أي خطاب يفتقر إلى الموضوعية، هو خطاب يسايس عقل المتلقي ولا يفاكره. وحينما قرأت مداخلتي الجبهة الديمو قراطية في (4.6 و8.6 2008) تذكرت الخطاب الذي اتبعه الحزب الشيوعي الإسرائيلى معنا فلسطينيي الداخل منذ النكبة، والذي بلغ تألقه الأوفى أيام كان إميل حبيبي، على سدة الحكم داخل الحزب. ومع أن المغالطة هي فلسفة العمل السياسي الطبيعية ألا أنها لم تستعمل في تاريخ السياسة بالطريقة التي استعملها بها ذلك الحزب والتي حولتها من سجال بين المهارات العقلية إلى قمع مباشر لموقف الآخر"، كثيرا ما كان يترافق بالقمع الجسدي. كان يمكنك مساجلة أي رجل أمن إسرائيلي في التحقيقات الروتينية، دون أن تخشى الإعتداء الجسدي. أما في أي سجال مع الشيوعيين فأنت معرض دائما لأن تهان أو تضرب. وكان هذا يعود إلى أمرين أساسيين: أولهما ألإستقواء "بشرعية" الموقف أمنيا، والعلاقة التعاقدية مع السلطة. وثانيهما الأمية النظرية التامة "للرفيق" في معظم الأحيان. فحينما يكون المساجل الآخر ذو توجهات وطنية أو قومية، كان كل ما يسمعه من المساجل الشيوعي عبارات تخويفية أو تهجمية مثل:
لماذا لا تحمل السلاح وتحارب؟
إذا كنت لا تعترف بالدولة فلماذا تحمل الهوية الإسرائيلية إذن؟
أنت "قومجي" !
وإذا تركت للسجال أن يبلغ مداه فسوف يتحول سريعا إلى شجار وتشابك بالأيدي. ولعل هذه الطريقة، طريقة المغالطة المكشوفة، في بياني الجبهة الديموقراطية المشار إليهما، هي ثمرة العلاقة السياسية والأيديولوجية الخاصة للجبهة الديموقراطية بالحزب الشيوعي الإسرائيلي.
كانت الأيديولجيا الحزبية العملية للحزب الشيوعي الإسرائيلي تقوم على بنود التعاقد الأمني مع النظام مقابل إعطائهم الشارع "العربي الإسرائيلي" كإقطاع سياسي بالتنافس مع قدامى المتعاقدين البارزين مع الصهيونية. ومجمل هذه البنود:
1- ألدعوة إلى أخوة الشعبين.
2- ألتعاون مع "قوى السلام" الإسرائيلي.
3- محاربة التطرف القومي والوطني بين فلسطينيي الداخل.
4- ألتطبيع مع الفلسطينيين والعالم العربي.
عرض هذه البنود يكمل التشابه بين برنامج التسوية الإجتماعي للجبهة الديموقراطية وبين ما ظل يدعو إليه الحزب الشيوعي الإسرائيلي. فأهم خصائص "الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة" في إسرائيل، تنعكس بوطأة ثقيلة على خطاب "الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين" رغم كل محاولات التزيين ومراعاة ظروف ساحة العمل المختلفة.
كل من يعرف خلفيات نشوء الجبهة الديموقراطية ويتمعن في دلالات خطابها بنيويا يعرف أن جوهرها الوطني كان تأسيسا هو:
1- أنها حزب تحرر وطني، وأن مفهوم التحرير لديها يتوقف عند مفهوم التسوية الإجتماعيية.
2- أنها من أحزاب اليسار اللاقومي على الساحة الفلسطينية والعربية.
وهذا هو بالتعيين كان دائما جوهر البنية المشتركة لكل الأحزاب الشيوعية العربية، من حزب يوسف سليمان يوسف في العراق، وحتى حزب إميل حبيبي في إسرائيل، مرورا بحزب حواتمة على ساحة الوطن الضائع.
لذلك لم تكن العناية الخاصة التي أولاها البيان المزدوج لهزيمة حزيران وقوفا عند الذكرى بدافع العبرة، وإنما فرصة لشجب التجربة القومية من أساسها بوصفها مفصلا نكبويا مجردا عن أية ظروف موضوعية، سببه الوحيد هو الفاشية القومية التي رفضت التقسيم وتسببت في ضياع كل فلسطين، ثم تسببت لاحقا في أم النكبات (هزيمة حزيران) كما كان أميل حبيبي يقول دائما. أما الهدف الثاني لهذا التعريض المركز بالتجربة القومية، فهو التمهيد لانتخابات ديموقراطية فلسطينية على غرار الإنتخابات الكويتية، تعيد تكريس حضور الفصائل التسووية المتلاشية، على مرحلة التسوية القادمة. خاصة أن سياق التسوية الجديد، سيكون مزادا لشراء الولاءات السياسية، على كل المستويات، من الناخب إلى قادة وميزانيات الفصائل. أي أن أمريكا والغرب والنفط سيشترون هذه المرة المشهد الفلسطيني المناسب بالمال وليس بالإرهاب وحده. وسيكون مشهدا عدميا بالكامل، بدون شعب وبدون قضية وبدون أية أفكار قومية تعزز ما تبقى من ولاءات وطنية. يجب أن يكون اليأس من مطلب التحرير تاما،واستبداله بوعي التحرر أي وعي التسوية الإجتماعية التي لن تحصل، إلا بشرط التخلي الفلسطيني عن هويته الوطنية تخليا تاما. لذلك فإن بياني الجبهة الديموقراطية، طرحا بؤس المشهد وأهوال أوسلو كعبرة للشعب الفلسطيني يجب أن تدفعه نحو اليأس وسياسة تبني الممكن، ولم يطرحاها كعبرة فشل للمقاومة وفصائلها. وبما أن لكل سبب مسبب، ومطلوب من صاحبة البيانين تقديم تفسير ملائم لهذا الفشل، فقد هداها عقلها "العلمي والموضوعي" الأيديولوجي إلى مغالطة تضرب بها ثلاثة عصافير بحجر، العصفور الأول هو تحميل كل مسؤوليات الفشل لعدوها القومي صاحب هزيمة حزيران" التي ابتدأ بها التاريخ العربي المعاصر" وكانت سببا لكل ما قبلها وما بعدها من نكبات. والعصفور الثاني نشر الديموقراطية الكويتية في فلسطين لكي تستطيع تبرير وجودها الوطني الديموقراطي على ساحة التسوية، والثالث وهو الأهم، ألدعاية الإنتخابية للجبهة الديموقراطية، التى ثبتت صحة رؤيتها العميقة تاريخيا، حينما حذرت ثورة يوليو من عواقب ثورتها القومية. فلو امتثلت تلك الثورة لحكمة الجبهة الديموقراطية ونصائحها لتغير وجه التاريخ. فقد كان الخلاف بين ثورة يوليو والجبهة الديموقراطية هو سبب تآمر العالم الإمبريالي والعربي على التجربة القومية في مصر. لم يكن هناك أسباب أخرى على الإطلاق.
ألطريف في سلوك الأحزاب ذات النهج المتمركس، أنها حين تريد تبرير قصورها فإنها تفعل ذلك بحجة الإمتثل " للظروف الموضوعية " التي تبيح حتى الخيانة الوطنية أحيانا. ولكن حينما يتعلق الأمر بأعدائها فإنهم يكونون هم المسؤولون الوحيدون حتى عن الكوارث الطبيعية التي تحصل في زمنهم. هكذا كان الضباط الأحرار في مصر. لقد جاؤوا في ظروف ازدهار الواقع العربي، وعصره الذهبي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وتدخلوا بدون أية دوافع تبرر تدخلهم، وتسببوا في سقوط كل منجزات العرب الحضارية، وجلسوا بعدها يبكون على العز العربي القديم أيام الإمام أحمد، ونوري السعيد والملك فاروق. وحينما تآمر العالم بأكمله عليهم، احتجاجا على ذلك، زالت الغمة وبدأ العالم العربي، كما نرى، نهضته الحالية نحو الصعود ألى الحداثة مدججا بأفكار ابن تيمية. ويجب أن نحمد الله على أن ثورة الضباط القوميين في مصر لم تتمكن من القضاء على كل الإجازات التي سبقتها، فلم تتمكن من هدم السد العالي الذي بناه الملك فؤاد لأنه كان سيغرق مصر. ولم يتمكنوا من تدمير الصناعات المصرية التي أقامها الملك فاروق وبقيت إلى أن قام الملك مبارك فهدمها لأن الإستيراد أرخص من الإنتاج. ولن أستمر في السرد يكفي ما يقوله التاريخ عن أولئك الضباط الدمويين الذين أعدموا أكثر من عشرين ممن كانوا يقاومونهم من داخل السفارات الأجنبية، لإنقاذ العالم العربي من شرهم.
ألرد على السخف بالسخرية جائز موضوعيا. إذ كيف ترد على من يقول لك أن المفخرة الوحيدة في التاريخ العربي المعاصر (ثورة يوليو)، كانت خطأ فادحا لأنها لم تستمع إلى نصائح الجبهة الديموقراطية؟ أعني الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، وليس الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة في إسرئيل.
أمريكا تنهزم في العراق بتحالف مع معظم دول الغرب والشرق أمام المقاومة في العراق، ولو كانت دولة عادية لانهارت، وإٍسرائيل انهزمت في لبنان أمام حركة مقاومة صغيرة في بلد صغير، ولولا دعاماتها الدولية لولت الأدبار. وتحالف العام في الغرب والشرق ليضرب التجربة القومية العربية وهزمها، فلماذا تتخذ هذه الهزيمة الأخيرة المحتمة موضوعيا، بالتآمر الواسع وفوارق القوة بكل أشكالها، طابع الوصمة لوحدها. أم أن فشل التاريخ العربي المفتوح ككومة من النفايات على كل الطفيليات والإنتهازيات المحلية والعالمية يجب أن تحمل وزره حادثة الشرف الوحيدة في حياتنا؟ لقد كان "انتصار 73" المهزوم هو استكمال أمريكي لهزيمة 67. لماذا لا تقولون أن نتائج هذا الأنتصار على أرض الواقع، وقياسا على ما نرى، كانت أسوأ بما لا يقاس من نتائج هزيمة 67؟ أم أن عدوكم الأيديولوجي هو القومية العربية وحدها؟
لقد هزمت الشيوعية فهل كان ماركس ولينين هما المسؤولان عن الهزيمة، أم خطأ النظرية، أم فساد الحزب، أم اختلال توازن القوى مع الإمريالية؟ وإذا كنتم تعرفون الإجابة فهل قدمتم نصائحكم إلى الإتحاد السوفياتي؟
لو كان قصدكم نزيها، لتناولتم هزيمة حزيران من منطلق النقد الذاتي للتجربة عربيا، وليس من منطلق الشماتة الإيديولوجية، والإيحاء أن القومية العربية هي مصطلح منتهي الصلاحية وعاقبته المحتمة هي الفشل؟ هل لديكم اقتراحات محددة لورطة الذات العربية سوى الديموقراطية الليبرالية، أي السوق المفتوحة للتعددية بكل أشكالها، قبل وضع أي أساس فكري نهضوي، والتي ستجعل العالم العربي كما ترون مرقعة سيادية لكل أتباع أمريكا المذهبيين والعرقيين والطائفيين والطفيليين؟ هل يتجاوز الحلم الإستراتيجي الغربي في الشرق الأوسط إزالة مخاطر مشروع نهضوي عربي محتمل القيام؟ وإذا كنا شعوبا وأنظمة تحت عدسة الرقابة الدائمة للغرب وإسرائيل، والتي أفشلت التجربة القومية، فكيف سنقيم مشروعا نهضويا مستقلا لا يلائم مصالح الليبرالية والديموقراطية الأمريكية والغربية والإسرائيلية، في هذا الظرف الموضوعي القاهر؟ هل هناك سوى التحريض القومي، والقبول سلفا بمشروع قومي علماني استبدادي انقلابي لا بديل عنه يهيء الساحة بالقوة للمشروع النهضوي العلماني، ويواجه امريكا والغرب بالمقاومة الشعبية. هكذا تبنى الديموقراطية على ساحة الدفاع عن الذات والوطن. هكذا تصبح مطلبا شعبيا تلقائيا يطيح لاحقا بإي نظام استبدادي مجاني.
إذن، إذا كنتم وطنيين فعلا، فحاولوا تفسير هزيمتكم الوطنية بإخلاص النقد الذاتي، وليس بتحميلها لهزيمة أشرف تجربة عرفها التاريخ المعاصر عموما. وأعتقد بكل الثقة أن ما يمكن توجيهه من لوم إلى ثورة يوليو هو كونها لم تكن تتمتع بالقدر الكافي من العنف الثوري والإستبداد الدستوري وتهيئة الشعب لحمل السلاح. ألوضع الفلسطيني يفسر بكم وبأوسلو وكافة الفصائل التي لم تنسحب من "متف" أو لم تحاربها حتى على كل شبر تنازلت عنه من الوطن، كما تحارب الصهيونية سواء بسواء. أم أن سرقة الوطن أسوأ من التنازل عنه؟ ستقولون: الظروف الموضوعية! حسنا ألظروف الموضوعية تخص المراحل لأنها متغيرة، لذلك فإنها تخص العمل الميداني في الظرف المرحلي، ولا علاقة لها بالتنازل عن التراب الوطني بوثائق دولية. ألظروف الموضوعية لا تبيح الخيانة، ومن يفاوض تحت مظلة الوطن القابل للتقسيم أو التنازل ليس وطنيا ولا حاجة للوطن به. والأهم هو أنكم تعرفون أكثر مني أنكم مهما تنازلتم فلن تحصلوا على شيء يخص الوطن، فعلام تفاوضون إذن؟ لقد خسرنا الحاضر برمته فلماذا تريدون أن نخسر المستقبل أيضا؟ دعوا الشعب الفلسطيني يقرر مباشرة ما يريد. إذا كنتم وطنيين أعيدوا وصايتكم الوطنية القسرية إلى الشعب الفلسطيني وقولوا له: فشلنا ! لقد حان له أن يمسك بخيوط مصيره لا أن يتبع ظلالكم، على طريق أتعس وأغبى تجربة وطنية مر بها شعب من الشعوب. ألمرحلة هي مرحلة القرار الشعبي المباشر، وليس مرحلة التحايل لتجديد "الشرعية الحزبية". الآن كل ما هو فلسطيني تمثيليا هو فاسد. بل أكثر من ذلك. لا يمكن أن تشرف على انتخابات المصير الوطني أحزاب وفصائل مهزومة وفاشلة وقياداتها مشبوهة. أعيدوا ما تبقى من القضية إلى صاحبها، ليشرف هو بآليات شعبية خالصة على الإنتخابات وتواروا عن الأنظار ما استطعتم. حان للشعب الفلسطيني أن يقلد حتى تجربة أعداءه التي حققت معجزة غير مسبوقة، لا أن يوالي عبركم وسائله في الإجهاز على القضية الوطنية. حان له أن يلد نخبه الملتزمة حقا على ساحة وجوده تحت مظلة الحتم الوطني الموحد، وليس تحت مظلة الفصائل التي تنقسم على خلفية إيديولوجيات غريبة،ومعاداة الفكر القومي، ومحاصصات مشاريع، لاعلاقة لها بالنكبة التي تعيش في كل بيت فلسطيني عدا بيوتهم. وبدلا من الإعتراف بانتهاء دورهم، يحاولون إغلاق دائرة الفشل كله على هزيمة حزيران القومية، ليظلوا خارج دائرة اللوم عن فشلهم الوطني المتميز.