ما أقل الكتب التي تنشر باللغة العربية، مقارنة بما ينشر بغيرها من لغات العالم الحية الأخرى، وأقل من ذلك أن تجد كتابا مما ينشر يستحق القراءة، فوراء ثراء كتاب إسلاميين من رواج الكتاب الإسلامي، إفقار مذهل لعقول جيل بأكمله، حيث تتم إعادة إنتاج التخلف واغتيال العقل، بشكل متعمد، وليت هؤلاء الكتاب إذ لم يضيفوا إلى الحقل العلمي فكرا يسهم في بلورة معالم المشروع الإسلامي الحضاري المنشود، أو يعين على مراجعته ونقده، لم يتحولوا إلى عقبة في طريقه من حيث لا يشعرون.
إلا أن رسالتي الباحث الموريتاني الدكتور مختار ولد الغوث الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز - في بناء الفكر" و"العقل أولا"- كانت محاولة جادة من باحث مغربي يستبطن فلسفة "ابن رشد"، وجراءة "ابن حزم"، ومنهج "الشاطبي"، في ثورة "ابن باديس"، وتجديد "ابن عاشور"، ورؤية "ابن نبي"، ليعطي للمشروع الإسلامي قيمة مضافة، ترفع من أسهم المغاربة في ميدان الكتابة العلمية الرصينة.
حاول الباحث الدكتور مختار ولد الغوث في هاتين الرسالتين أن يرصد بدقة مؤشرات القصور في المشروع الإسلامي المعاصر، من داخل الصف، وهو واحد من أبناء هذا المشروع الذين يرون النقد الذاتي عملا فكريا بناء، يستشرف المستقبل على ضوء القدرات المتاحة، والفرص الممكنة، غيرة على هذه المشروع، وليس تعرية له أمام أعدائه، حتى لا تتراكم الأخطاء فتتعقد، ويتحول المشروع الإسلامي من هدفه الأسمى في إصلاح الفكر، وتجديد الدين، إلى مشكلة تزيد مشاكل الأمة الإسلامية تعقيدا، وبدل أن يكون جزءا من الحل يصبح جزءا من المشكلة
لذا كانت الباحث مستفزا للعقل، ثائرا على الواقع، بحيث لا يترك للقارئ فرصة للحياد، فهو إما أن يصطدم معه من أول سطر، أو يوافقه إلى آخر كلمة.
ينطلق الباحث من مجموعة من الأفكار المحورية، التي تمثل النسق المعرفي الذي ينتمي إليه، وهو يرمي إلى استكشاف جوانب القصور في المشروع الإسلامي، معتبرا أن أزمة الحركة الإسلامية أزمة فكرية في المقام الأول، وان من أبرز مظاهر هذه الأزمة، بروز كثير من مظاهر الخلل والقصور في المشروع الإسلامي المعاصر، كالتركيز على "التربية الإيمانية في مقابل التفريط في التربية الفكرية، وتقديس كل فهم في الدين قديم، حتى صار حجة على الناس، وإن كان متأثرا بمزاج صاحبه وخصوصيته الزمانية والمكانية والنفسية".
ويذكر أن بعض "الرموز" تحولت لدى الإسلاميين إلى أوثان من دون الله، وبدلا من أن تكون مجسدة للمثل الأعلى، أصبحت هي المثل الأعلى والمقياس لكل شيء، يوزن بها الحق ولا توزن به".
وهو بهذه الفكرة يضع يده على مرض المسلمين العضال، أو ما يسميه ابن نبي بتشخيص الفكرة، وليس الحركة الإسلامية وحدها، التي يريد منها الباحث أن تكون استثناء، من حالة التخلف التي صارت هي القاعدة، لأن النور إذا تحول إلى ظلام لم يكن هناك أمل للخلاص، "إذا كان النور الذي فيك ظلام، فالظلام كم يكون".
ويعيد الباحث هذا الخلل إلى ما يسميه "الفكر السلبي" الذي نشأ من انعدام المنهج العلمي من جهة، والخلط بين المنهج العلمي وبين نتائجه من جهة أخرى.
وفي موضع آخر من رسالته "في بناء الفكر" يرصد الباحث خللا فكريا وسياسيا أصاب الحركة الإسلامية في المقاتل، وهو تجاهل القدرات الشخصية والاستعدادات النفسية للشخص، فيقول: "فشغل الذي خلق للقيادة بالأوراد والنوافل عن المجال الذي خلق له، قتل لموهبته، والاشتغال بإعداد ذوي العقول البسيطة بفنون القيادة مضيعة للوقت".
وهو مصيب في هذا التشخيص الذي أرى - شخصيا- أنه أمر عام عند العرب، والذي يحتك بكثير من القادة السياسيين العرب عن قرب، وليس قادة الحركة الإسلامية وحدهم، يدرك أن ما وقعت فيه الأمة المسلمة من مشاكل وأزمات، إنما كان بسبب هذا الخلل الذي ذكره الباحث، والذي هو من أكبر المعوقات التي تحول بين هذه الأمة وبين النهضة الحضارية المنشودة.
ثم يباغتك الباحث بجرعة فكرية أكثر استفزازا للعقل الذي تعود الاستظهار، وتقديس المقولات الشائعة، فيقول بأن "تفسير تخلف المسلمين بضعف الإيمان والبعد عن الله موقف عاطفي سطحي، يمس عرضا من أعراض المرض، دون المرض نفسه، فضعف الإيمان والبعد عن الله لا بد لهما من علة؛ لأن الشيء لا يكون علة نفسه" ويستدل على هذا الطرح بأن البلاد الإسلامية قبل الاستعمار كانت تعج بعباد الله الصالحين الزاهدين العابدين، ولم يحقق لها ذلك نهضة حضارية تذكر.
وأنا أوافق الباحث في أن ربط التقدم العلمي والتقني والإداري بالالتزام الروحي، خطأ كبير، إلا أنني أرى أن استثمار الطاقة الروحية في شقها الحضاري التي تتضمنها تعاليم الإسلام في تسريع وتيرة التنمية أمر ممكن.
وقبل أن يفيق القارئ من هذه الصدمة يباغته الباحث، بأن ضعف الإيمان والبعد عن الله هو أثر من آثار الخلل الفكري، ثم يفاجئه بأن التربية الحركية أنتجت خريجين صالحين في أنفسهم لأنفسهم، ولكنهم غير صالحين للبناء الحضاري المرتقب، ويضرب لذلك مثالا وهو أن هناك ضعفا في أداء أبناء الحركة الإسلامية في ما يوكل إليهم من أعمال، وحتى إخلال بالوظائف المهنية المكلفين بها، مع اجتهادهم الشديد في أداء الشعائر التعبدية.
وهذا ما جعل الباحث يخلص إلى نتيجة خطيرة وهي أن الحركة الإسلامية، لا تمتلك الكوادر البشرية المتميزة المنتجة الفاعلة، ولا القواعد الإيجابية الواعية.
وأرى أن الباحث في هذا الحكم كان قاسيا على الحركة الإسلامية، التي هي جزء من المجتمع الذي تنتمي إليه، تضعف بضعفه، وتقوى بقوته، وتستمد منه الكوادر والقواعد معا، وليس لها أي تميز عنه، إلا في كونها نذرت نفسها للقيام نيابة عنه بمهمة ربما تكون أكبر من قدراتها.
وهذا الخلل هو جزء من الخلل العام الذي ألمح إليه الكاتب في نهاية رسالته وهو: "أن مكانة الذين عنوا بالنحو والصرف وعلم الكلام والتاريخ، أجل في نفوس الأمة أضعافا مضاعفة من علماء الطبيعة الكبار، وأننا نعرف كثيرا من النحاة الذين لم يكن لهم من الفضل في الحضارة الإسلامية سوى نظم بعض قواعد اللغة، أو تأليف كتاب مكرر المضمون قليل الفائدة، ولا نعرف إلا قليلا من علماء الفلك والرياضيات والكيمياء والفيزياء الكبار، الذين كانت لهم أياد جليلة في تغيير مسار التاريخ".
وفي هذا السياق يأخذ الكاتب على أبناء الحركة الإسلامية: "كوفهم على ترداد ما كتب روادها الأوائل دون تجاوزه، وإن خرجت عن هؤلاء لم تخرج إلا إلى من يعيد أفكارهم، حتى تلك التي كتبت منذ خمسين عاما في أحوال زالت، أي أنها أعجزتها عقليتها الحزبية من الإفادة من الكفاءات الموفورة في العالم الإسلامي خارج جماعتها وحرمتها من الموارد الثقافية المتعددة" وهذا سبب للحركة الإسلامية في رأيه أنها صارت تردد أفكارا وشعارات تجاوزها الزمن، ومن مظاهر ذلك الإحالة الغامضة على شرع الله، معتبرا ذلك مظهرا لعدم الأهلية للقيادة وضعف التفكير وتنكب الأساليب العلمية في الدراسة والتحليل
ومما لا شك فيه أن الانفتاح على الفكر الإنساني، والتراث العالمي، فضلا عما تزخر به المكتبة الإسلامية من كتب مفكرين مستقلين، هو الطريق الوحيد لما يسمى "الاستيعاب ثم التجاوز" ولا يمكن لمثقف أن يكون مفكرا، ولا للمفكر أن يكون مصلحا، ما لم يستوعب هذا التراث الإنساني حتى يستطيع تجاوزه إلى ما هو أحسن منه، وهذا ما أراد الباحث أن ينبه عليه.
ومن صميم بناء الفكر قول الباحث بأن عدم التطور يؤدي إلى الترهل والضعف، فالتربية والاستقطاب لا بد أن يشفع بمرحلة أخرى، وإلا استنفدت الفكرة غرضها، مما يؤدي إلى التخلي عنها.
وكذلك قوله بأن "التفكير السببي" هو مفتاح الخروج من التخلف، وهو ما يتقاطع مع دعوة الدكتور فؤاد زكرياء في كتابه: "التفكير العلمي".
عندما أعطاني الباحث مختار ولد الغوث رسالتيه: "في بناء الفكر" و"العقل أولا" وجدتهما خفيفتين جدا، ولما فرغت من قراءتهما شعرت أن لهما أثرا فكريا ونفسيا أكبر، وأن العبرة بحجم الكتاب في ميزان العقل، لا بما تراه العين أو تلمسه اليد من حجم الورق.