أمريكا تعبير عملي عن منظومة إمبريالية مركبة وصلت من القوة حدود امتلاك مصائر البشر. لذلك فإنها لم تعد بحاجة من الناحية العملية لتبرير أي شيء تفعله، فالله ليس بحاجة إلى تبرير منطق العقاب الذي يمكن أن ينزله بالنساء غير المحجبات. يكفي انه يريد وقادر على ما يريد. هذا ما تقوله كل الكتب المقدسة في شرح الخطيئة والعقاب. ألإرادة والقدرة منطقيا كافيان لتبرير الخضوع.
أمريكا تعبير عملي عن منظومة إمبريالية مركبة وصلت من القوة حدود امتلاك مصائر البشر. لذلك فإنها لم تعد بحاجة من الناحية العملية لتبرير أي شيء تفعله، فالله ليس بحاجة إلى تبرير منطق العقاب الذي يمكن أن ينزله بالنساء غير المحجبات. يكفي انه يريد وقادر على ما يريد. هذا ما تقوله كل الكتب المقدسة في شرح الخطيئة والعقاب. ألإرادة والقدرة منطقيا كافيان لتبرير الخضوع. وليست أمريكا بحاجة للخروج على هذا المنطق الذي أثبتت التجربة الدينية صوابه العملي في معاملة البشر. من يستطيع الخضوع لمنطق ما قيل له عن قدرية الغيب المؤجلة , يستطيع بسهولة أكبر أن يخضع لقدرية أرضية معجلة. وهذا ما تريد أمريكا أن توحي به على لسان كل كوادرها السياسية والإعلامية للشعوب العربية، سواء من خلال التناول السياسي التداولي أو من خلال إعلامها التبشيري المباشر. لهذا مثلا تكلف كبار موظفيها التنفيذيين للمشاركة في سجالات برامج الجزيرة مع من لا يعجبه ما يجري في العراق مثلا. ليس لإقناعه بوجهة نظر من أي نوع، ولكن لأن هذا يعتبر فرصة جيدة لأيصال الرسالة الأمريكية إلى الوعي العربي مباشرة، وربما إلى وعي كل شعوب الأرض الأخرى بشكل تبشيري مؤقتا لحين تأتي ساعة العمل. مضمون الرسالة بسيط ومنطقي واقعيا بالدليل القاطع :(أمريكا تريد وهذا كاف لأنها قادرة على فعل ما تريد، فاختاروا الطريقة التي تصلون بها إلى ما نريد. ليس لنا ما نضيفه بهذا الشأن سوى أننا نفعل ما نفعل سواء في العراق أو غيرها لمصلحة الشعب وشعوب العالم الأخرى المضطهدة من قبل حكامها، ولكن الكثيرين ممن نضحي من أجلهم لا يدركون حسن نوايانا. " من آمن بي فسيحيا ". هذه هي القاعدة منذ اليوم، في السياسة كما في الدين. ولا خيار أمامكم في الرضوخ.)
كلما استمعت إلى مسؤول أمريكي تملكتني رهبة الضياع وخفت على إنسانيتي. لم نتأقلم بعد مع التعديلات الجديدة التي أدخلتها أمريكا على التاريخ وكيفية إدراك الوجود بالقدر الكافي من الوعي والمعرفة، الذي يجعلنا مؤهلين لنكون أعضاء في التاريخ الأمريكي. نحن ما نزال إلى حد كبير، الإنسان العادي للتاريخ السابق الذي خصص لنا مساحة واسعة للوهم الذاتي. جئنا من تاريخ ما زال يحمل مواريث متكبرة نوعا ما للتجربة البشرية، من الإنسان الأول وحتى أمريكا. ومع أن ها التاريخ كان مليئا بالترهات التمجيدية لوجودنا وبالقيم الطاعنة في السن في كثير من الأحيان، ولكن هذا هو ما كان يشكل إنسانيتنا. لا أحد يستطيع أن يضيف أو ينقص من نواميس الطبيعة شيئا. ولكن قوانين الطبيعة هي التي أدخلت المعنى في مرحلة من المراحل فصنع ذلك المعنى لأحد حيوانات الطبيعة ، تاريخا وشيئا آخر اسمه الإنسانية. وهذا هو الآن ما يشكل ورطتنا أمام أمريكا. حيويا، كان المشترك بين كل كائنات الطبيعة هو المتعة (تغييب الألم) والفائدة. وتدخل المعنى كما قلنا فتحول المفهومان على يد البشر إلى السعادة والمصلحة، مع إضافات أجتماعية جدلية لا تحصى. وما تريده أمريكا الآن هو تفكيك التاريخ القديم وإعادة مفهوم المتعة والفائدة إلى حدودهما الحيوية الأولى. ستصبح الشعوب عندها قطعانا اقتصادية حيوية وتصبح السعادة والمصلحة والمعنى أمورا تخص سكان الأوليمب الإمبريالي حصرا. ستصبح الديموقراطية مثلا جرسا يعلق في رقبة الإنسان النعجة كهوية أخيرة. صناعة رسمية وليس تاريخية، لأن المعني موجود ليس في رقبة النعجة، وإنما هناك في الأعلى. والجرس هو فقط آلية ضبط وامتثال للقطيع الإقتصادي.
ألأمريكي هو كائن بشري غير مختلف، ولكنه إنسان مختلف. إنه إنسان ليس مكونا من التاريخ، بل من الخيال العلمي مثل مخلوق د. جيكل. هذ الجدار من عبقرية الجنون والقوة هو ما يفصل بين الأمريكي الكائن المعوق المكون من ثقافة التكنولوجيا، وبين الإنسان التاريخي المكون من مواريث ثقافته البشرية والإنسانية.
أول شيء يفعله المساجل الأمريكي هو تجاهل ما يقال تجاهلا تاما، والحديث عن الموضوع من زاوية بعيدة تماما. فهو يعرف أنه لم يأت ليساجل، فسجاله ليس بالملاسنة بل بالفعل، وإنما ليلقن ويبشر بالإرهاب الأمريكي الذي سيحقق معجزة الهيمنة الدينية الشاملة لمقولاتها. لذلك تستطيع أن تحضر معك المشهد الميداني بتفاصيله، ليقول لك المساجل الأمريكي أن ما أحضرته من مشاهد الذبح الجماعي هو صحيح ونحن آسفون له. ولكن ماذا بوسعك أن تفعل أمام ما نريد؟ كلامك هو دليل على ما تقوله وتفعله أمريكا لمصلحة الشعب العراقي هو شيء محتم. وهذا المبشر الأمريكي حينما يبدأ، لا يبدأ من احتلال العراق، بل من كون أمريكا موجودة الآن في العراق. وأن في العراق حكومة ديموقراطية بفضل أمريكا. فوجوده في العراق ليس موضوع تساؤل بالنسبة له. على الناس فقط أن يدركوا ضرورة أن يكون العراق محتلا.
لا شك إذن أن أمريكا مستفيدة سلفا من أي سجال من هذا النوع، للتبشير بملكوتها الحتمي. هذا التبشير يفيد في نشر ثقافة الإيمان بالخضوع للمشيئة الأمريكية , التي ستسهم في توفير كثير من الجهود والإجراءات والمداخلات المكلفة على أمريكا للوصول إلى مركزيتها الكونية التامة.
هل هناك مبالغة في هذا الكلام؟ هل شاهدتم وسمعتم " سفير أمريكا في العراق " أي المندوب السامي الأمريكي فيما كان يدعى العراق، وهو يتحدث في برنامج الجزيرة مقابل صلاح المختار؟ ألعراق هو كما أقول أنا، وليس من الضروري أن يكون ذلك صحيحا. يكفي أن تفهموا أن هذا هو ما تريده أمريكا. فماذا جاء صلاح المختار، سفير المقاومة العراقية وبحق، ليقول لهذا الأمريكي؟
عراقيا، بعد ما فعلت أمريكا بالعراقيين، لم يعد هناك ما يقال لها. ألقرار عراقي أحادي المنطق والإتجاه. إما الخضوع وإما ملاحقة أمريكا إلى أبد الآبدين، حتى ولو خرجت من العراق. لن يستطيع العراقي أن يعيد تأسيس بنيته الإنسانية السوية إلا على قاعدة سيكيولوجية العداء الإيجابي لكل ما هو أمريكي. ستظل بنيته منتقصة إنسانيا ومعنويا على مستوى الذات ما لم يقم حولها ستارا عفويا وتربويا من الحقد العادل والكراهية الإيجابية بينه وبين أمريكا إلى أن تدفع الثمن بكامله عما فعلت. وهي لن تستطيع دفع ثمن الدم الذي أراقت أو الشرف الذي انتهكت أو الدمار المادي والمعنوي الذي ألحقت،ولكن بإمكانها أن تعاني كلما سنحت الفرصة، وعلى الوجدان العراقي أن يؤسس دخيلته على نصوص الإنتقام الإنساني العادل من كل من تسبب أو شارك فيما حدث للعراق، وإلا ظلت إنسانيته وسيكيولوجيته مثلومة إلى الأبد. لن يعود هناك شعب عراقي أو أمة عربية تملك عافية النفس والمعنى والقدرة حتى على البناء المادي بدون أن يكون العداء لأمريكا جزءا من استراتيجيته المعنوية. لقد داست أمريكا إنسانية هذا الجيل العربي بقدميها وأتلفت كل دينامياته البنيوية. لم يعد لديه سوى بنى الخصوص النخبوي وهي المقاومة، التي قد تجترح ولو جزئيا معجزة شفاء الشخصية العربية من الخنوع، وتستقطب حولها حيويات الغضب والعزة بأدائها المعجز. فماذا جاء صلاح المختار ليقول للمندوب السامي الأمريكي للعراق في قناة الجزيرة؟
سيعتبر البعض هذا الكلام متطرفا. طبعا إنه متطرف , ولكن عليهم أن يخجلوا من الحديث عن التطرف، إزاء واحد في المئة مما ألحقته أمريكا بالعراق وبالشعوب العربية. ليسألوا إذن : هل هذا الكلام الموتور والعاجز، يكافيء الجريمة المجانية، وغير المسبوقة منذ آدم وحتى اليوم التي ترتكبها أمريكا ضد بشريتنا وإنسانيتنا؟ ليسألوا أولا، أو فليغلقوا أفواههم. ما الذي يجعل العقل والوجدان موتورا إذا لم تجعله الإبادة المجانية لدم وإنسانية شعبه وأمته اعتداء وابتداء وقصدا؟ ألعربي والعراقي غير الموتور وغير الحاقد ليس بشرا ولا إنسانا ولا كائنا حيا. فهل كان مشهد السجال الذي شارك فيه رجل نخبة مقاوم مثل صلاح المختار، يصب في مصلحة الرفد التعبوي للمقاومة والعربي والعراقي الموتور؟ هل هذا التطبيع السجالي والفضائي مع رمز ميداني من رموز الجريمة الأمريكية في العراق، لا يعتبر سلفا نفسه أو دولته حتى قابلين للإدانة، رغم القضاء على شعب كامل في أعرق بنية حضارية في هذا العالم، يمكن اعتباره حديثا من أحاديث العقل؟ وحتى لو اعتبرناه أمرا له مكان في العقل، فهل كان صلاح المختار مهيئا سلفا للمساجلة؟ لقد حقق النغل الأمريكي هدفه من السجال، وهو التبشير بالإرهاب الأمريكي والتنكيل بالمعنويات العربية. تكلم عن العراق وكأنه مشاع أمريكي. وتكلم عن المالكي كأنه رجل سياسة مخلص لشعبه. وحمل العراقيين المسؤولية المباشرة عن دمهم. وقال إن سلامة جندي المارينز هي مبرر كاف لإبادة مجمع سكني عراقي تدميرا كاملا على رؤوس من فيه. تجاهل ما قاله المختار وأدى رسالته وخرج منتصرا بالكامل. وبدا أن حضور صلاح المختار لم يكن له معنى سوى إعطائة الفرصة لتأدية تلك الرسالة.
عندما قرأت الإعلان عن المناظرة تصورت من خلال ثقتي بحنكة صلاح المختار، وولائه العراقي والعربي والإنساني، أنه لم يأت ليساجل وإنما جاء، مثل الأمريكي، لينتهز الفرصة من جانبه، ويقدم مداخلة إعلامية تعبوية وتحريضية، على أكتاف النغل الأمريكي، إلى الشعب العراقي والعربي وكل شعوب العالم، وضعت بيني وبين نفسي سيناريوهات بلا عدد لما يمكن أن يقوله صلاح المختار مثل هذه أو ما يدخل في بابها، تخيلته يقول بهدوء لذلك النغل :
لم آت لأناقش ترهاتك التعيسة. فأنتم لم تتركوا أمام أحد في هذا العالم خيارا غير محاربتكم. جئت لأقول أن همجية أمريكا وخطرها الإجرامي أصبح هاجسا عالميا لدى كل شعوب الأرض. لم تعودوا جزءا من الإنسانية بل عدوا لمستقبلها. لقد استخرجت بطولة المقاومة العراقية كل كوامنكم الإجرامية، وفتحت عيون كل الشعوب على انحرافكم وضعفكم أيضا. على أمريكا أن تدرك أن المقاومة العراقية قد افتتحت باب المطاردة العالمي لأمريكا، ولم يعد بإمكانكم سوى الأنحدار إلى السقوط، أو الإنحدار إلى قاع همجيتكم والتسبب في دمار العالم. سنقاومكم في العراق والعالم العربي حتى المارينز العسكري والسياسي والثقافي الأخير، وحتى العميل الأخير. لأن شعبنا العراقي وشعوبنا العربية تظل نخبا حضارية حتى في أصعب الظروف. نحن الذين افتتحنا الحضارة الإنسانية ونحن الذين سنخلصها من همجية نموذجكم الإجرامي....... وسينياريوهات أخرى تلذذت بها وأنا واثق أن صلاح المختار، سيفعل ذلك.
لم يحدث ذلك أبدا بالطبع. كان صلاح المختار يقلد هدوء المندوب السامي وكأن العراق هو الذي يحتل أمريكا. كان يقدم خطابه إلى المنطق أمام مجنون منفلت العقال. وعبثا حاول فيصل القاسم أن يستفز موترته، وأن يدفعه إلى الرد المكافيء على رسالة النغل الأمريكي برسالة مقابلة، تنقذ برنامجه دراميا. ولكن صلاح المختار ظل هادئا حتى الجملة الأخيرة، مثبتا أنه بروتوكولي وأكاديمي من النوع الفاخر. وأنه لم يأت ليقدم أية رسالة غير السجال مع السفير الأمريكي في العراق.
لآ أخرج من حسابي كثيرا من العوامل الإنسانية، التي ربما تكون دفعت صلاح المختار إلى التزام هذا الموقف. ولكن في هذه الحالة ما الذي دفعه إلى المشاركة أصلا في البرنامج؟ هل تصور أن هناك ما يمكن مناقشته مع الأمريكي؟ هل تخيل للحظة أنه ذاهب إلى مساجلة نظرية موضوعية، وليس إلى مبارزة إعلامية مع مخلوق لا يقيم وزنا للمنطق أو النزاهة، يستخدم الكذب بالطريقة التي يستخدم بها المسلمات العلمية؟ هذا ما يحيرني. لقد كان الرجل متحفظا وسجاليا إلى درجة الدهشة.
تمنيت أنني لم أشاهد البرنامج.