
بدعوة كريمة من الصديق العزيز الدكتور حسن نافعة، الأمين العام لمنتدى الفكر العربي تشرفت بالمشاركة في ورشة عمل فكرية عقدت في العاصمة الأردنية، عمان تحت عنوان "مستقبل العمل الوحدوي العربي" في ذكرى مرور نصف قرن على قيام الوحدة بين مصر وسوريا، التي أخذت مكانها في 22 فبراير عام 1958م.
بدعوة كريمة من الصديق العزيز الدكتور حسن نافعة، الأمين العام لمنتدى الفكر العربي تشرفت بالمشاركة في ورشة عمل فكرية عقدت في العاصمة الأردنية، عمان تحت عنوان "مستقبل العمل الوحدوي العربي" في ذكرى مرور نصف قرن على قيام الوحدة بين مصر وسوريا، التي أخذت مكانها في 22 فبراير عام 1958م.
تناولت الورشة مناقشة عدة محاور ذات صلة مباشرة بموضوع الوحدة العربية: الوحدة بين الحلم والممارسة، ملامح التطور وإمكانات الحاضر، والتجارب والمحاولات التي تعثرت والدروس المستفادة منها، وأيضا التجارب الناجحة وما قدمته من دروس. وفي هذا السياق تم الانفتاح على التجارب الإقليمية الأخرى التي تأسست وما زالت تتقدم بثبات، وبخاصة النموذج الأوروبي، وكان السؤال قد تركز عن قابلية تطبيق تلك النماذج في الوطن العربي. وبقي السؤال الملح معلقا إلى آخر جلسة: ما العمل؟ ليظل مفتوحا لكافة النخب العربية والمفكرين والمثقفين والمهتمين بشأن مستقبل أمتهم، ليدلوا بمرئياتهم حول سبيل الخروج من النفق والالتحام بعصر أهم سماته أنه عصر التكتلات السياسية والاقتصادية الكبرى.
فيما يتعلق بموضوع التجارب الوحدوية السابقة، بشقيها المتعثر والناجح، ركز فكر الهزيمة، على التجارب التي تعثرت واعتبرها ذريعة للهجوم على كل محاولات توحيد الأمة.. وبلغ جلد الذات حد القول بوجود جينات في عقول العرب، أو بنية ثقافية خاصة، وشبكة علاقات اجتماعية تمنعهم من تبني استراتيجية تضامنية موحدة، تلتزم بالحدود الدنيا مما يمكن أن يتفق عليه، وأن ديدنهم هو التحارب والصراع.
وبالتأكيد فإن الذين يروجون لهذه الفكرة، يهدفون إلى خلق روح اليأس والتشاؤم في النفس. وهم ينتقون من الحوادث ما يتجانس مع أهوائهم ورغباتهم، ويغيبون حقائق وتجارب وحدوية أخرى تقف بالضد من أدبيات الهزيمة. ولحسن الحظ فقد تنبه الإخوة في منتدى الفكر العربي لهذا الأمر، فكانت هناك فسحة للحديث عن التجارب الناجحة. وكان لي فرصة الحديث عن تجربة الوحدة بالجزيرة العربية، في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.
للأسف لا تقدم قراءة هاتين التجربتين كثيرا، عند محاولتنا استشراف مستقبل العمل العربي. فقد تأسست التجربة السعودية قبل قرن من الزمن، في ظروف إقليمية ودولية مختلفة، تم استثمارها وتجييرها لصالح تأسيس الدولة، بقيادة الملك الراحل عبد العزيز آل سعود، وبطريقة تقترب من الباسماركية، في توحيدها لألمانيا، حيث كان الجهاد، هو العمود الفقري في تشييد المملكة. وكانت فكرة الجهاد قد جعلت بوابات الفتح مشرعة على مصاريعها، حتى تم توحيد البلاد. لكن ذلك، لا يجعلنا نغض الطرف عن التخطيط والإرادة التي خلقت تلك التجربة.
بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة فإنها تقترب من نهاية العقد الرابع من عمرها، وخصوصيتها أنها انبثقت بعد قرار حزب العمال البريطاني الانسحاب من شرق السويس في عام 1970، بسبب ظروف اقتصادية حادة مرت بها بريطانيا آنذاك. وكان ذلك يعني أن الطلاق مع الاستعمار البريطاني كان سلميا، ولم يكن هناك تصادم بين مشروع الدولة الفيدرالية الوليدة، والاستراتيجيات الدولية بالمنطقة آنذاك.
نحن هنا إذاً إزاء مشروعين، تأسسا ونجحا في ظل أوضاع دولية معقدة. ارتبط المشروع الأول بالتحضير للقضاء على الأتراك، ورغبة العرب في تحقيق الاستقلال، والتداعيات التي نتجت عن تقاسم تلك التركة بعد الحرب، واستثمرت هذه الأحداث من قبل المؤسس وصانع القرار لتسهم في إعادة توحيد الجزيرة العربية. وجاء ذلك منسجما مع فكرة قيام دولة عصرية مترامية الأطراف، برزت ملامحها لاحقا، وتعززت بعد اكتشاف النفط وإنتاجه بكميات تجارية كبيرة. وفي المشروع الثاني، جرى الانسحاب البريطاني من عموم منطقة الخليج العربي مع بداية السبعينيات، وحصلت دول الخليج على استقلالها السياسي. وجاء توحيد إمارات الساحل المتصالح، تعبيرا عن طموحات شعوبها، ورغبة في ملء الفراغ النتائج عن الانسحاب البريطاني المفاجئ. خلاصة الأمر هنا أن كلا المشروعين لم يتحققا من خلال صدام مع الاستراتيجيات الدولية.
هذا الواقع لسوء الحظ ليس له ما يماثله الآن. إن ظروف المنطقة بأسرها، والتحديات التي تواجهها في هذه المرحلة ربما تكون الأخطر فيما تعرضت له بالعصر الحديث. وهذا يعني أن الإنجاز بمفرده، على ضخامته، ليس كافيا لاستمرار تجربة الوحدة. فالدولة الحديثة بمفهومها المعاصر، لم تكن متحققة قبل قرن، وقد أخذت مكانها، وأسست مواقعها، بفعل التطور التاريخي، وساعد على ذلك وجود القرار وتوفر الإمكانات.
ومن البديهي أن صيانة التجربة تقتضي في أبسط أبجدياتها، أن يصبح كل مواطن، من خلال موقعه حاضنا لها ومدافعا عنها، وأن يتعمق مفهوم المواطنة، وأن يستكمل بناء كافة مؤسسات الدولة على أسس عصرية، تؤدي فيها المؤسسات الدستورية والقضائية والتنفيذية دورها على أكمل وجه، ويمارس فيها كل مواطن دوره وفقا لما ينبغي أن يرتبه العقد الاجتماعي المفترض أن يكون مؤسسا بين القيعان والسفوح.
وإذا ما انتقلنا من الخاص، من تجربتنا المحلية إلى العام... إلى تجربة مجلس التعاون الخليجي وإلى ما تحقق حتى اللحظة، فإننا نلحظ أن هذا المجلس قد تأسس أثناء الحرب العراقية الإيرانية في منتصف الثمانينيات. وكانت التحديات والمخاطر التي يتعرض لها الخليج هي التي حرضت قادته على بناء هذه التجربة، وجاءت ملبية لرغبة ملحة انتظرها مواطنو الخليج طويلا. ولعل ما ميز هذه التجارب هو أنها صمدت طويلا وبقيت قائمة حتى يومنا هذا.
هذا لا يعني أن التجارب التي أشرنا لها هي التجارب الوحيدة الناجحة في المنطقة العربية، فقد توحدت سوريا، التي كانت ولايات مختلفة أثناء الحكم التركي، وتوحدت بالمثل ولايات عراقية، وكانت ليبيا ممزقة أثناء الاحتلال الإيطالي. وفي نهاية الثمانينيات من القرن المنصرم توحد شطرا اليمن، شماله وجنوبه في دولة واحدة.
إن الإشارة السريعة لهذه التجارب، لا تهدف إلى تقديم قراءة معمقة لها، بل إلى التأكيد على خطل المحاولات التي تحاول أن تزرع اليأس في نفوس العرب، وتجعل تاريخهم كله مجموعة من الهزائم، في حين تدحض التجارب التي أشرنا لها تلك الادعاءات. وتأتي التطورات الأخيرة بالخليج العربي لتؤكد، دون لبس، أن بوابات الأمل لا تزال مفتوحة، وأن الوعي العربي، الرسمي والشعبي، آخذ في التجذر، بأن هذا العصر ليس فيه مكان للضعفاء، وأن الوحدة هي الضرورة الحضارية ليأخذ العرب مكانهم في مسيرة التاريخ إلى الأمام.
إن الخطوات التي اتخذها القادة الخليجيون في قمتهم الأخيرة، بتطبيق مبدأ المواطنة الخليجية في دول المجلس، والتي تضمنت قيام السوق الخليجية المشتركة، بما في ذلك الحق في فرص العمل والاستثمار والتملك، والانتقال دون جوازات سفر، والتي بدأ تنفيذها ابتداء من يناير المنصرم، هي خطوة حقيقية وواثقة على صعيد نقل مطلب الوحدة، من مجرد أمل وحلم إلى واقع، ينبغي أن يكون محرضا لقيام تجارب أخرى ناجحة ومماثلة في الوطن العربي، كخطوات يبدو أنها لازمة ولا مفر منها على طريق تحقيق الوحدة العربية الكبرى المنشودة.
القرار الأخير الذي اتخذته حكومتا المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، بقصر السفر على بوابة واحدة فوق جسر الملك فهد الموصل للبحرين، هو خطوة عملية أخرى، في جملة من التراكمات والخطوات الإيجابية التي بدأت ملامحها تنجلي بوضوح خلال الشهور الأخيرة. وينبغي ألا ينظر إلى هذه الخطوة، التي تبدو صغيرة، بمعزل عن السياق العام للوحدة الخليجية.
إن تجربة الفعل المتراكم، قد بدأت تؤتي ثمارها.. وإذا كانت حالة التمزق والتفتت التي يشهدها الواقع العربي الآن تحول دون تحقق فعل إرادي دراماتيكي، باتجاه التماهي مع روح العصر، فإن ذلك ينبغي ألا يكون مثبطا للهمم. فقد أثبتت تجربة المجلس إمكانية الاهتمام والتركيز على ما ينفع الناس.
ولعل أهم ما ينبغي أن يضطلع به القادة العرب الآن تجاه أمتهم وشعوبهم هو أن يفصلوا بين ما ينفع الناس، وبين الخلافات السياسية. فالتجاذب والتنافر بين القيادات السياسية هو شأن إنساني، وربما لا نذهب بعيدا حين نقول إنه من نواميس الكون. وكما توجد لدينا صراعات وخلافات، توجد أيضا حالات مماثلة في الأمم الأخرى التي نهضت بشعوبها. وإذاً فلا مناص من التركيز على الاقتصاد، وعلى ما ينفع الناس، وأن يكون هناك ميثاق شرف عربي حقيقي، يتعهد فيه القادة العرب، بأن يفصلوا بين السياسة والاقتصاد. وبالتأكيد فإن صمود المصالح الاقتصادية، واستمرار التعاون في المشاريع الصناعية والزراعية والثقافية المشتركة من شأنه أن يأخذ من حصة الصراعات والخلافات السياسية، بحيث تبقى بوابات الأمل مفتوحة، كما هي خيوطها الآن، تسطع فوق سماء الخليج العربي...