مداركي في السياسة الميدانية محدودة جدا. فالكتابة في السياسة إما أن تكون كقراءة الفنجان، وإما أن تكون ثمرة اطلاع مباشر من مصادر عليمة وموثوقة. لذلك فإن السياسة التفصيلية هي مهنة صحفية بالدرجة الأولى. ولكن بين دهاليز النوايا السياسية وبين مصادر المعلومات علاقة معقدة جدا، لا يلعب فيها الوضوح أو الإستقامة أي دور مباشر.
مداركي في السياسة الميدانية محدودة جدا. فالكتابة في السياسة إما أن تكون كقراءة الفنجان، وإما أن تكون ثمرة اطلاع مباشر من مصادر عليمة وموثوقة. لذلك فإن السياسة التفصيلية هي مهنة صحفية بالدرجة الأولى. ولكن بين دهاليز النوايا السياسية وبين مصادر المعلومات علاقة معقدة جدا، لا يلعب فيها الوضوح أو الإستقامة أي دور مباشر. وعليه، فإني أعتبر أن السياسة تهتم فقط بما لا يجب معرفته. ولكن للسياسة عدو لدود هو التاريخ. كل ما تحاول السياسة أن تخفيه، تشي به التجربة التاريخية، أي علم موضوعية الحركة. هذا العلم يقول أنه لا يوجد تسويات في علاقات الصراع البشري. هناك، وخاصة في القضايا المصيرية، سياق من المواجهة يشتد مرة ويهدأ مرة أخرى ويعود ليشتد ويهدأ حسب الظروف الموضوعية وقانون التوازن المتغير، إلى أن يصل الحل النهائي أي أختفاء أحد طرفي الصراع من المعادلة نهائيا. لذلك يمكن اعتبار أية تسوية بأنها هزيمة مرحلية لأحد الطرفين يدفع المهزوم كامل تبعاتها بالعدل الطبيعي للتوازن المختل مع المنتصر، إلى حين يعود إلى ساحة الصراع مرة أخرى أو يتلاشى تدريجيا من الساحة. والطبيعي أن يعمل المنتصر في فترة التسوية على اختلال ظروف التوازن ويكمل على ساحة التسوية ما بدأ به ليصل حله النهائي المتلخص في الإلغاء. واختفاء أحد الطرفين يمكن أن يكون كليا أو جزئيا. كليا حينما لا يكون هناك مساحة للتواجد خارج حدود مصلحة المنتصر المادية والمعنوية، وجزئيا حينما تتوفر تلك المساحة للتواجد خارج خارطة المصالح التي دار حولها الصراع. لهذا السبب اختفى الهنود الحمر نهائيا من أمريكا الشمالية، وعلى هذا الأساس أيضا رسمت خرائط المصالح وخرائط الحدود بين الدول.
بين الفلسطينيين وإسرائيل لا توجد مساحة محايدة خارج حدود الصراع. ولعل هذا الصراع بين الطرفين هو حادثة تاريخية مفردة وصل بها الصراع حدود التناقض والنفي المتبادل القصوى. لذلك فإن الحل النهائي لا يمكن أن يكون من الجانبين سوى النفي الكامل لأحد الطرفين. إسرائيل لا يمكن أن تضمن مستقبل وجودها مع وجود فلسطيني وطني متربص، والفلسطينيون لا يتوقع أن يقبلوا بضياع وطنهم وهويتهم الترابية إلا رغما عنهم. إما أن يعترف الإستيطان الصهيوني بالحق الوطني الكامل للفلسطينيين على وطنهم،، وإما أن يتنازل الفلسطينيون عن هويتهم الوطنية، وليس من خيار ثالث بين الطرفين.
إن قبول إسرائيل بتسوية وطنية مع الفلسطينيين، هو إيهام مقصود يدخل في إطار مساعي الحل النهائي الذي تعده إسرائيل وحلفاؤها الغربيون والعرب للقضية الفلسطينية. ويمكن تصور المشهد على هيئة نهر ضحل يخفي تحت مياهه السطحية نهرا من الوحل. ومن المفروض أن وضعا كهذا سيؤدي حتما إلى غرق من ينخدع بمظهره ويحاول السباحة فيه. وإذا دخل الشعب الفلسطيني وحل التسوية فلعله لن يخرج منه أبدا كما يأمل معسكر الخلاص من " المعضلة " الفلسطينية إلى الأبد. أما الذين يتصورون أو يدعون أن إسرائيل يمكن أن تقبل بأية تسوية مع الفلسطينيين على أساس وطني مثل " دولة فلسطينية" إلى جانب إسرائيل، أو دولة يهودية يعيش فيها فلسطينيون بالهوية فهم شعراء استراتيجيون على أقل تقدير، مع انني أميل إلى الإعتقاد أنهم مجرد يطرحون "برامج انتخابية " فصائلية أو حزبية أو رؤيوية على هامش انعقاد المؤتمر الوطني الفلسطيني الذي يعد له أوسلو، بمبادرة يتلبس بها ظاهريا نايف حواتمة.
إسرائيليا، ألحد الأدنى للتسوية دولة يهودية على كامل أرض فلسطين التاريخية تعيش على أطرافها شراذم استيطانية فلسطينية بدون أي شكل من أشكال السيادة، في طريقها للعودة التدريجية من رحلة التسلل إلى أوطانها الأصلية. والمقابل علاقات اعتراف وسلام وتطبيع كامل مع العرب. أما دولة بجانب دولة، ودولة بدولتين وما شابه فهو كلام لا لزوم له من وجهة نظرهم.
ويمثل هذا الموقف الإسرائيلي للتسوية، حلا نهائيا لمشكلتهم مع الفلسطينيين، ولكنه لا يمثل حدا لطموحات المشروع المشترك لأمريكا والغرب مع الصهيونية في المنطقة العربية. أي أن الحل النهائي ليس إقامة وطن قومي لليهود على كامل فلسطين، وإنما هو الهدف الإستراتيجي الإمبريالي، من وراء إقامة مثل هذا الوطن.
تحاول الصهيونية العلمانية ان تصور مشروع إقامة هذا الوطن على خلفية اضطهاد يهود العالم، الذي أدى في النهاية إلى انعتاق الحق التاريخي القديم لليهود على فلسطين في نفوس يهود الشتات، واعتبار عودة اليهود إلى وطنهم حقا طبيعيا من ناحية، وإقامة دولتهم القومية هناك خلاصا من تحكم الأخرين من ناحية أخرى. وأن هذه الدولة لكي تعيش يجب أن تكون قوية إلى درجة التحكم، وذات جغرافيا سيادية غامضة الحدود يسمونها إسرائيل الكبرى. هذا الغموض هو في الحقيقة هو الفاصل الوهمي الوحيد بين ما تقوله إسرائيل الصهيونية الديموقراطية وما تقوله الصهيونية الدينية التي تتحدث عن وعد إلهي، وعن مملكة إسرائيل الأبدية من النيل إلى الفرات، وتنظيفها من الأغيار وبناء الهيكل. هذا الغموض سوف يتلاشى تماما بعد تسوية المشكلة الفلسطينية، وتثبيت الطابع الوطني اليهودي على فلسطين، ليتبين أن استراتيجية المشروع المشترك من حيث الهدف العملي النهائي تتطابق مع ما تطالب به الصهيونية المتدينة. دولة يهودية قوية إلى حدود الهيمنة التامة إقليميا، بحدود تتناسب مع دولة إقليمية سيادية، وذات خصوصية روحية ومعنوية وثقافية عالمية، قادرة على طمس كل الثقافات القومية من حولها وإكمال التهويد السياسي الذي بدأه الإسلام، وإلغاء ذاكرة المشروع القومي العري الذي ظل يقض مضاجع الغرب على مدى قرون طويلة. وكخلاصة مختصرة إقامة مشروع شرق أوسطي إسرائيلي، تكون فيه إسرائيل الكبرى قادرة على قمع أي حراك مناهض للغرب، على أي أساس محتمل.
إذن فإن طرف التسوية الآخر ليس إسرائيل. إنه أمريكا والغرب والصهيونية. مع طرف كهذا، يمثل الحكومة العالمية في عصرنا لا يمكن منطقيا إقامة تسويات من أي نوع. يمكن الخضوع فقط لدستور العلاقة التي تحددها مصالحه. ما يمكن نظريا فعله، هو تسوية علاقة العرب بالتاريخ أولا، وإجراء التعديلات القسرية على الخارطة السيادية والسياسية الداخلية، والإنطلاق في مشروع قومي مقاوم، يقنع أمريكا والغرب والصهيونية أن استثمارها الصهيوني في المنطقة العربية قد فشل، وأن عليهم أن يجربوا استراتيجية أخرى غير استراتيجية الإلغاء الفلسطيني والعربي.
ألوضع الفلسطيني والعربي، سياسيا، على درجة من الدناءة لا تتيح له التواجد إطلاقا على خارطة التوازنات العالمية أو حتى الإقليمية. وأطراف مشروع التسوية، أي قوى العالم الرئيسية، هي بوضوح مع تسوية تكون فقط خطوة إضافية في مشروع الإلغاء الوطني الفلسطيني، والإلغاء العربي القومي، فمن سيفاوض وعلى ماذا؟
لقد أثبتت تجربة أوسلو أن المفاوضات على التسوية كانت إسهاما فلسطينيا ذاتيا في التصفية. فما السر إذا وراء هذا الإندفاع وراء عربة التسوية من جانب البعض؟ من الصعب تحديد الإجابة، ولكن ليس من الصعب تحديد الظاهرة. لقد أصبحت الساحة الفلسطينية في غياب صوت القاعدة الشعبية، وانعدام آليات التدخل والتأثير من جانبها، مشاعا لكل من أراد. وأصبح غياب ثقافة إجماع وطني مدخلا للإجتهادات الذاتية.
رأيت حنظلة في المنام جالسا في أحد المقاهي حافيا ممزق الثياب يدخن النارجيلة. سألته ماهذا يا حنظلة؟ حاف عار يدخن النارجيلة؟ نظر إلي باستخفاف وقال :
- إنني على العهد. أمثل دائما وضع القضية.
- قلت ماذا نصنع يا حنظلة؟
تنفس الصعداء ووضع حبل النارجيلة وقال :
- إسمع! ألخسارة على هذه الحال مؤكدة! يقولون لكم : نريد دولة يهودية بدون فلسطينيين، وتعالوا نتفاوض. قولو لهم نريد دولة فلسطينية مع يهود، وتعالوا نتفاوض. ما قدرتوا تحققوا هدفكم اليوم يمكن يحققو غيركم في المستقبل. أما على هالحال كلكم أبو مازن! يعني كلكم عربنجية عند إسرائيل. قوم ألله لا يقيمك ودرتلي النفس!