Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
حياة الأمة بين العروبة والطائفية
 
يعود اليكم الموقع في حلته الجديدة راجين أن ينال رضاكم علماُ بأن أعمال التطوير قد تستمر لأيام قادمة ويسعدنا تلقي تعليقاتكم وأقتراحاتكم البنائه
 

الصفحة الرئيسية  |  عن الموقع  |  أسرة التحرير  |  الهيئة الإستشارية  |  إتصل بنا  |  مواقع  |  خريطة الموقع

ترسل المواضيع الى البريد الإلكتروني: editor@arabrenewal.com












 

 

 »  الصفحة الرئيسية  »  دراسات  »  حياة الأمة بين العروبة والطائفية
حياة الأمة بين العروبة والطائفية
 السيد زهره | نشر  07/24/2008 | دراسات
السيد زهره
كاتب مصري ونائب رئيس تحرير صحيفة الخليج البحرينية 

عرض جميع مقالات السيد زهره
حياة الأمة بين العروبة والطائفية

نص المحاضرة في جمعية العمل الديمقراطي "وعد" بالبحرين

احتفاء بالذكرى السادسة والخمسين لثورة 23 يوليو، القى الاستاذ السيد زهره محاضرة تحت عنوان " حياة الامة بين العروبة والطائفية" في مقر جمعية العمل الديمقراطي " وعد" في المحرق بالبحرين.

وفيما يلي النص الكامل للمحاضرة:

بداية، لا احسب اننا بحاجة الى نتوقف مطولا وبالتفصيل امام انجازات ثورة يوليو وزعيمها جمال عبدالناصر والارث الذي خلفته.

يكفي اننا هنا اليوم في جمعية العمل الديمقراطي، وفي المحرق نحتفي بالثورة وزعيمها ومشروعها بعد 65 عاما من اندلاعها. ومثلما تحتفي القوى الوطنية والقومية في البحرين بالثورة، ففي كل الدول العربية بلا استثناء يحتفي الكثيرون اليوم بالثورة وزعيمها.

وما كان لهذا ان يحدث لولا ان الثورة وتجربتها في وعي وضمير الامة ليست تجربة سياسية انتهت، وانما هي باقية ارثا باقيا واملا منشودا. وهي بالفعل كذلك.

ثورة يوليو حين اندلعت كانت تعبيرا عن احلام آمال امة باسرهاكافحت من اجلها جيلا وراء جيل. وحين تطورت تجربتها وترسخت جسدت هذه الآمال.وهى اليوم امل منشود للمستقبل.

ذلك انه مهما اختلفت الآراء وتعددت المواقف حول الثورة وتجربتها، يبقى ان مشروع يوليو بمبادئه الاساسية وتوجهاته الوطنية والقومية العامة الكبرى هو جوهر أي مشروع عربي للنهضة الآن وفي المستقبل.

وهل يمكن ان يكون لاي مشروع للنهضة معنى ان لم يقم على مبادئ الحرية والاستقلال الوطني والعدل الاجتماعي وان لم ينشد التوحيد القومي؟

وحين يتلفت ابناء الامة حولهم اليوم وغدا بحثا عن زعيم يعبر عنهم و ينهض بهم ويعيد للامة كرامة مهدورة وعزة مفقودة، فان جمال عبدالناصر هو وسيظل الزعيم المثال والقدوة المنشودة.

ولعل افضل ما نفعله احتفاء بذكرة الثورة وزعيمها هو ان نتأمل معا حال الامة اليوم.. ما وصلت اليه.. وما يخطط ويراد لمستقبلها.. وما ينبغي لنا ان نفعله، على ضوء الارث الذي خلفته الثورة وموقعها من تارخ امتنا الحديث والمعاصر.

الامة العربية مرت في تاريخها الحديث والمعاصر بمراحل محددة من حياتها وتطورها، كان لكل مرحلة هدف كبير محدد حكم حركتها:

*الحقبة التي سبقت ثورة يوليو كانت حقبة الكفاح من اجل الاستقلال والتخلص من الاستعمار، وايضا كانت حقبة بحث عشرات من المفكرين والمثقفين العرب بكافة تباراتهم عن صياغة مشاريع فكرية للبناء وللتهضة المنشودة

*ثم جاءت حقبة ثورة يوليو، وكانت حقبة العروبة وبناء الاستقلال الوطني والقومي.

لم يكن جمال عبدالناصرهو من اخترع العروبة والقومية العربية. لكنه بمشروعه الوطني والقومي، نقل العروبة والقومية العربية من دائرة قناعات النخب الفكرية والسياسية ن الى الشارع العربي، والوجدان الشعبي العربي العام.

مشروع ثورة يوليو رسخ الايمان العام بالعروبة والانتماء الى امة عربية واحدة ليس فقط كهوية وانتماء، وانما ايضا كضرورة سياسية وحضارية ز

ومشروع ثورة يوليو حول آمال واحلام الامة في الاستقلال والتحرر الوطني الى حقيقة واقعة، واظهر قدرات الامة حين تقرر ان تنهض.

*وبعد رحيل جميل عبدالناصر، وخصوصا بعد حرب اكتوبر 73، دخلت الامة في حقبة جديدة نعلم جميعا ما جرى فيها.

في هذه الحقبة، لم يعد للامة هدف قومي عام ولا رسالة تسعى الى تحقيقها. لم تعد الامة تعرف ماذا تريد.

حقبة انتهت في نهاية المطاف الى ان الدول العربية لا هي بنت نهضة قطرية، ولا هي استطاعت حماية الامة في مواجهة القوى الاجنبية.

حقبة ارتدت فيها الامة الى عهد ما قبل الاستقلال، بحيث اصبحت مقدراتها بيد القوى الاجنبية. وكانت خاتمة هذه الحقبة هي العودة الى عهد الاستعمار بسقوط العراق تحت اقدام الاحتلال الامريكي

دورة حياة طائفية؟

اليوم، يراد للامة ان تبدا دورة حياة جديدة جوهرها وشريانها الرئيسي هو الطائفية.. هو الفتنة والصراع الطائفي.

بعبارة اخرى، بحسب التصورات والمخططات بهذا الخصوص، فان الحقبة القادمة من حياة المنطقة سوف يكون الصراع الطائفي عموما على امتداد كل الدول العربية، وفي القلب منه الصراع السني الشيعي هو الصراع الاساسي الحاكم. بحسب هذه التصورات والمخططات، فان مستقبل المنطقة سوف يتحدد بناء على هذا الصراع وما سينتهي اليه وما سوف يفرزه من موازين جديدة للقوى.

وبطبيعة الحال، ففي ظل هذا التصور للمنطقة ومستقبلها، لا مكان للعروبة ولا للعرب اصلا.

بداية، من المهم ان نعرف، من الذين يطرحون هذا التصور ويريدون للامة هذا المصير ؟.. ولماذا؟.. وفي أي اطار؟.. ولاي اهداف وغايات؟

اولا: هذا التصورهو جزء من استراتيجيات قوى اقليمة ودولية تجاه الوطن العربي ومستقبله.

على وجه التحديد هو جزء من استراتيجيات قوى ثلاث، هي اسرائيل والولايات المتحدة وايران، وان اختلفت المصالح والاهداف.

بالنسبة لاسرائيل، نعرف ان لديها استراتيجية بلورتها منذ عقود بالسعي الى تفتيت الدول العربية الى كيانات طائفية، وبحيث تصبح اسرائيل في اطار هذا الوضع قوة اقليمية كبرى في المنطقة، وبحيث يستحيل بروز أي قوة عربية كبيرة تتحداها وتتحدى مشروعها.

وهذا التصور الاسرائيلي سبق وشرحته تفصيلا وثيقة " اسرائيل في الثمانينيات" ووثائق لاخرى.

وبالنسبة للولايات المتحدة، لدينا الكثير من الوثائق والتحليلات الاستراتيجية الامريكية التي تطرح منذ فترة الصراع الطائفي وتقسيم بعض الدول العربية على هذا الاساس كمصلحة استراتيجية امريكية لخدمة مصالحها.

وبعد احتلال العراق تعززت هذه التصورات، واصبحت بالاضافة الى كونها هدفا استراتيجي بمثابة طريق لتبرئة الاحتلال من جرائمه التي ارتكبها والابادة التي نفذها في العراق.

واصبحت تغذية الصراعات الطائفية هي ايضا وسيلة لتبرير ما ثبت من زيف الدعاوى الامريكية حول الحرص على تكريس الديمقراطية والحرية في العراق وفي المنطقة، وحول الحرص على وحدة العراق.

بعبارة اخرى، اصبح المنطق الاستراتيجي الامريكي يقوم على ان االصراع الطائفي، وبالاخص السني الشيعي، هو صراع طبيعي وحتمى لاسباب لا علاقة لامريكا ولا باحتلال العراق بها، اذ يعود الى اسباب وعواملوعداوات تاريخية متاصلة لدى شعوب المنطقة.

ولعل اكبر تجسيد لهذا المنطق الامريكي ما فعلته مجلة " تايم" الشهيرة حين خصصت غلافها وموضوعها الرئيس في 5 مارس 2008، لموضوع عنوانه " السنة في مواجهة الشيعة: لماذا يكرهون بعضهم البعض" مع عنوان فرعي: ما الذي يحرك حقا الحرب الاهلية التي تمزق الشرق الاوسط اربا؟.

والمعنى واضح. ان امريكا لا علاقة لها ولا تتحمل أي مسئولية عن الصراع الطائفي الدموى في العراق، بل هو صراع لا فكاك منه في المنطقة كلها.

اما بالنسبة الى ايران، فلم يعد خافيا ان لديها مشروعا يقوم على ان من حقها ان تهيمن على مقدرات المنطقة، او على الاقل ان يكون لها الكلمة الاولى الفصل في شئون ومقدرات المنطقة.

وليس خافيا ايضا انها تعتبر المسألة الطائفية ورقة قوة بيدها يمكنها ان تستخدمها من اجل تحقيق اطماعها.

المهم ان هذه القوى الثلاث، اسرائيل وامريكا وايران، على الرغم من اوجه الاختلاف او اللقاء بين مصالحها واهدافها الاستراتيجية في المنطقة، الا انها تلتقي عمليا عند امرين:

الاول: ان الحالة الطائفية، او بمعنى ادق امكانية استغلال اثارة القتن والصراعات الطائفية،يمكن استغلالها لخدمة المصالح والاهداف الاستراتيجية.

والثاني: ان الرهان على الفتنة الطائفية والصراع الطائفي على هذا النحو، يرتبط في نفس الوقت بالعداء للعروبة وبمحاربتها.

ثانيا: هذا التصور لدورة الحياة الطائفية لمستقبل الامة هو ايضا تصور اصبح في السنوات الماضية مطروحا على نطاق واسع في التفكير الاستراتيجي العام.

نعنى انه اصبح مطروحا من جانب عدد كبير من المفكرين والباحثين الامريكيين المختصين او المعنيين بشئون المنطقة.

في السنوات القليلة الماضية،تراكم عدد كبير من الابحاث والدراسات والافكار المطروحة في ندوات ومؤتمراتالتي تطرح هذا التصور وتبرره وتدافع عنه.

ولا يتسع المجال لاي استعراض تفصيلي لمجمل ما تطرحه هذه الابحاث. لكن سنكتفيبمثالين فقط يجسدان على اية حال جوهر الافكار المطروحة بهذا الخصوص.

المثال الاول: الافكار التي يطرحها خصوصا الباحث الامريكي فاليري نصر. وهو في السنوات القليلة الماضية من الذين يقودون الدعوة في الاوساط الفكرية والسياسية الامريكية لهذا السيناريو الطائفي. واصبحوا يعتبرونه في امريكا حجة في هذا المجال وكلمته مسموعة.

هو مؤلف كتاب " صحوة الشيعة" وله عدد كبير من الابحاث والدراسات حول هذه القضية تحديدا.

والافكار التي يطرحها تتلخص في:

=ان الصراع الطائفي الذي اندلع في العراق اطلق عملية تاريخية كبرى لن تتوقف وسوف تمتد الى كل انحاء الشرق الاوسط

=ان هذا الصراع والتوازن الطائفي الذي سينتج عنه، هو الذي سوف يحدد مستقبل الشرق الاوسط كله من الآن فصاعدا.

= ان الولايات المتحدة يجب ان تعترف بانه بالضرورة هناك خاسر وهناك فائز في الصراع. وان امريكا من مصلحتها ان تراهن على الشيعة في العراق وفي المنطقة لضمان مصالحها في المستقبل " ان لم يكن لسبب، فعلى الاقل لان الشيعة يعيشون فوق اغنى حقول النفط في المنطقة " كما قال في احد دراساته.

وبالتالي، في رايه ان امريكا يجب ان تتجنب أي صراع او مواجهة مع الشيعة في العراق والمنطقة. فهي مثلا كما يرى ن يجب الا تمارس أي ضغوط على الاحزاب والجماعات الشيعية في العراق من اجل اجبارها على المصالحة مع السنة العرب.

المثال الثاني: في يونيو عام 2006، عقد مجلس العلاقات الخارجية الامريكي الواسع النفوذ ندوة كبرى موضوعها " الهلال الشيعي الصاعد وتاثيره على الشرق الاوسط والسياسة الامريكية".

اهمية هذه الندوة انه شارك فيها عدد كبير من اهم واكبر الاساتذة والباحثين الامريكيين المعنيين بشئون المنطقة. ولهذا يمكن اعتبار الافكار التي طرحت فيها تلخيص مكثف لنوع التفكير الاستراتيجي الامريكي العام في هذا الخصوص.

والنتائج والافكار الرئيسة التي طرحت في الندوة هي في منتهى الخطورة وتتلخص في:

1 -ان الولايات المتحدة بتحريرها للشيعة في العراق واعطائهم حكم العراق، اطلقت عملية صحوة شيعية كبرى في المنطقة كلها. وهذا التطور سوف يغير جذريا الموازين الطائفية ليس في العراق وحده وانما في كل المنطقة. وان مستقبل الشرق الاوسط كلهسوف يكون العنصر الحاسم فيه هو عملية تعديل الموازين الطائفية هذه.

2 -ان هذا التحول، وعملية بحث الشيعة عن عن القوة السياسية في العالم العربي لن تكون بالضرورة عملية سلمية. سوف يكون صراعا سياسيا عنيفا. وان الولايات المتحدة يجب ان تكون مستعدة لقبول هذا والتعامل معه.

وفي هذا الاطار، يجب الا تلتفت الولايات المتحدة مثلا الى التحذيرات من السعودية ومصر والاردن.

3 -ان هذا الصراع وسعي الشيعة من اجل القوة السياسية في المنطقة لا يمثل تهديدا للمصالح الامريكية. قد يقوض الاوضاع الداخلية في الدول الخليجية العربية ويغير موازين القوى السياسية، لكنه لا يشكل تهديدا لامريكا. بل ان هذا الوضع الجديد قد يقود الى شكل من اشكال الاستقرار يخدم المصالح الامريكية.

كما نرى، فان ملخص ما طرح في هذه الندوة، هو ان هذا الصراع الطائفي هو صراع حتمي.. وانه لا بأس من ان يكون صراعا دمويا عنيفا.. ولا بأس من ان يقوض الاوضاع الداخلية في الدول العربية الخليجية.. وان كل هذا يخدم مصالح امريكا.

ما بعد العروبة؟

كما اشرت فان هذا المشروع الطائفي المطروح لمستقبل الامة هو في نفس الوقت مشروع عداء للعروبة وحرب عليها.

لهذا، ليس من قبيل المصادفة ان دورة الحياة الطائفية هذه التي يراد لها ان تحكم مستقبل الامة وتحدده، اطلق عليها الكثيرون ممن يتبنون المشروع في امريكا وفي الغرب " عصر ما بعد العرب وما بعد العروبة".

والمعنى المباشر هنا بالطبع هو ان العروبة، وتعبيرات مثل الوطن العربي او العالم العربي او حتى العرب، لم تعد لها أي وزتن او قيمة او تأثير في تقرير مستقبل هذه المنطقة.

اما اسباب وتبريرات ذلك بالنسبة الى هؤلاء، فهي كثيرة.

بالنسبة الى البعض، فانه ليس هناك شئ اسمه عروبة او قومية عربية او امة عربية.

وبالنسبة الى الكثيرين، فان العروبة كانت موجودة، لكنها ماتت وانتهت وتم تعيها.

سنجد فكرة " موت العروبة " هذه تتردد في الكثير من الكتابات ليس الاجنبية فقط ولكن العربية ايضا.

هنا سوف نلاحظ امورا غريبة تستعصي على الفهم.

حين سقطت بغداد تحت اقدام الاحتلال الامريكي، قرانا تحليلات كثيرة جدا في الغرب وفي ايران،وايضا للاسف باقلام بعض المثقفين والكتاب العرب.. تحليلات ملخصها ان سقوط بغداد كان معناه في نفس الوقت سقوط العروبة وموتهها.

الغريب هنا ان نفس هذه الاراء التي اعلنت موت العروبة وشيعتها، سبق لنا ان قراناها وسمعناها اكثر من مرة من قبل.

نعرف جميعا انه حين وقعت هزيمة يونيو1967، اعتبر الكثيرون ان الهزيمة تعني في نفس الوقت موت العروبة وموت المشروع القومى لثورة يوليو وجمال عبد الناصر.

وحين برزت ظاهرة ما اسمي ب " الاسلام السياسي" وتنامت قوة الجماعات الاسمية منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي ن قيل ايضا ان هذه الظاهرة هيعلان موت للعروبة او ايذان بموتها، على اعتبار ان جماعات الاسلام السياس ي تطرح مكشروعا نقيضا للعروبة وللمشروع القومي.

وحين احتلت العراق الكويت، ايضا قيل ان العروبة ماتت.

الغريب هنا هو: اذا كانت العروبة قد ماتت مرة، فكيف يمكن ان تموت مرة ومرات بعد ذلك؟

اللهم الا اذا كانت العروبةحتى بمنطق هؤلاء الذين يتحدثون عن موتها، هي في حقيقة الامر لا تموت.. هي في حقيقة الامر عصية على الموت. وهذا واقع الحال فعلا.

الامر الغريب الآخر هنا هو ان هذه الفكرة، فكرة موت العروبة، لا يتم تطبيقها الا على الامة العربية فقط. فهي تقوم على افتراض ان العروبة ما هي الا مرادف للنظام الرسمي العربي والحكومات العربية، بل هي حتى مرادف لهذا الزعيم العربي او ذاك.

وبحسب هذا المفهوم، فانه اذا انتصرت الدول العربية في معركة، فمعنى هذا ان العروبة حية ترزق. واذا هزمت دولة عربية، فمعني هذا ان العروبة ماتت ودفنت.

هذا منطق غريب بلاشك. هوية الامم ورحها القومية لا تموت ولا تحيا بتطور طارئ ايا كان. وعندما هزمت المانيا او اليابان مثلا في الحرب العالمية الثانية، لم نسمع من يقول ان القومية الالمانية او اليابانية ماتت.

بين الموت والحياة

ماذا لو اننا سمحنا في الوطن العربي بهذه التصورات عن دورة الحياة الطائفيةوعن عصر " ما بعد العرب والعروبة" بان تسود، وبان تصبح فعلا هي العنصر الحاسم الذي يحدد مستقبلنا؟

بعبارة اخرى، أي نتائج بالضبط يمكن ان تترتب على ذلك؟

النتائج تتلخص في كلمة واحدة، هي، الموت. لا اقول موت العروبة ولا موت الامة، ولكن موت دولنا العربية بالمعنى الحضاري بل والوجودي الحرفي للكلمة.

باختصار، ان سمحنا بسيادة هذا التصور في الوعي وفي الواقع العملي، فلان ثلاثة نتائج كبرى سوف تترتب على ذلك.

اولا: الولاء الوطني، والقومي طبعا، سيكون هو الضحية الاولى لهذا المصير الذي يراد لنا.

سوف تتحطم الولاءات الوطنية في كل الاقطار العربية. فحين يكون الولاء هو للطائفة اولا، لن يصبح للولاء للوطن او الامة مكان.

وليس هناك مستقبل لوطناوامة يتحطم فيها او يهتز الولاء الوطني.

ثانيا: سوف يعني هذا، كما راينا في التصورات المطروحة حقبة ليس فقط من الفتن الطائفية، وانما من الصراعات الطائفية الدموية المفتوحة.

وهل نحن بحاجة الى ان نتحدث عن أي اهوال وفظائع تنتظرنا لو لا قدر الله حدث هذا؟

ثالثا: سوف نشهد موت عديد من الدول العربية وتقسيمها الى كيانات على اسس طائفية.

ولسنا بحاجة الى تقديم تفاصيل هنا، فالتصورات جاهزة ومعلنة ومعروفة عن تقسيم دول مثل السعودية والسودان وحتى مصر، وايضا في المغرب العربي,.

وعلى اية حال، امامنا نموذج العراق في الصراع الدموي وفي التقسيم على اسس طائفية. وهو بالضبط النموذج الذي يراد تعميمه في الوطن العربي.

رابعا: وبطبيعة الحال، في ظل هذا السيناريو، لن يكون هناك مكان لاي قضية عربية قومية جامعة كقضية فلسطين او غيرها، وستكون مقدرات الامة باسرها بيد قوى اجنبية.

ماذا علينا ان نفعل؟

اذن ن اذا كان هذا هو ما يراد للامة ومستقبلها، فما الذي يجب علينا ان نفعله؟

المهمة الكبرى المطروحة علينا بداهة هو ان نتصدى لهذا المخطط الطائفي. ان نكسر هذه الحلقة الطائفية التي يراد لها ان تلتف حول اعناق دولنا ومجتمعاتنا.. ان نقتل هذه الفتن الطائفية التي يراد اشعالها في المهد، والا نسمح لها بالحياة.

ولكي ننجز هذه المهمة، فان امورا كثيرة يجب التاكيد عليها، لعل في مقدمتها ما يلي:

اولا: مطلوب بداية ان يكون هناك وعي عام في اوطاننا بالخطر الطائفي الذي يتهددنا.. وعي بابعاد هذه المخططات واهدافها وبضرورة التصدي لها. ذلك ان جوانب لهذه المخططات كا التي تحدثنا عنها قد لا تكون واضحة بالضرورة بالنسبة الى المواطن العادي.

وهذه مهمة ملقاة بالطبع على عاتق اجهزة الاعلام والمثقفين ورجال الدين وكل قوى المجتمع.

ثانيا: نحن احوج ما نكون الى رد الاعتبار للعروبة في الخطاب السياسي والاعلامي الرسمي وغير الرسمي.

وحين نقول رد الاعتبار، نعنى تكريس الوعي العام بما هو قائم بالفعل، أيبالروابط القومية العروبية التي تجمع شعوب دولنا العربية بالفعل.

ومن المهم هنا ان نشير انه في الوقت الذي يتحدث فيه غربيون وعربا عن " موت العروبة "، فان باحثين غربيين آخرين رصدوا في دراسات اصدروها مظاهر كثيرة لما اطلقوا عليه صحوة جديدة للعروبة في السنوات الماضية،وان باشكال جديدة.

نشير هنا مثلا الى دراسة لاثنين من الباحثين الغربيين تحدثت عن دور وسائل الاعلام العربية الجديدة غالغير خاضعة لسيطرة الحكومات في تكريس واظهار اشكال جديدة من العروبة على المستوى الشعبي العربي.

وسائل الاعلام الجديدة هذه اظهرت كيف ان المواطنين العرب في كل الدول العربية ينظرون الى المنطقة العربية وقضاياها من منظور قومي. فوسائل الاعلام، كقناة الجزيرة مثلا،حين تناقش قضايا محلية خاصة في أي بلد عربين فانها تناقشها في اطار عربي عام، وساهمت بالتالي في خلق ما اسماه البعض " مجتمع تخيلي عربي واحد".

وهذه الدراسة رصدت ايضا كيف ان الراي العام العربي حين يحدد موقفه من أي بلد اجنبي غير عربي، فانه يفعل ذلك على اساس مواقف هذه الدول وسياساتها من القضايا العربية الكبرى مثل قضية فلسطين او العراق، وليس على اساس الموقف من أي دولة عربية فقط.

وهذه الدراسة حللت ايضا رد الفعل الشعبي العربي اثناء العدواتن الاسرائيلي على لبنان عام 2006، والانتصارات التي حققها حزب الله. واعتبرت ان رد الفعل هذا كان احد مظاهر تجسيد الصحوة العروبية الجديدة على المستوى الشعبي، واظهر ان تجذر المشاعر القومية العروبية لدى الشعوب العربية اكبر من الطائفية.

وحتى في العراق، وعلى الرغم من الحرب الشرسة على عروبة العراق بعد الاحتلال، الا انه من الخطأ الفادح الاعتقاد بأن العروبة تم القضاء عليها في العراق او ان الشعب العراقي تخلى عن عروبته.

ايضا، لسنا نحن الذين نقول هذا فقط، ولكن باحثون وكتابا في الغرب.

وعلى سبيل المثال فقط، الكاتب والدبلوماسي الفرنسي المعروف اريك رولو كتب مقالا يرد فيه على القائلين بموت العروبة في العراق.

قال:" ليس صحيحا ان العروبة ماتت في العراق بعد الاحتلال. ان هوية السنة والشيعة معا في العراق هوية واحدة. انهم يعتبرون انفسهم عراقيون ومسلمون وعرب. هذه هي هويتهم رغم كل خلافاتهم السياسية. والشيعة في العراق اثبتوا اكثر من مرة تمسكهم بعروبتهم وقوميتهم العربية. لقد قادوا المقاومة ضد الاحتلال البريطاني اثناء وبعد الحرب العالمية الاولى. وحاربوا ايران في حرب الثماني سنوات على الرغم من كراهيتهم لصدام حسين".

ثالثا: يجب ان ننظر اليوم الى رد الاعتبار للعروبة والى تكريس الوعي القومي على انه اصبح ضرورة امن وطني لكل الدول العربية. او بمعنى اصح ضرورة بقاء.

نعنى انه اذا كانت العروبة والشروع القومي في عهد عبدالناصر وثورة يوليو كانت تعبيرا عن امل منشود في وحدة عربية شاملة. فانها اليوم بالاضافة الى هذا اصبحت ضرورة للحفاظ على بقاء الدول العربية في مواجهة هذا المخطط الطائفي.

نعنى ان الاحتماء بالعروبة هو اليوم بالنسبة لكل الدول العربية حصن يجب الاحتماء به في مواجهة خطر الطائفية والتمزيق.

هذا جانب من المهم التأكيد عليه خصوصا على ضوء المواقف التي عبر عنها للاسف بعض من المثقفين والكتاب العرب الذين جندوا كتاباتهم لمحاربة العروبة والطعن في قوميتنا العربية.

هؤلاء يرتكبون جريمة في حق دولهم العربية التي ينتمون اليها.

وغير هذا ن هم جاهلون بما يجري في عالم اليوم.

اليوم، في العالم كله، الكثير جدا من الدول تشهد صجوة للقوميات واستنهاضا للمشاعر القومية. يحدث هذا مثلا في دول مثل روسيا واليابان والصين ودول امريكا اللاتينية.

هذه الدول تفعل هذا في مواجهة الاخطار التي تمثلها تطورات العالم اليوم على الهوية الوطنية والمصالح والامن الوطني.

ايران تستنهض اليوم القومية الفارسية. سياسة ايران الخارجية اليوم تحركها القومية الفارسية قبل أي اعتبار آخر.

نشير هنا الى مقال مهم كتبه الصحفي اليوناني اياسون اتاسياديس، وهو مقيم في طهران.

في المقال الذي نشره بتاريخ 29 مارس 2008، يقول ان القومية الفارسية تحرك المواطن الايراني العادي اكثر بكثير من الاسلام. وحتى بالنسبة للنظام الايراني نفسه ن فان القومية الفارسية كمحرك للسياسة الخارجية بالذات قوية جدا.

ويقول في مقاله: الايرانيون لا يتعبون ابدا من تذكيري باستمرار بان العرب كانوا رعاة غنم وجمال منذ جيلين فقط في حين ان للايرانيين حضارة فارسية عريقة.

ويسجل مفارقة تلفت النظر. يقول ان الشئ الوحيد الذي يرضي ايران في صراعها الحالي مع الغرب هو ان يعترف بوضعها ايام الشاه. أي ان يعترف بانها كدولة فارسية يجب ان تكونالقوة الاولى المسئولة عن امن المنطقة. وفي تقديره انه حتى يعترف الغرب بالقوة الفارسية الايرانية ستظل المواجهة مفتوحة.

الذي نريدد ان نقوله انه في الوقت الذي يشهد فيه العالم هذه الصحوة القومية، ليس مفهوما ولا مقبولا ان يطالب بعض العرب بالتخلي عن عروبتنا وقوميتنا.

رابعا: وبطبيعة الحال، من المفهوم اننا لاي مكن ان نحارب الطائفية ونتنصدى لهذا المخطط ما لم تبادر كل الدول العربية الى معالجة المشاكل والازمات الطائفية المعلقة في اطار مشروع وطني للاصلاح تشارك فيه كل قوى المجتمع.

هذه بداهة ضرورة اساسيةلسد الطريق امام أي محاولة من جانب أي قوي خارجية لستغلال المشاكل الطائفية.

وماذا عن البحرين؟

لايمكن ان ننهي هذا الحديث دون ابداء بعض الملاحظات عن الوضع في البحرين في اطار القضية التي نتحدث عنها، قضية العروبة والطائفية.

اولا: من المحزن حقا ان نسمع او نقرا بين الحين والآخر لبعض الاخوة الشيعة وجهة النظر التي تقول ان الفضل في استقلال البحرين والحفاظ على عروبتها يعود الى الشيعة على اعتبار انهم صوتوا مع الاستقلال في استفتاء الامم المتحدة.

ومن المحزن بنفس القدر ان نسمع او نقرا لبعض الاخوة السنة وجهة النظر التي توحي بأن السنة هم الامناء على عروبة البحرين وهم حماتها.

هذا كلا لا يجوز ان يقال.

عروبة البحرين ليست منة ولا فضل من احد.

عروبة البحرين هي تاريح وحضارة وطن.. وهي انتماء شعب باسره بكل طوائفه.. وهي حصن امان للمستقبل.

لهذا، عروبة البحرين ليست.. ولا يجب ان تكون موضوعا لابتزاز او مساومة من جانب أي احد لا في داخل البحرين ولا في خارجها.

ثانيا: الذي يتابع ويقرا ما ينشر في الغرب عن الاوضاع الطائفية في المنطقة في اطار هذا المخطط الذي تحدثنا عنه، يجد ان كل هذه الكتابات تتحدث عن البحرين كما لو كانت الحلقة الطائفية الاضعف في المنطقة، والتي يمكن ان تستغلها القوى الاجنبية.

وهذا الاعتقاد وان كان في جانب منه نتاج جهل باوضاع البحرين، فانه بلا شك نتاج ايضا لحملات التشويه التي يشنها البعض في الخارج، والمبالغات الشديدة في الحديث عن السلبيات وعن المظالم.

وهذه الحملات آن لها ان تتوقف. آن الاوان لادراك انها اصبحت تمثل بحد ذاتها خطرا يهدد الوطن وامنه واستقراره.

ثالثا: لقد شهدنا في الفترة القليلة الماضية احتقانا طائفيا، واستعراضا للعضلات الطائفية من جانب كل الاطراف.

وان يصل الامر الى هذا الحد بعد كل السنين التي مضت من تجربة الاصلاح في البحرين، هو في جوهره اعلان لفشل مختلف الجمعيات السياسية وقوى المجتمع.

معناه ان كل هذه القوى فشلت في محاربة الطائفية وفي تكريس الوحدة الوطنية قولا وعملا.

ويعنى هذا انه ان كان هناك ادراك حقا بالاخطار التي تتهدد كل دول المنطقة والوطن العربي، فان كل قوى المجتمع يجب ان تكرس جهودها في الفترة القادمة من اجل محاربة الطائفية، وحماية الوحدة الوطنية، ومن اجل محاربة أي نوازع للتطرف والعنف، ومن اجل التصدي بحزم لمحاولة أي قوة اجنبية ايا كانت للتدخل في الشئون الداخلية للبحرين.

يجب ان تفعل ذلك من منطلق ان حماية الوحدة الوطنية ومحاربة الطائفية هي مسئولية كل قوى المجتمع بلا استثناء.

رابعا: لقد شهدنا في الفترة الماضية جهودا طيبة كثيرة من جهات شتى في اطار محاربة الطائفية.

وقع الصحفيون بمبادرة طيبة من جمعية الصحفيين على بيان " صحفيون ضد الطائفية"

وقرانا عن " ميثاقمدونون ضد الطائفية

وهناك ايضا المبادرة الطيبة من جمعية العمل لجمع توقيعات على وثيقة ضد الطائفية

وكل هذه الجهود مطلوبة ولها اهمية كبيرة جدا.

لكن القضية اكبر من هذا.

القضية ليست مواثيق شرف يتم توقيعا ولا توجد أي قوة الزامية لتطبيقها. وليست حتى قضية قوانين يتم سنها.

القضية في المقام الاول والاخير هي قضية تحكيم ضمير وطني في مصلحة الوطن ومستقبله والاخطار التي تتهدده كما تتهدد كل دولنا العربية

خامسا: اظن، وهذه وجهة نظر شخصية تماما اقولها كمحلل سياسي، ان كل القوى السياسية في البحرين سوف تخطئ خطأ فادحا ان هي لم تدرك ان كل هذا المشروع الاصلاحي الكبير الذي تفخر به البحرين والذي فتح كل هذه الافاق التاريخية للاصلاح والنهضة.. هذا المشروع يمكن ان يكون مهددا، ان استمر هذا التحشيد الطائفي، وان لن يتحمل الجميع مسئوليتهم لحمايته

واظن ان كل القوى في المجتمع يجب ان تقرا يعناية شديدة ما قاله جلالة الملك في حديثه مؤخرا لرؤساء تحرير الصحف.

في النهاية لا نملك الا ندعو الله ان يحمي البحرين وطنا وشعبا من كل مكروه، وان يحمي امتنا العربية ويهديها على طريق التقدم والنهضة


اضف تعليق
تعليقات


خيارات المقال