إنهار المخرج وقفت المسرحية ما لمخرجي الحروب لا ينهارون.
في صفحات الثقافة ليوم الخميس الماضي لهذة الجريدة، خبر والتداعيات عليه، الخبر يقول أن المخرج السوداني المقيم في دمشق والمتثقف فيها/ ياسر عبد اللطيف، الذي كان ممثلا بنفس الوقت في مسرحية (عدو الشعب.. ليس إلا)، فقد أعصابه وبدأ متلعثما اثناء تمثيل دوره كبطل للمسرحية، ثم انهار وأوقف المسرحية بعد ربع ساعة من عرضها. أثار ذاك غضب الجمهور البسيط، خمسون شخصا لا غير. وطالبوه باستمرار العرض، لكنه رفض وأعاد للجمهور نقوده.
وكانت التعليقات على الخبر تقول: المخرج هو نفسه البطل، إذا عتذر البطل الرئيس قبل العرض بإسبوعين فقط، الضغوطات كثيرة وكبيرة على المخرج.
المكان هو دار الأوبرا السورية بدمشق، ودور الأوبرا عادة لها مقايسيها الخاصة والصارمة للعروض الفنية، سواءا كانت مسرحيات أو أفلام أو حفلات موسيقية. وبالتالي لا يكون مؤهلا للعرض بها إلا أشخاص لهم سمعتهم الفنية وإنتاجيتهم. والجمهور عادة جمهور منذوق وراق وله مكانته في التليق والنقد.
كانت الأعذار كثيرة ومتداعية ومتشابكة ولكنها كلها تشي إن المخرج يحترم نفسه وفنه وفوق هذا وذاك أحترم الجمهور رغم قلته. وكان بإمكانه أن يفبرك أي شيء متعمدا على تلك القاعدة السخيفة التي تقول مادمت على المنصة فأنت تملك اللحظة وتسيرها.
المخرج إنهار بعد ربع ساعة، يالهذا المخرج من صادق وأصيل، رغم كل التداعيات، وخيبة الجمهور، ورغم ما قد يصله من عقوبات مادية ومعنوية، فالمفروض أنه لا يقدم على عمل ما لم يكن متكامل، ولكنه أمام وضع سيء، قرر بلحظة حاسمة وستكون أشد لحظة في حياته الفنية أن يختار الصدق والحقيقة ويوقف عرض مسرحية لم تكتمل أدواتها، يوقفها ولا يخدع نفسه وجمهوره.
هذا المخرج رغم كل التداعيات علينا احترامه ولو كنت من بين الجمهور لصفقت له ولتنازلت عن نقودي رغم ضياع وقتي، فهو وهبني درسا ولم يغشني، تورط نعم لكنه لم يورطني للنهاية. احترم عقلي ولم ينطط ويفبرك وينتهي الأمر، انهاه بشجاعة.
هذا الحدث يرمي بي للأحداث السياسية، فقد يتخذ المسئول قرارا عقيما وخائبا ومؤلما لكنه يستمر به، خوفا من أن يتراجع فيحسب ضعفا منه، لكنها القوة هي أن يعود الإسان عن خطاءه ويعترف به، ويقلل الخسائر بدلا من أن تستمر تنهككه وتنهك شعبه من وراءه.
هي أمور كثيرة تحدث في دنيانا وما حولنا في الداخل والخارج بل وحتى في نطاق الأسرة الصغيرة، قد لايعود قائدها عن قرار غير حكيم حتى لا تضفع شخصيته أمام الأبناء. ولكن أشدها ايلاما هي قرارات سفك الدماء وخاصة في العالم الإسلامي من فلسطين إلى بغداد إلى كابل. ولنيق مع العراق كنموذج للمسرحية الدموية الرديئة بكل المعطيات، ولعل آخرها ثمن القتل يدفعه الشعب الراقي من نفطه وأرث أجياله..
منذ الغزو الأمريكي للعراق والقتل يولد قتلا، ومسرحية الدم تجعل للعراق ثلاثة أنهر، نهاران من ماء يضعفان ويصغران ونهر من دم يكبر ويستمر في الجريان. المخرج بوش ومساعديه ماداموا في السلطة فهم مع استمرار المسرحية رغم كل ما يكلف العراق والولايات المتحدة ، وما أن يغادرون الخشبة (السلطة) إلا ويتغيرون ويعرضون علينا بضاعة بائته خربة.
مخرجون ومساعدون لا يعترفون بثمن مسرحياتهم الدموية، وها هم يدقون الناقوس قبل رفع الستار عن حرب جديدة تحرق ما بقي من سمك في خليجنا الذي ضاع أسمه.
المشكلة ليست في المخرجين غير الجدرين بالإحترام، المشكلة في الجمهور الباقي على الكراسي ، حتى انتهاءالمسرحية رغمسقوط الصوارخ على رأسه.
ها هو مخرج مسرحية (عدو الشعب.. ليس إلا) يتنحى ويأسف للجمهور، فما بال مخرجي الحروب لا يغادرون المسرح .يرتاحون ويريحون.