Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
بابيه رجل السلام، وأفنيري الذي لا يستطيع أن يكون رجل سلام
 
يعود اليكم الموقع في حلته الجديدة راجين أن ينال رضاكم علماُ بأن أعمال التطوير قد تستمر لأيام قادمة ويسعدنا تلقي تعليقاتكم وأقتراحاتكم البنائه
 

الصفحة الرئيسية  |  عن الموقع  |  أسرة التحرير  |  الهيئة الإستشارية  |  إتصل بنا  |  مواقع  |  خريطة الموقع

ترسل المواضيع الى البريد الإلكتروني: editor@arabrenewal.com












 

 

 »  الصفحة الرئيسية  »  قضايا ومناقشات  »  بابيه رجل السلام، وأفنيري الذي لا يستطيع أن يكون رجل سلام
بابيه رجل السلام، وأفنيري الذي لا يستطيع أن يكون رجل سلام
 أحمد حسين | نشر  06/18/2008 | قضايا ومناقشات
بابيه رجل السلام، وأفنيري الذي لا يستطيع أن يكون رجل سلام

لقد كنت أشاهد عنوان المحاورة التي جرت بين د. بابيه وأوري أفنيري، يوميا تقريبا في موقع أجراس العودة. ولم أفكر بقراءتها أبدا. إن مجرد فكرة الجمع بين بابيه الذي أعرف عن آرائه ما يكفي، وبين أوري أفنيري الذي أعرفه وأعرف عنه أيضا، جعلتني أتصور سلفا عقم وعبثية الحوار. ولكن أحدهم أصر علي أن أقرأ نص الحوار، وفعلت قبل يومين فقط. كنت أعرف سلفا أن مغالطات أفنيري قد تستفزني ويغريني الشيطان بالتعرض لها، وكان ظني في محله. ومع ذلك لم أندم على قراءة المحاورة لأنها كانت نصا لامعا بكل معنى الكلمة من الطرفين. كان ألان بابيه رائعا بكل معنى الكلمة، وكان أفنيري لامعا كعادته، بغض النظر عن موقفي من مغالطاته الذكية.

يبدو ألان بابيه إنسانا شجاعا وذكيا ومخلصا لأفكاره. فهو يتحدث كرجل سلام استراتيجي، يعرف أن أي كلام عن سلام أو حتى تسوية بين المشروع الصهيوني الإسرائيلي وبين هجناء السياسة الفلسطينيين هو هراء دموي يساير سياسات دولية وصهيونية لا يهمها عدد الإسرائيليين أو الفلسطينيين ألذين يقتلون أو يقتل أحباؤهم من أجل ذلك. وأن السلام الحقيقي والدائم يجب أن يقوم على تغيير وجه العلاقة بين شعبين كلاهما ضحية لعبة كولونيالية مشتركة بين الصهيونية والدول الإستعمارية. أحدهما مخدوع والثاني طعن في ظهره بدون ذنب على الإطلاق. لقد عملت الصهيونية وشركاؤها الدوليين على اللعب على شعور يهود العالم الشرعي بالإضطهاد، في أوروبا تحديدا، لتوليد شعور قومي لدى اليهود يقوم على المونولوج الذاتي وحده. يتضمن عدالة السعي للخلاص الذاتي، ولكنه يتضمن وعي الخلاص البراغماتي غير الواقعي الذي يقوم على تحميل تبعات هذا الخلاص لشعب آخر سيفقد خلاصه بسبب ذلك. لقد كان بابيه براغماتيا واقعيا وليس أمر- واقعيا في مرافعته حيث أنه وضع الشعبين في عينية ومركز الحل، وإن لم يمض بالحل إلى نهايته المنطقية.

حصل خلل مريع في حياة الشعب الفلسطيني. لقد فقد وطنه المادي والإجتماعي وبالتالي المعنوي أيضا. أصبح يعيش حالة من "اللجوء" لقي فيها من التنكيل المعنوي أكثر مما لقي من التنكيل المعاشي. فمن حقه أيضا أن يبحث عن خلاصه الإنساني على أرضه. وإذا كان الشعب اليهودي بنسبة 99% (افنيري) حريصا على وطنيته الإسرائيلية الناصعة ابنة الستين عاما، والتي أقيمت اقتحاما على أنقاض وطنية فلسطينية عمرها غير محسوب، فمن المنطقي والمؤكد إذ أن يحرص الشعب الفلسطيني بدوره على استعادة هوية ترابه الوطني إذا اعتبرنا أنه أيضا كائن معنوي مثل باقي الناس؟ لا أحد يريد استبدال خلاص بخلاص مرة أخرى، فالأمر الواقع يمنع التفكير في هذا الإتجاه، لقد أصبحت فلسطين وإلى الأبد ربما، موطنا لشعبين ولكن الهوية الوطنية هي للشعب الأصلي. سيكون كل سكان الدولة الواحدة فلسطينيون يتعايشون بالمنطق الديموقراطي العلماني والواقعي. وسيكون بإمكان أي فلسطيني بغض النظر عن كونه يهوديا أو عربيا أن يصبح رئيسا للدولة. هذا هو الحل الممكن الوحيد، لأنه يتجاوز سجالات النفي المتبادل للحق، إلى الإمكان العملي الأفضل لتسوية تاريخية يتنازل فيها الحق أحيانا للمصلحة المشتركة لشعبين سيصبحان شعبا واحدا.

دولة معرفة قوميا للشعبين، لا بد أن تكون بمنطق العدالة النسبي والواقعي، وبمنطق المصلحة المشتركة لطرفيها، دولة فلسطينية لكل فلسطينييها يهودا وعربا. فدولة ثنائية القومية سوف تفرز علاقات استقطاب وتوترات سياسية واجتماعية. كما أن إسرائيلية الدولة، تخالف منطق المصلحة العملي للدولة الجديدة، ولا تحل مشكلة العائق المعنوي على ضوء ملابسات وخلفية المشهد التاريخي الذي كان قائما قبل الإقتحام على أولية فلسطينية وطنية. هذا الجانب المعنوي سوف ينعكس مباشرة على المحيط العربي سلبا أو إيجابا من حيث العلاقة، حيث أن دولة واحدة تعرف فلسطينيا سوف تمحو بسهولة ذاكرة الصراع من أذهان الشعوب العربية والإسلامية وتفتح المجال الحيوي الواسع للمصلحة والعلاقات الطبيعية أمام الدولة الواحدة الجديدة. أما التزام إسرائيلية الدولة فسوف يظل يلقي ظلالا سوداء فلسطينيا وعربيا وإسلاميا على ساحة العلاقة بالدولة ألجديدة. ستكون الذاكرة نقيضا كامنا للحل يهدد استمراره ويهدد بكل تأكيد مصالحه الحيوية.

إن تسليم الفلسطيني باقتسام فضائه الوطني مع المستوطن والمهاجر الجديد من وجهة نظره، هو ثمن مادي ومعنوي مكافيء يدفعه من أجل السلام مع الشعب اليهودي على أرض فلسطين. وأنا هنا لا أتحدث عن رومانسيات دينية أو تاريخية، وإنما عن ذاكرة وطنية جميلة ما يزال قسم من شهودها أحياء، وعن ذاكرة مريعة عمرها ستون عاما فقط. أي ذاكرة لا يمكن إهمالها في أي حل سيوقف معاناة الطرفين ويصنع منهما شعبا فلسطينيا واحدا بحقوق فلسطينية واحدة، أي في إطار انتماء وطني واحد ديموقراطي وعلماني ومفتوح وطنيا بالتساوي المطلق. أتحدث عن التزام وحق وطني وعلاقات اجتماعية داخل شعب واحد في وطن واحد.

لقد تحدث د. بابيه عن المجتمع الدولي. وفي ملاحظة سريعة أزعم أن المجتمع الدولي اليوم أسوأ مما كان عليه في أي وقت مضى. إنه يتعامل مع دم وإنسانية الطرفين بلغتين مختلفتين، ولكنه في نفس الوقت لا يتبرع للإسرائيليين بجزء من أبنائه كتعويض عن أبنائهم الذين فقدوهم. إنه يكتفي بالقول أنه لا يساوي بين الدم اليهودي والعربي. هذا الكلام قد يسر الإسرائيليين ويغضب الفلسطينيين، ولكنه لم يعد أحدا ممن قتلوا إلى الحياة، ومن المؤكد أنه تسبب في قتل الكثيرين. وهو يعرف ذلك، فإن تأزيم الصراع يخدم مصالحه. ولا يخيفه شيء في المنطقة مثل الإستقرار والسلام العربي اليهودي. ولنتصور نحن ما يمكن أن ينجم عن مثل هذا السلام لنفهم مخاوفه. وليكن للشعبين المشبعين بالمعاناة تصور مقابل فيما سيحدث لهما لاحقا في مجتمع سيادي دولي، يمتدح المذابح، بل ويقوم بتدبيرها أيضا، إذا لم تكن لهما جرأة وذكاء وإنسانية أشخاص مثل ألان بابيه.

ولا شك أن أوري أفنيري هو شخص جريء ولامع، ولكنني أعترف أن الجمع بينه وبين د. بابيه في إطار حلقة حوار من أجل السلام كان موفقا من حيث إغناء الأداء، ولكن ليس من حيث تقديم معادلة حوار داخلية حقيقية لإشكالية البحث عن حلول سلمية. فالصهيونية لم ولن تحمل أبدا غير هواجس الصراع بوصفها جزءا من مركزية المجتمع الدولي. أوري أفنيري كان ينطلق طيلة الوقت عن ذات التحفظات الصهيونية المشتركة بين غوش إيمونيم وأولمرت وحركة السلام الأن. أي أنه أعاد تقديم الخطاب السياسي الرسمي أثناء المفاوضات مع الفلسطينيين ولكن بلغة الهديل السلمي. ويبدو أن د. بابيه قد أدرك أو على الأغلب كان يدرك موفف أفنيري المخايل، فكانت ردوده لا ذعة بعض الشيء في أكثر من موقع. خاصة أن أفنيري أخبره أنه يتفق معه ألف في المائة بخصوص بعض مواقفه من الشعب الفلسطيني، دون أن يخبره أنه يختلف معه أيضا بنسبة ألفين في المائة حول ذات الموقف. أي أنه بحساب الفرق بين النسبتين المعطاة والمضمرة يختلف معه ألف في المئة.

إن أوري أفنيرى يعلم تماما أن حل الدولتين بعيد عن أن يكون حلا استراتيجيا، وأن إسرائيل السياسية لن ترضى به حتى في أقل بكثير من الحدود التي يطالب بها الفلسطينيون. وحتى لو تمت هذه التسوية في حدود ما يقترح الإسرائيليون فسوف ينتقض عليها الفلسطينيون لاحقا، مع أي فرصة تبيحها ظروف التوازن النسبي. أما إذا قامت في الحدود التي يطالب بها الفلسطينيون، فإن أي خلل في التوازن مثل زوال النظم الأردني مثلا سيجعل إسرائيل هي التي تنقضها. أي أن الأمر كله لا يعني بالنسبة للطرفين سوى كسب الوقت. أما خارج الإفتراض فهي تسوية مستحيلة إسرائيليا تحت أي ظرف من الظروف. والفلسطينيون الذين لا يصلحون للديموقراطية في نظر الفكر الصهيوني ونظر أوري أفنيري، قد يصلحون لإدراك أن التسوية لن تكون تسوية مع الفلسطينيين، وإنما هي تسوية مع النظام العربي، وأن القضية الوطنية للفلسطينيين ستكون فقط طبقا من المقبلات على مائدة احتضان رأسالمال العالمي والصهيوني لرأسالمال النفطي. أي أن الشعب الفلسطيني في الشتات في هذه الحالة سيتحول إلى بروليتاريا خليجية في أحسن الأحوال. وتتحول إسرائيل إلى حارس على الأنظمة العربية النفطية، والمصالح الدولية فيها، لتدخل في صراع مصالح محتم مع الشعوب العربية، وتتسع ساحة الصراع.

أما عن ال99% من الإسرائيليين الذين يرفضون حل الدولة الدولة الواحدة، أو ما يسميه أوري أفنيري " تفكيك وطنهم " فهو حاصل متوقع للثقافة القومية التي تمجد الإستقواء وروماسية " الردع البطولي، أي العدوان البطولي. هي أيضا حاصل متوقع للرفاه العسكري الذي حقق الكثير من الإنجازات المجانية المثيرة لمشاعر الإستعلاء القومي وتقديس القوة. وحينما تقيم الأحزاب الدينية العنصرية تهمة " التكفير " على الموقف السياسي من الإستيطان والعرب فكيف يمكن تصور انعكاس ذلك على الفرد الإسرائيلي؟ كيف يمكن في فضاء ثقافي كهذا انعكاس العجز الفلسطيني والعربي إلى درجة التهاوي، على سيكيولوجية التقييم لدى الإسرائيلي إلا على شكل احتقار بنيوي للآخر مقابل تمجيد مرضي للذات؟ وأخيرا كيف يمكن أن يكون هذا الحاصل غير متوقع حينما يقوم المثقف النخبوي الإسرائيلى باستغلال هذا الحاصل للتبرير السياسي، بدلا من التنبيه إلى خطره في تحول السجال مع الأخر إلى سجال عنصري؟ فهل يعتبر أوري أفنيري أن نتائج التثقيف العنصري وخلل العلاقة يمكن استغلالها في ترجيح وجهة نظره في سجالات البحث عن السلام. لا بد أن اوري أفنيري كمثقف نخبوي يعرف أن عدم مقاومة أية ثقافة سيكيولوجية من هذا النوع هو إهمال أو تجاهل شديد الخطورة، يتاخم الإنحراف. فهو حتما يعرف أن الإسرائيلي العادي ترك ليكون ضحية الملابسات المواتية المدهشة والبطولية التي رافقت نشأته الوطنية والقومية. وقد تعمدت الثقافة التعبوية للصهيونية تركه هناك باعتبار أن العدوانية والإستعلاء الثقافي يخدمان أهدافها السياسية. جعلت من الإسرائيلي بغض النظر عن مضمونه الثقافي الفردي "متدينا" إعلاميا إلى درجة السيطرة التامة على مزاجه السيكيولوجي من خلال وسائل الإعلام، لتصبح ثقافته السياسية ثقافة شكلية تعبوية، موضوعها الأساسي هو القضية الأمنية المجردة عن القياس أو الإجتهاد أو القراءات الذاتية للواقع. جعلته المؤسسة السياسية الصهيونية معسكرا ويائسا سلفا من السلام لانعدام ثقته بالآخر الهمجي. لذلك فإن ولاءه الفكري مقتصر على دروس التجربة الي خاضها مع الفلسطينيين. وهي لا تكفي لتكوين معرفي شامل بديناميات التاريخ ومتغيراته الأيجابية والسلبية. قد يكون هذا هو الوضع المثالي من حيث الهدف والظرف المرحلي للصهيونية، ولكن ماذا مع مستقبل الشعب اليهودي في المنطقة في ظل تحولات محتملة منها تخلي الصهيونية عنه كمشروع إمبريالي براغماتي لم يعد ممكنا أو مربحا. إن الأمن الإستراتيجي للفرد أو الجماعة هو القدرة على التأقلم مع كافة الإحتمالات. لقد هزمت إسرائيل العرب في ستة أيام، ولكن أمريكا اليوم لم تستطع هزيمة الشعب العراقي خلال خمسة سنوات استعملت فيها كل الأسلحة المحرمة وبغطاء دولي رسمي وواسع من مجلس الأمن. لو كانت النخب الإستراتيجية في إسرائيل موظفة في خدمة الشعب اليهودي وليس في خدمة الصهيونية لأدركت بسهولة أن الوقت قد حان للعمل على تغيير الثقافة الميدانية الخطرة للإسرائيليين. وأن الأمن الميداني الذي يضمن كسب المعركة القادمة هو أمن محدود الضمان إلى درجة خطرة جدا. وإذا كان الإسرائيلي يريد أن يصبح جزءا من حياة إنسانية شاملة على جغرافية اجتماعية واسعة يشكل جزءا بالغ الصغر منها، فعليه أن يتمسك بأمنه الميداني الدفاعي فقط، وأن يواصل من هناك التفكير في أمنه الإستراتيجي الذي هو رهن بمستقبل علاقته بالفلسطينيين وبالشعوب العربية المحيطة به. ولا يوجد أية رهانات مضمونة أخرى. ولكن يبدو أن لا أحد في إسرائيل يفكر بهذه الطريقة، حتى ولا رجل السلام أوري أفنيري الذي يبدو واثقا من عجز الآخر البنيوي إلى درجة أنه يمكن الرهان عليه استراتيجيا. لذلك فهو يخرجه نهائيا من الإعتبار المستقبلي، ويوافق على استمرار ثقافة الأمن الميداني بوصفها هي الأمن الإستراتيجي. يعلن ذلك طبعا بطرقة مهذبة أكثر بكثير من بائع خضار إسرائيلي، ولكن استهانته وتجاهله للركام البشري العاجز حول إسرائيل واضحان بما فيه الكفاية. وهذا ما يقوده بوصفه صهيونيا ومثقفا شموليا وذي نزعة إنسانية، إلى مثاقفة حل إنساني للفلسطينيين، يقوم على توطينهم في اللجوء المحاذي لإسرائيل، وتحت رعاية إسرائيلية مباشرة وإنسانية قدر الإمكان.

لو كان بإمكان أفنيري التخلص من يأسه المرتجى من التاريخ، لرأي أنه في ظروف مختلفة قد يضطر الإسرائيليون إلى الموافقة على أقل بكثير من حل الدولة الواحدة. هناك موازنات كثيرة بين التاريخ ومصلحة البشر تلزم بحل الصراعات في ظروف غير مواتية. وهناك موازنات تفرض الحل فرضا. كم مرة قدم الفلسطينيون تحت طائلة المعاناة تنازلات لم يكن تصورها ممكنا من قبل؟ لقد سبق وتفكك الوطن الفلسطيني بالقوة، فهل هناك ضمان أن لا يتكرر هذا مرة أخرى؟ أليست الموازنة التي يقدمها حل الدولة الواحدة الإستراتيجي أفضل من الرهان غير المضمون على الخلل الموضوعي للمراحل؟ إن وطنية الفلسطينيين لم تجعل منهم عنصريين رغم الأهوال التي مروا بها، ولكن أوري أفنيري يراهن على التوجهات العنصرية التي ترفض التعايش مع الفلسطنيين حتى بصفة مواطنين في دولة يهودية، لتبرير مغالطاته السياسية.

لقد اختار أوري أفنيري لدعم منطقه نموذجا شكليا غيبيا هو مقولة الذئب والحمل لتفنيد إمكانية التعايش بي الفلسطينيين والإسرائيليين في دولة واحدة. وقد أصر على تفكيك رمزية الذئب والحمل ليحولهما إلى عينيتهما الثابتة، وهذا شيء مشروع في الفكاهة أو أدب الأطفال، ولكنه غير مشروع في القراءة التاريخية. ففي هذه ليس هناك رموز للتلاعب. هناك بالطبع رموز لغوية تقدم الواقع التاريخي تخييليا، ولكن التاريخ لا يأبه بأي استعمال خاطئ للرمز من جانب القريحة الثقافية. إنه تاريخ للوقائع وليس للرموز. في البرية وحديقة الحيوانات يستطيع أفنيري أن يضمن الثبات النسبي لشكل ومضمون العلاقة بين الذئب والحمل، أما في التاريخ فلا الذئب يبقى ذئبا ولا الحمل يظل حملا.. قد يتبادلان المواقع، وقد يتشاركان فيه فيصبحان ذئبين أو حملين. وقد اختار أوري أفنيري أن يظل الفلسطيني ذئبا والإسرائيلي حملا ليثبت عدالة وقطعية حل الدولتين. ولكن مع ذلك يبقى الأمل قائما فأوري أفنيري إنسان عملي اعتاد أن يغير رأيه بسرعة مدهشة كما أعرف بيقين التجربة. فقد كاد الرجل الدمث الهاديء أن يتحول إلى كتلة من الغضب والإحتقان حينما " اتهمه " أحدهم أنه صهيوني، وبعد مدة بالغة القصر لا أذكر عدد أيامها. كان مقاله الإفتتاحي في "هعولام هزه " بعنوان "أنا صهيوني". لذلك فأنا أعتمد كثيرا على الأمل في أن يغير موقفه من حل الدولة الواحدة.

ويقول أفنيري في سياق سجاليته مع الصدق والعقل التاريخيين : "ولا جدال في أنه كان تطهير عرقي في 1948، ولكن فلتسمحوا لي أن أقول بين قوسين بأن التطهير العرقي كان متبادلاً. لم يبق يهودي واحد في المناطق التي احتلها الطرف العربي. "

لن ينفع القوسان أوري أفنيري بل على العكس سيدلان فقط أنه ليس مقتنعا بما يقوله. فالتطهير العرقي ليس جريمة مزاجية مفردة في المواجهة الميدانية. إنها مشروع سياسي مدروس ينفذ عبر آليات وإجراءات موجهة رسميا. وهل يستطيع أفنيري حتى أن يشرح لنا قصده من قوله : " لم يبق يهودي واحد في المناطق التي احتلها الطرف العربي. "؟

أين حدث ذلك؟

كيف حدث ذلك؟

أعتقد أن أوري أفنيري سيكون أول الراحلين فيما لو قامت دولة ثنائية القومية. فهو لا يستطيع أن يكون ديموقراطيا إلى درجة تخيل رئيس حكومة فلسطيني بالإنتخاب. لذلك أقترح عليه قبول الدولة الفلسطينية الديموقراطية برئيس حكومة فلسطيني يهودي دائم على النمط اللبناني بخصوص رئيس الجمهورية. أنا متأكد أن هذا سيكون مقبولا على أي فلسطيني، فهل يستطيع هو قبول ذلك؟ بالطبع لا! فهو لا يفكر حتى في أن هناك خيارات واقعية أمام الفلسطينيين سوى خيار اللجوء المحاذي، أو القبول بوضع سقاة وحطابين في أية تسوية ديموغرافية مفروضة عليهم. هذا بالطبع لا يعجب أي فلسطيني، ولكنه مستوجب موضوعيا باختلال ميزان القوى الذي يعتبره أفنيري استراتيجية المستقبل القومي اليهودي.

أفنيري رجل سلام بالنوايا. ولكنه لا يستطيع أن يكون موضوعيا كذلك. حاول بإخلاص ولكن الإخلاص بدون الموضوعية هو شعور إنساني جميل وعديم الفائدة عمليا. إنه لا يستطيع أن يكون موضوعيا، إلى درجة أنه لم يلمح عمق المفارقة التي يرويها عن لقائه بعرفات. لقد اتهمه الرأي العام الإسرائيلي لهذا السبب بأنه خائن، في حين أن الخائن موضوعيا هوعرفات ممثل الشعب المنهوب والموتور الذي يلتقي مع صهيوني يمثل الطرف المعتدي. ومع ذلك فإن الشعب الفلسطيني لم يعتبر عرفات خائنا. ألا تكفي هذه المفارقة لتوضح لأفنيري أين يكمن الخلل؟ بالطبع لا! لقد اعتبر لقاءه مع عرفات تضحية يقدمها من أجل السلام. وليس هذا غريبا من رجل يمنح الجغرافيا الفلسطينية حيوية تاريخية ملتزمة بحق قومي يهودي. هذا الحق القومي يجعل من مجرد لقائه بالضحية العارضة على هذا الحق تضحية. والموافقة على دولة لاجئين بدون هوية على مساحة مخيم اعتقال مناسبة نسبيا، تضحية أخرى. رجل مثل هذا لا يمكن أن يكون رجل سلام حتى لو أراد.


اضف تعليق
تعليقات


خيارات المقال