Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
محنة اليسار العراقي مع الاحتلال
 
يعود اليكم الموقع في حلته الجديدة راجين أن ينال رضاكم علماُ بأن أعمال التطوير قد تستمر لأيام قادمة ويسعدنا تلقي تعليقاتكم وأقتراحاتكم البنائه
 

الصفحة الرئيسية  |  عن الموقع  |  أسرة التحرير  |  الهيئة الإستشارية  |  إتصل بنا  |  مواقع  |  خريطة الموقع

ترسل المواضيع الى البريد الإلكتروني: editor@arabrenewal.com












 

 

 »  الصفحة الرئيسية  »  قضايا ومناقشات  »  محنة اليسار العراقي مع الاحتلال
محنة اليسار العراقي مع الاحتلال
 محمد عارف | نشر  05/14/2008 | قضايا ومناقشات
محمد عارف

حاصل على شهادة الماجستير في الآداب قسم "صحافة".

ماجستير في العلوم(اقتصاديات العلوم والتكنولوجيا).

ترأس تحرير العديد من المجلات العلمية والتكنولوجية في لندن.

رئيس قسم العلوم والتكنولوجيا في صحيفة"الحياة" من (1988-2000).

من عام 2000 وحتى الآن يعمل مستشاراً للمؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا.

 

عرض جميع مقالات محمد عارف
محنة اليسار العراقي مع الاحتلال

تشبه محنة المثقفين العراقيين اليساريين مع الاحتلال، الحكاية الشعبية عن "الحمامة المطوّقة وأخواتها حين وقعن في شبكة الصياد". تروي الحكاية كيف صفّقت كل حمامة بجناحيها محاولة تخليص نفسها من الشبكة التي كانت تزداد تشربكاًً حول ريشها ومخالبها. وأخيراً زعقت "الحمامة المطوّقة": "يا أخواتي يا أخواتي هدوء!.. لا يمكن التخلص من الشبكة إلاّ إذا طرنا سوية مرة واحدة. حينذاك نستطيع ربما أن نرفع أنفسنا والشبكة من الأرض ونحلق بعيداً عن الصياد". قالت الحمامات: "كوكو كوكو... أنتِ على حقٍ يا أختنا... كوكو كوكو..."! والحكاية طويلة كقصة المثقفين العراقيين اليساريين الذين أصدروا "نداءً من أجل بناء الدولة الديمقراطية المدنية في العراق". حمل النداء الذي خلا من ذكر الاحتلال، تواقيع حميد مجيد موسى، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، ونصير الجادرجي، رئيس "الحزب الوطني الديمقراطي"، وعبد الإله النصراوي، الأمين العام لما تُسمى "الحركة الاشتراكية العربية". وطالب النداء بإقامة "عراق ديمقراطي اتحادي (فيدرالي) موحد، عراق آمن ومستقر كامل السيادة". وهذا أقصى تصريح بواقع الاحتلال في النداء، وقد وقعه سياسيون آخرون إلى جانب موسى والجادرجي، اللذين اختارهما حاكم الاحتلال بول بريمر لعضوية "مجلس الحكم"، بينهم مفيد الجزائري، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي، وأول وزير للثقافة في حكومة الاحتلال، ولبيد عبّاوي، وهو قيادي شيوعي يشغل منذ الاحتلال منصب وكيل وزارة الخارجية، وصفية السهيل، النائبة في البرلمان، عن قائمة أياد علاوي، وجلال الماشطة، المستشار الثقافي لرئيس الجمهورية جلال الطالباني.

ويعبر النداء الذي بلغ عدد الموقعين عليه نحو 700 شخص عن موقف القبول بالأمر الواقع. فهو يدعو إلى إصلاح ما تُسمى "العملية السياسية"... "وإجراء التعديلات على الدستور بما يضفي عليه الطابع المدني والديمقراطي، وتكريس سياسة المصالحة الوطنية، وبناء دولة القانون والمؤسسات، الدولة المدنية الحديثة التي تقوم على نبذ العنف والتعصب والمحاصصة الطائفية، وحل الميليشيات، وعلى أساس حقوق المواطنة والعدالة الاجتماعية، واحترام حقوق الإنسان، ويضمن للمرأة حقها في المساواة والتحرر الحقيقيين".

وقد صدر النداء كما يدّعي بعض معارضيه نتيجة قرار مستعجل بتجميع قوى اليسار لمواجهة الانتخابات المحلية. وفي مواقف كهذه يقلب الشاعر الشيلي الشيوعي بابلو نيرودا الحكمة المعروفة فتصبح: "أن لا تفعل ذلك أبداً، خير من أن تفعله أخيراً"! فالنداء الذي يقع في نحو مائة كلمة تجنبَ الحديثَ عن وسائل تحقيق المطالب، وهذا أهم ما يُنتظر من مثقفين مرموقين وقعوا عليه، وبينهم عباس النصراوي، أستاذ الاقتصاد في "جامعة فيرمونت" بالولايات المتحدة، ومؤلف ستة كتب عن العراق والنفط، ومهدي مرتضى، أستاذ الطب سابقاً في جامعة بغداد، وزوجته باسمة الظاهر التي شغلت سنوات عدة منصب مدير عام "المصرف الصناعي"، ونجيب محيي الدين، رئيس "نقابة المعلمين" الأسبق، وجعفر عبد الغني، خبير منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية "يونيدو"، وموسى علي، عميد كلية الإدارة والاقتصاد، وضياء نافع، عميد كلية اللغات في جامعة بغداد.

وتبلغ نسبة الأطباء والتدريسيين مع الفنانين والأدباء نحو نصف الموقعين على النداء، وبينهم أسماء معروفة على الصعيد العربي كالشاعر مظفر النواب، والنحات محمد غني حكمت، والرسامة عفيفة لعيبي، والممثل والمؤلف يوسف العاني، والمسرحي سامي عبدالحميد. ويضفي توقيع هؤلاء الفنانين والأدباء درامية على الفاجعة التي "قسمت ثمرة حياتي قسمين توأمين"، حسب الشاعر الشيوعي الفرنسي أراغون: "كما يتشابه الصمت والصوت لدى الأصم، فخذ الحكمة أو اختر الجنون".

الحكمة والجنون... أيهما حمل الحزبين "الوطني الديمقراطي" و"الشيوعي" إلى الحكم على متن دبابات الاحتلال الأميركي، وهما اللذان ينددان بمجيء "حزب البعث" إلى الحكم عام 1963 بقطار أميركي؟ الحكمة أم الجنون هو سبب رفض الحزبين المحاصصة الطائفية، وقد اختار حاكم الاحتلال بريمر ممثليهما في "مجلس الحكم" على أساس طائفي؟ وماذا عن المطالبة بالمصالحة الوطنية وبناء دولة القانون، بعد الموافقة على قوانين حل القوات المسلحة، وتفكيك أجهزة الدولة؟

"أيّ زمانٍ هذا"؟!.. يتساءل "آرا خاجادور"، الرئيس الأسبق لاتحاد العمال، وهو يحاول في رسالة منشورة في الإنترنت تفسير لماذا "في تاريخ الشيوعية عرف الشيوعيون مصطلح خيانة الحزب، أو خيانة الطبقة، لكنهم في كل الأحوال لم يعتادوا على استخدام مصطلح الخيانة الوطنية"؟.. و"خاجادور" البالغ ثمانين عاماً من أبرز الزعماء الشيوعيين المخضرمين المناهضين للاحتلال، هو ورفيقه "باقر إبراهيم"، وكلاهما عضو سابق في المكتب السياسي الذي يُعتبر أعلى سلطة في الحزب الشيوعي.

وتحطم القلب رسالة مؤرخة الحزب الشيوعي الدكتورة سعاد خيري عن قطع الحزب اتصالاته معها، بعد ستين سنة من عملها في صفوفه. وتذكرُ في رسالة منشورة على الإنترنت بعنوان "أصعب سنوات حياتي"، أن الحزب الذي انتمت إليه وهي في عمر السابعة عشرة في مدينة العمارة، نبذها بسبب انتقادها انخراط قيادته في حكومة الاحتلال. وتعبر رسالتها عن رومانسية مثقفي اليسار الوطنيين في القرن الماضي. فهي تفسر لماذا لا تكتب مذكراتها وهي على تخوم الثمانين: "لأنني ما زلت تحت الاختبار. والشيوعي يبقى تحت الاختبار حتى آخر يوم في حياته. ولا أريد لأحد يقدرني اليوم أن يندم على ذلك فيما بعد"!

وسعاد خيري أرملة زكي خيري، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي، وأكثر زعمائه ثقافة وظُرفاً. وقد اشتهر وصفه لسياسة قيادة حزبه في العقود الأخيرة من القرن الماضي بأنها تبدو مثل "صورة أعدها رسام كاريكاتيري ماكر". وأهم ما كان يميز خيري عن زعماء الحزب الآخرين إدراكه لطبيعة الجيش العراقي. ذكر ذلك "حنا بطاطو"، أستاذ التاريخ في "جامعة جورج تاون" بواشنطن، في كتابه "الطبقات الاجتماعية القديمة والحركة الثورية في العراق". كان خيري ينتقد في التسعينيات حمل مقاتلي الحزب في شمال العراق السلاح ضد الجيش، مشيراً إلى أن موقف الجيش لم يكن "لمجرد الدفاع عن النظام الراهن ورأسه، بل خوفاً من تمزق الوطن أيضاً... وحتى بين ضباط الجيش وقادته توجد أكثرية تدين بالولاء للوطن وتخشى تمزق الدولة العراقية إلى دويلات طائفية وأن يتمزق الوطن ويضيع الاستقلال والسيادة الوطنية ويتمزق الجيش موئل حياتها".

ولا أدري إن كنتُ اخترتُ الحكمة أم الجنون لأكتب هذه المقالة، وبين الموقعين على النداء أصدقاء قدماء. ولماذا أعتقد كل صباح بأن الجنون في الكتابة عن العراق، وأؤمن كل مساء بأن الحكمة في الكتابة عن العراق؟.. وكيف أجهل ما إذا كان الجنون أول علامات الحكمة أم العكس؟.. قد تجيب عن ذلك، كما عن أسئلة هذه المقالة النكتة عن صحفي كان يسجل أحاديث مع الضحايا في موقع تفجير مقر "الأمم المتحدة" ببغداد. واحتضن الصحفي جريحاً صينياً مستلقياً على حمالة الإسعاف، وسجل كلامه، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: "شن شان شو شي شا..". وظهر عند الترجمة أن الصيني كان يقول له: "ارفع رجلك يا حمار عن أنبوب الأوكسجين خنقتني"!


اضف تعليق
تعليقات


خيارات المقال