مركب النقص وعكة نفسية شائعة عند كثير جدا من الناس. بل إنها في الحقيقة مركب سيكيولوجي جوهري وثابت، ولكنها أحيانا تصبح أساس البنية السيكيولوجة لدى بعض الناس ومرجعية أولية للسلوك والعقل الواعي واللاواعي. أي تصبح انحرافا نفسيا ينعكس بوضوح على الشخصية.
هذه الوعكة النفسية كما يقول علماء النفس، تؤثر على الشخصية في اتجاهين متناقضين تماما للتعويض. فقد يتجه التعويض عن الشعور بالنقص والضآلة النسبية، لدى الأسوياء وذوي القدرات المعنوية، نحو ما يسميه علماء النفس (التسامي) suplimation، أو ما يسمونه (الإنحطاط) degeneration لدى أصحاب الضآلة المعنوية ومحدودي القدرة على الفعل. في الحالة الأولى يتجه دافع التعويض نحو التفوق على الذات، فينشأ العظماء والقادة في كل المجالات. وفي الحالة الثانية ينحدر المرء نحو التظاهر والإدعاء والهلوسة ويرتكب أي عمل ولو مشين للتغلب على شعوره العميق بالخسة قياسا على غيره. ففي حين يصبح البخيل كريما والضعيف قويا والفاشل ناجحا والجبان مقداما ليرتقوا في التقييم الإجتماعي بكدهم، في المجموعة الأولى، فإن أفراد المجموعة الثانية يحاولون لفت النظر إلى أنفسهم بمحاولة التظاهر والتمثيل والتطاول المجاني على الآخرين، خاصة الذين هم فوقه قدرا وأهمية وكفاءة. وقد يصل الأمر ببعضهم التوجه نحو الجريمة بكل أشكالها ، أو الإسفاف في سلوكه إلى حد البذاءة. وكلكم تعرفون "عبدو" الذي كسر مزراب العين ليصبح اسمه على شفاه كل صبايا القرية اللواتي لم يكن يعرنه أي انتباه.
قناة الجزيرة المشهورة بحذقها الإعلامي بغض النظر عن مضمونه، تتبع في اختيار مذيعيها على أساس المزايا الخاصة في ثقافة الشكل والمهارات الوظيفية وجاذبية الأداء. والحقيقة أن لديها بعض المذيعين ومقدمي البرامج المتفوقين ثقافة وأداء، بحيث أن جنوحهم السياسي، لا يلغي متعة مشاهدتهم والإستماع إليهم. ولكن يبدو أن قناة الجزيرة تعتمد فى أدائها الإعلامي، فلسفة الدعاية التسويقية للمنتجات، وهي شد انتباه المشاهد عن طريق الإبهار. يجب تقديم وصلة دعائية استفزازية تقضي على حيدية المشاهد وتحرك قابليته للتفاعل شعوريا مع ما رأى. على الوصلة أن تكون مثيرة بجماليتها أو طرافتها أو خفة دمها، أو أن تكون على العكس من ذلك تماما، منفرة أو سمجة أو ثقيلة الدم لكي تستطيع ترك بصماتها على خارطة المشاعر لدى المتلقي. لذلك فإن قناة الجزيرة كما يبدو حينما اختارت كادرها حرصت على اختيار بعض ذوي المواهب السلبية، والمتوعكين سيكيولوجيا لأداء الوصلات الإعلامية المهيجة بإسفافها وبؤسها في مقاييس الذوق. لذلك لا ألوم قناة الجزيرة على تقديم شخص مسكين نفسيا إلى درجة التسول، ظاهر المرض في كل مايصدر عنه من علل سلوكية تشي بها ملامحه وتصرفاته، فلعله يكون عينة تشغيلية نادرة، بالنسبة لقناة الجزيرة، تستغل بؤسه بسوداوية الإعلام الذي يخلط كما قلنا بين الإعلام المثقف والإعلام الدعائي لتسويق المنتجات. ألوم أولئك الكتاب والمثقفين الذين كانوا ضحية قناة الجزيرة التي تسوق الإنشغالات السياسية التي تناسبها على الساحة، وضحية إنسان مريض وبذيء هو الآن بمنتهى السعادة والإمتلاء النفسي لما صب على رأسه من شتائم. لقد حقق هدفه. كسر مزراب العين ليشتم ويصبح على كل لسان وشفتين. كان السكوت عن هذا البائس هو العقاب المناسب لأمثاله ليزيد شعوره بالضآلة، كما أن تركه لوجه الله وارد لأنه مجرد مريض يتكسب بعاهته في عرض سوداوي.
لقد شاهدت نتفا من مقابلة هذا البائس مع الآخر المزري. وأقسم أنني كنت أشاهده لأتشفى ببؤسه ومعاناته، ولكني أقسم أيضا أنني كنت أحيانا أنسى اشمئزازي من حالته وأشفق عليه.
كان "شرلوك هولمز" ينصب الفخاخ "للمزري" ، ثم ينقض عليه بسؤال مصيري مفاجيء تنبسط له أسارير وجهه، ويدخل في حالة نشوة وتصرخ عيناه في وجه المزري: "أنظر كيف أوقعت بك! هل ظننت نفسك جالسا أمام فيصل القاسم؟ أنا جن أزرق!" فما الذي فعلتموه بهذا البائس حينما أنعمتم عليه بالشهرة؟ بالنسبة له لا مانع لديه أن يصير أحدب نوتردام أو هبنقة أو ريا أو سكينة ويصبح مشهورا. في المرة القادمة سيستفحل لديه المرض ويشتم جبال الهملايا، ويذهب إلى حيث ينبغي. وحسبي الله على قناة الجزيرة. إنشاالله كلهم بصيروا مثله، خليها تصير مستشفى.