في أحد المطبوعات العربية، هزني مقالين خلتهما للوهلة الأولى قصص من العصور الحجرية، أما أنها تحدث في عالمنا هذا الذي تطور فيه كل شيء وعلى رأس التطور ما وصل له العقل البشري الذي أصبح يعمل كل لحظة يعمل ونحن يقظين، ويعمل ونحن نائمين كل ذلك من أجل إبراز المدنية والحضارة وما آل له الإنسان بهذا العقل أن يصل مداركه إلى نتاج فكري يغير به الدروب من أجل سلامة الآخرين وليس الإساءة للآخرين.
في المقال الأول: موضوع فتاة عشرينية في إحدى دول المغرب العربي تدخل أحد المستشفيات لتتعالج من مرض نفسي أصيبت به وتمكث لبعض من الوقت وعند زيارة أهلها لها بعد أن أثبت الأطباء شفاءها، اقترح أحد إخوانها أن تمضي أيام عيد الأضحى مع العائلة بوعد منه أن يعيدها بعد إجازة العيد لاستكمال علاجها.
وبعد أن أمضت الفتاة العيد مع عائلتها أعيدت للمستشفى لاستكمال العلاج، وعند زيارة الأهل لها في المستشفى لم يجدوها، وإنما أخبروا بأنها في قسم العيون، فلم يساور الأهل الشك إذ توقعوا أنها أصيبت بحساسية أو ألم مما استدعى نقلها إلى وحدة علاج العيون، ولما رأوها جن جنونهم فقد سيقت هذه الفتاة التي لا ذنب لها إلى هذه الوحدة من أجل سرقة كلتي عينيها، وأخبروا الأهل بأنها تشاجرت مع مريضة وفقدت عيناها على أثرها.
والحقيقة ما زالت ضائعة داخل مستشفى وإدارة كان حري بها مراعاة أبسط الأمور الإنسانية المتمثلة في كرامة المرء وسلامته، بدلاً من أن يكون نصيب هذه الفتاة الشفاء والسعادة أصبحت ضحية نصب أدى إلى شقائها وعودة داء الاكتئاب الذي أدخلت للعلاج منه، إذ تفاقم ذلك في ظل اغتيال إنسانيتها والتي تكون نتيجة أن يصبح الإنسان ضحية إنسان آخر مجرد من الإنسانية.
وانتقالاً إلى المقال الآخر: هو لمسنة نمساوية عاشت قرابة العام مع جثة شريك حياتها، ولم يعرف أحد بالأمر، حيث قامت هذه السيدة بلف جثة زوجها والاحتفاظ بها في بطانية، ليس حباً فيه، ولا وفاء لذكراه أو كغيرها من قصص الحب والوفاء والخوف من الوحدة وصعوبة فراق الشريك، وإنما جاء تعمدها إخفاء الحقيقة لتواصل "قبض راتبه التقاعدي" فيا لها من قسوة وحب للذات وحب للماديات فأي إنسانية هذه، هل أصبح الإنسان متجرد من الأحاسيس الطبيعية، هل هكذا تحترم كرامته، وهل باغتيال الإنسانية نفخر ونهلل لهذا العقل البشري الذي من خلاله اختلط الخير بالشر وكان باستغلاله الإستغلالً السيء نقمه لصاحبه، فقد وهبنا الله هذه النعمة للوصول إلى أقصى ما يمكن الوصول له من علوم وخطط ومجالات لصالح البشرية.
ولكن ان كان استخدامنا لهذا العقل يعني لنا الدمار والضلوع في اغتيال الإنسانية فيا مرحباً بالجنون فإنه مثل هذه الحالات رحمه.