا على بعض الإنجازات الشكلية غير المؤثرة في المحيط العربي العام. ومن الغريب أيضا أن المعنى الحقيقي للتاريخ يضيع بين الفريقين. فالفريق الأول ما زال ضائعا بين منتجات التاريخ القديمة والأسلاف الفاتحين حيث يصير التاريخ هو الماضي فقط، والفريق الثاني يعيش مزهوا وسط صنائع الآخرين، حيث يصير التاريخ هو الحاضر فقط.
يحتاج العالم العربي الآن إلى فريق ثالث يدرك المعنى الحقيقي للتاريخ، على أنه حالة إنتاجية وإبداعية غامرة للتواصل العبقري بين الماضي والحاضر دون انقطاع أو تقديس. وإلى أن يستطيع العرب إنتاج هذا التصور، سيظل التاريخ عبئا علينا وتصورا مثاليا يمنحنا استمرارا مؤقتا في الجغرافيا التي يتلاعب بها الآخرون ويعيدون رسمها من جديد، وفقاً لشروطهم وأحكامهم ومصالحهم.
cdabcd