Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
التجديد العربي - http://www.arabrenewal.org
الهاربون من أجل "الحرية"
http://www.arabrenewal.org/articles/15824/1/CaaCNEaea-aa-AIa-quotCaINiEquot/OYIE1.html
أحمد حسين
 

 

 
 أحمد حسين
نشر في 06/14/2008
 

الوعاظ الدينيون والعلمانيون والليبراليون والديموقراطيون ودعاة حقوق الإنسان وتحرير المرأة منتشرون لدينا أكثر من انتشار الخيانة الزوجية في فرنسا. والجامع بين الحالتين أن القانون لا يعاقب عليهما. فحق المرأة أو الرجل على جسده منصوص عليه في الدستور الفرنسي. والوعظ التحرري مضمون أيضا بحرية التعبير إذا كان العربي يتكلم


الهاربون من أجل "الحرية"

الوعاظ الدينيون والعلمانيون والليبراليون والديموقراطيون ودعاة حقوق الإنسان وتحرير المرأة منتشرون لدينا أكثر من انتشار الخيانة الزوجية في فرنسا. والجامع بين الحالتين أن القانون لا يعاقب عليهما. فحق المرأة أو الرجل على جسده منصوص عليه في الدستور الفرنسي. والوعظ التحرري مضمون أيضا بحرية التعبير إذا كان العربي يتكلم من باريس أو لندن على سبيل المثال أو خارج بلده على الأقل. أي أن هؤلاء الوعاظ فيما عدا الفقهاء، هم على الأغلب من العقول المهاجرة. أي من الذين تركوا أوطانهم مؤقتا إلى أن تتغير الأحوال الإقتصادية والسياسية في بلادهم وترتفع الرواتب، ويعم التحرر وتنتشر الحداثة، وتصبح القاهرة ودمشق وعمان منارات للحرية مثل باريس، ليعودوا رافعي الرؤوس لأن أفكارهم التنويرية آتت أكلها. طبعا من حيث حقوق الإنسان هم أحرار تماما في ترك بلادهم.

ولكن من حيث الحق المعنوي والأدبي لا يحق لهم أن يفتحوا أفواههم بكلمة احتجاج واحدة على الوضع في أوطانهم الأصلية. فمن هو المطالب بتأسيس مشروع التحرر في الوطن، ومواجهة الإستبداد، والمخاطر الناجمة عن ذلك، إذا لم تكن النخب الواعية والمتحررة "مثلهم"؟ وإذا كانوا قد فضلوا الرواتب العالية والهرب إلى الأمان السياسي، فعلى من يحتجون؟. أي مثقف فضل البقاء في بلاده ولو متمترسا بالصمت، قد يكون مجرد وجوده كظاهرة ثقافية ووظيفية إسهاما في الحركة البطيئة للتغيير. أما أولئك الثوريين من بعيد فهم ظاهرة للنوايا الغامضة التي تستوجب البحث.

هل سأل هؤلاء أنفسهم كيف وصل الأوروبيون إلى التحرر السياسي والإجتماعي والفكري والثقافي؟ هل وصلوا إلى ذلك بواسطة رسائل الوعظ التي كانت تصلهم من وراء البحر؟ هل تحرر شعب من تلك الشعوب إلا عبر تجارب الكفاح المتلاحقة والإستشهاد الثقافي الذي قدمته نخب التنوير عبر قرون من الزمن. فمن الذي سيبدأ مسيرة التحرر في البلاد العربية إذا كانت النخب الثقافية تهرب إلى أوروبا، للتمتع بالحرية؟

تقول الشواهد أن هناك كثيرا من النخب العربية في كل مجالات العلم والثقافة هاجرت من أجل مستوى معيشة أفضل، ومن أجل فرص التقدم العلمي غير المتوفرة في أوطانهم. ولكنهم انصرفوا إلى ما أرادوا وتركوا الوعظ.

هؤلاء مجرد عدميين والعدمية هي من أهم ما تدعو إليه حقوق الإنسان التي يبشر بها أولئك الوعاظ المغتربين. فما الذي دعاهم إلى ذلك؟ لا يمكن أن يكون إيمانهم بالمبدأ التحرري فقد هربوا من تبعاته، والذي يؤمن بذلك حقا يغرس علمه على ساحة الفعل وليس خارجها. على الأقل ليس في مؤسسات حقوق الإنسان الدولية التابعة للأمم المتحدة، التي تعمل في التجسس ونشر الحروب الأهلية لتدخل منها أمريكا.

هل كان علاوي والجلبي والمالكي وطارق الهاشمي يدافعون عن الديموقراطية في العراق من أمريكا؟ هل البنايوني وعبد الحليم خدام هاجروا بحثا عن حرية شعوبهم المقهورة؟ لقد أصبح الدفاع لدى أولئك عن "الحريات" هو الإسم الحركي لعملاء أمريكا والغرب. هذا هو التفسير الوحيد لظاهرة الهاربين "التحرريين" إلى الغرب.

ولو كان لهؤلاء علاقة بالتحرر وحقوق الإنسان، لعرفوا أن الأوطان المعتقلة أو المحتلة لا يمكن أن تقوم فيها حركات تحرر اجتماعي، قبل أن تحصل على حرية أوطانها وتؤسس هوية حركتها الإجتماعية على أساس وطني مستقل. لم يحدث في التاريخ شيء غير ذلك. لقد أصبحت اليابان إمبراطورية اقتصادية تحت حكم أمريكا، ولكنها تحولت إلى مجتمع بدون هوية وبدون ثقافة وبدون حضارة. أصبحت كانتونا صناعيا وتجاريا كبيرا بمجموعة بشرية محكومة بعلاقات العمل والتعاسة الإنسانية والإجتماعية والنمط الأمريكي في العيش. لقد أصبح الإنتحار لدى اليابانيين أبرز ظاهرة اجتماعية. وسوف يأتي الوقت الذي يأتي فيه الإنفجار.

هؤلاء الهاربون التحرريون من العرب، هم مبشرون بالتحرر بالتحويل وليس بالتطور الموضوعي. إنهم طلائع الثقافة المساندة للديموقراطية التحويلية لمشروع الشرق الأوسط الجديد. مهمتهم الأولى تحطيم أية قيم وطنية أو قومية متبقية، تحت ستار حقوق الإنسان. يدافعون عن أي عنصر مسجون على خلفية خيانة الوطن وكأن خيانة الوطن حق من حقوق الإنسان.

ويدافعون عن حرية العمل الحزبي والتعددية خارج أي التزام مسبق بإجماع وطني ملزم، غير موجود حاليا في أي بلد عربي. فأمريكا في النهاية لا تريد حتى أنظمة حكم تقليدية في الشرق الأوسط. تريد شرق أوسط من مربعات اقتصادية عديمة الهوية يحكمها بيروقراطيون يعملون عندها وعند إسرائيل.

تريد مجموعات خليجية صغيرة خالية من أي معنى غير المعنى الإقتصادي محكومة بالرغيف وعلاقات العمل. وهذا ما سيحدث لكل بلد عربي إذا نجحت في تمزيق العراق وإقامة إسرائيل الكردية في شماله. عندها سيدرك حكام الخليج، أنهم سيظلون قيد الإستعمال إلى حين فقط.

وأن الليبرالية الأمريكية ستخلعهم وتأتي بالمستشارين الذين توظفهم أمريكا لديهم ليملأوا الفراغ. وليتأكدوا أن رأسالمال الخاص الذي كونه أتباعهم هو أول من سينقلب عليهم. ولن يذكر التاريخ منهم سوى أنهم كانوا جسر الغباء الذي عبرت عليه أمريكا لاستعباد شعوبهم.