كاتبة من البحرين قبل فترة وفي احدى الفضائيات اللبنانية التابعة لتيار 14 شباط، جرى تقييم لحرب 2006 ولدور المقاومة اللبنانية وصورتها ومدى شعبيتها وشعبية أمينها العام (حسن نصرالله)، واستضاف البرنامج عددا من المحللين السياسيين أو النخب السياسية العربية ليدلي هؤلاء بدلوهم، وليكتشفوا مع ختام التقييم، ان شعبية المقاومة تعود في احد عواملها
قبل فترة وفي احدى الفضائيات اللبنانية التابعة لتيار 14 شباط، جرى تقييم لحرب 2006 ولدور المقاومة اللبنانية وصورتها ومدى شعبيتها وشعبية أمينها العام (حسن نصرالله)، واستضاف البرنامج عددا من المحللين السياسيين أو النخب السياسية العربية ليدلي هؤلاء بدلوهم، وليكتشفوا مع ختام التقييم، ان شعبية المقاومة تعود في احد عواملها الى (عاطفية الشعوب العربية، وعدم وجود ثقافة سياسية لديها) وبالتالي فان الشارع العربي هو ضحية هذه العاطفية وضحية ما معناه (الأمية السياسية). قد يصدق هذا التحليل بالنسبة إلى علاقة الشارع العربي مع مجمل الحركات السياسية العربية الاخرى في الوطن العربي، حيث الحزبية الضيقة، ولكن لم يخطئ قط حدس الشعوب وبوصلتها في تحديد من هو العدو الاستراتيجي لهذه الأمة على مسار التاريخ، ومعرفته المؤكدة أنه اليوم هو العدو الصهيوني والصهيونية بشكل عام. وبالتالي فإن التفاف الشعوب العربية حول المقاومات العربية وعلى رأسها المقاومة الاسلامية اللبنانية، انما هو المعرفة السياسية المؤكدة لديها بالفطرة السليمة وليس العاطفية بأن هذه المقاومة، من دون غيرها، هي التي استطاعت تمثيل الضمير الشعبي العربي وارادتها السياسية في مواجهة عدوها الوجودي، وفي هذه الحالة فان تهمة (العاطفية) تأخذ هنا سياقها الايجابي في نصرة مقاومة نصرت حقوقها وواجهت عدوها، وسجلت لها الكثير في سجل الكرامة الانسانية العربية، لأن العاطفية قد يتم استغلالها من بعض الحركات السياسية الايديولوجية، لتحول بعض اعضائها او اغلبهم الى قطيع سياسي عاطفي، وهذا لا ينطبق على حركة مقاومة مناصروها هم (من الشعوب العربية كلها) وليسوا اعضاء في (حزب الله) وربما هم ايضا ممن ينتمون الى تيارات سياسية اخرى مختلفة ايديولوجيا وفكريا عن خط حزب الله. هنا تكون المسألة ليست مسألة (حركة سياسية وقطيع سياسي عاطفي) كما يريد ان يوهمنا هؤلاء النخب في تحليلاتهم التي لم ترصد العمق الشعبي العربي، فكريا وسيكولوجيا وسياسيا، وانما المسألة هي حركة تحرر عربية (المقاومة) تمكنت من تسجيل انتصارات مهمة على عدوها الاسرائيلي، فيما كانت هذه الشعوب تنتظر شيئا من تلك الانتصارات سواء العسكرية أو السياسية أو المعنوية من أنظمتها التي خذلتها في الصراع العربي - الصهيوني وبالتالي ايضا فهذه الشعوب اذا كانت كما قال هؤلاء، ضحية الأنظمة والحركات السياسية الاخرى، فان فعل المقاومة وحركتها وفكرها ووعيها وثقافتها، لا تنتمي كلها بشكل من الاشكال لا الى الأنظمة بالطبع، ولا الى الحركات والأحزاب السياسية العربية المعتادة. المقاومة تيار جارف استطاع ان يحصل على كل هذه الجماهيرية أو الشعبية العربية، لأنه تماما فعل ما لم تتمكن من فعله لا الأنظمة ولا الحركات السياسية العربية بمختلف اتجاهاتها، وهي اليوم دخلت بجدارة معادلة اصلاح (توازن القوى) في المنطقة ومعها المقاومتان في فلسطين والعراق، ليسجلوا معا مرحلة عربية جديدة (انتقلت فيها الفاعلية من النظم والحركات السياسية والنخب وبعضها متأمرك ومتصهين، لتكون الفاعلية للمقاومة الشعبية العربية)، وهذا تحول استراتيجي مهم، حتى لو لم يتمكن إلى اليوم، بعض النخب من قراءة (سجل المتغيرات العربية) فيه بكفاءة مطلوبة من المحللين السياسيين. أما تهمة العاطفية والأمية السياسية وعدم قراءة الواقع العربي بتحولاته ومتغيراته قراءة صحيحة، فذلك كما يبدو اليوم من نصيب النخب العربية نفسها ونصيب الأنظمة التي تمثل نسبة ضئيلة في النهاية من مجاميع الشعوب العربية، وليس في هذه المرحلة تحديدا، من نصيب الشعوب العربية نفسها، التي حولت بعض الاحزاب وبعض الانظمة جزءا منها بالفعل الى قطيع سياسي او مذهبي كما يريد ان يتهم هؤلاء (العلاقة بين المقاومات العربية والشعوب) التي تبحث عن وجودها وحريتها وكرامتها. ولذلك فان في هذا التحليل خلطا للأوراق واضحا في قراءة الصراع العربي - الصهيوني، الذي كما يبدو، ان بعض النخب العربية ترى مثلما ترى النظم العربية في اغلبها، ان الواقعية السياسية او الثقافة السياسية هي الخضوع للعدو الاستراتيجي والامتناع عن مقاومته وحيث الطريق الى مهادنة أمريكا يمر عبر تل أبيب، وهذا يدلنا على ان العاطفية (في حقيقتها الجوهرية) هي من نصيب هؤلاء النخب وهذه النظم وليس العكس، اي ان تكون من نصيب الشعوب. ومهما قال هؤلاء، ومهما غالطوا انفسهم والجمهور العربي، فالحقيقة في النهاية واضحة، وهي ان الحق العربي في الوجود والكرامة والاستقلالية بعيدا عن الاطماع الصهيونية، وعن الخطط والمشاريع الامبريالية الامريكية، هي القضية والمعادلة التي تحرك عقل ووجدان كل الشعوب العربية، وبعيدا عن انتماءاتهم السياسية الايديولويجة او المذهبية الدينية. والمثال الذي ضربته المقاومة اللبنانية، والنموذج الذي قدمته للشعوب العربية، هو بنفسه متجاوز لكل (العقد النخبوية) ولكل اللا جدوى واللا ارادة السياسية القادمة من جهة الانظمة العربية، ومتجاوز حتى الفبركات (الوقوعية) التي يتم تقديمها للشعوب باسم الواقعية السياسية، ومضمونها الحقيقي هو الاستسلام لارادة الاقوى. لقد رأت الشعوب العربية بأم عينها ان هذا الاقوى لم يتمكن من هزيمة حزب عربي واحد هو (حزب الله) رغم استخدامه كل قوته العسكرية في حرب 2006. واذا كانت واقعية الانظمة وواقعية النخب العربية، قد سقطتا في نظر الشعوب، فما على هؤلاء الا الانكفاء على الذات، استعدادا للخروج النهائي من ساحة السياسة العربية، التي لم تعد اليوم خاضعة لرؤاهم الانهزامية في الفضائيات والصحف العربية، (فالبروبجندا الاعلامية) والفذلكة الكلامية لم يعد لهما من جدوى، اي جدوى، بعد حرب يوليو (تموز) 2006، بل ان غياب الوعي لدى هذه النخب والأنظمة هو الذي يمكن الكيان الصهيوني من اداء (دوره الوظيفي الامبريالي) في المنطقة الذي لن يتخلى عنه، ولذلك فان اهم ما فعلته المقاومة اللبنانية، انها اثبتت ان قوة العدو هي بسبب ضعف النظام العربي ليس الا، وبسبب غياب دور النخب العربية، اكثر من ان تكون لأي سبب آخر، ولهذا فان فطرة الشعوب العربية بالالتفاف حول المقاومة هي (الواقعية السياسية الحقيقية) اذا ارادت هذه النخب ان تفهم ما يحدث حولها.