Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
التجديد العربي - http://www.arabrenewal.org
ليلة سكون تقاعدية
http://www.arabrenewal.org/articles/12094/1/aiaE-OBaea-EPCUIiE/OYIE1.html
كفاح صالح محمد

رئيس قسم العلاقات العامة الهيئة العامة لصندوق التقاعد

 
 كفاح صالح محمد
نشر في 02/19/2008
 

جلس ماهر فوق سريره تحادثه زوجته لا يرد عليها، كان شارد الذهن، غائباً عنها، تسأله عما به فلا يجيبها لأنه لم يكن معها أصلاً، قلقت زوجته عليه كثيراً، ونادت أبناؤها وقالت: لم أر والدكم في هذه الحالة قط، حتى وإن مرت علينا أحياناً ظروف قاسية، فهل سمعتم أن بوالدكم أمراً ما خلال الفترة الأخيرة.


ليلة سكون تقاعدية

جلس ماهر فوق سريره تحادثه زوجته لا يرد عليها، كان شارد الذهن، غائباً عنها، تسأله عما به فلا يجيبها لأنه لم يكن معها أصلاً، قلقت زوجته عليه كثيراً، ونادت أبناؤها وقالت: لم أر والدكم في هذه الحالة قط، حتى وإن مرت علينا أحياناً ظروف قاسية، فهل سمعتم أن بوالدكم أمراً ما خلال الفترة الأخيرة.

أجاب الأولاد: لا، لم نر شيء مختلفاً، اتركيه لفترة عله ينشد الهدوء والراحة ولنسأله بعد وقت عما به. كان ماهر أب لأربع من الأبناء أثنان منهما في الجامعة والابنتان صغيرتان في المدرسة، انشغل الجميع بالتفكير لما آل له أبيهم في هذه الليلة.

الكل يتساءل ليس هذا عهد أبي، فإن أبانا يجلس معنا يومياً بعد صلاة العشاء يسأل عن أحوالنا وأمورنا في الدراسة، ويسأل الوالدة إذا كانت تريد أي حاجة أو خدمة يساعدها فوراً ليلبيها لها. وكان بعد ذلك يخرج قليلاً ليتسامر مع أصحابه في القهوة القريبة من المنزل. ولكن اليوم اختلف كل ذلك طلبت الأم من أبناءها التزام الهدوء، وأن لا يقلقوا كثيراً بشأن حالة أبيهم على وعد منها أن تطلعهم بما فيه.

كان كل شيء في المنزل يخيم عليه السكون، إلا عيني ماهر التي تتحرك يمين ويسار، لم يسر زوجته التي عاشت معه عشرون عاماً حال زوجها، تقدمت له بكوب من عصير الليمون وجلست بقربه كلها حنان وبذكاء سألته عدد من الأسئلة: ما بك يا "أبا محمد" أنت ليس على عهدك هل تعاني من مرض والعياذ بالله، قال لها لا، وقالت وهل تحس بأن أحد أبناءك لا ترضى عن سلوكه وطباعه؟ قال: لقد أحسنتِ تربيتهم جزاك الله خيراً، وقالت: هل والديك بهما مكروه؟ قال: ولله الحمد هما بخير. وهل أنت تعاني ضائقة مالية؟ أجاب مستورة ولله الحمد فأنت بفضل الله مدبره جيدة، وقالت هل حصلت لديك مشكلة في العمل؟ قال لها: لماذا تسأليني كل ذلك؟ قالت: لأنه لا يوجد شيء أهم لدينا من رؤيتك سعيداً.

قال لها يا زوجتي العزيزة لقد عشت معك سنوات طويلة وجدت فيك الأم والأخت والزوجة الوفية المدبرة، ومن الله علينا بنعمة الأولاد ولكن ما يضايقني هو أنني أخطرت بأنني سوف أحال على التقاعد في نهاية العام، وقد كان لي أمل أن توافق الإدارة على تمديد سنوات خدمتي حتى أصل بالأولاد وبك إلى بر الأمان بالإطمئنان عليكم وبأني قد وفيت وأكملت الرسالة التي أحملها في عنقي لكم.

ابتسمت "أم محمد" وناظرته بعينيها الحنونتين وقالت: يا زوجي العزيز عشنا معاً حياة جميلة لم تقصر فيها علينا بشيء وقد تعاونا خلال حياتنا بتربية الأبناء وتوفير كل وسائل الراحة لهم حسب إمكانياتنا، وإن أبناؤنا على وشك التخرج من الجامعة، وسوف ينخرطون في وظائف لا نريد منهم مساعدة، وإنما سوف يحملا عبء أنفسهما بتكوين أسر وبناء حياة عائلية، أما بالنسبة للابنتين فهما صغيرتان وطلباتهما بسيطة وقد دربتهما على القناعة والرضا باليسير، وأنا لا أريد سوى رؤيتك بصحة بعيداً عن هذه الكآبة التي تكسو وجهك، أن خبر التقاعد لهو خبر يسر لأنني سأرى فيه راحتك من مشقة القيام مبكراً للذهاب للعمل، لقد كفيت ووفيت يا "أبا محمد" وآن لك أن ترتاح، وأسرك بخبر لقد استلمت اليوم برقية من خال لي كان يعيش في ألمانيا، وقد توفاه الله منذ سنة أتذكر ذلك.

قال لها أبا محمد: نعم أذكر ذلك، فقالت له: لم استطع قراءة البرقية لأنها باللغة الأجنبية فانتظرت وقت عودتك لتقرأها لي، وعندما شاهدت الحالة التي أنت عليها أعطيتها لأبننا محمد لقراءتها، فأحزر ما بلغت به؟ قال لها: خيراً إن شاء الله.

قيل لي بحسب البرقية: بأن خالي هذا الذي توفاه الله لم يكن له أبناء ولا أقارب غيري يعرفهم ولم يكن يتصل به أحد سواي للسؤال عنه، وقد كان يطلب أحياناً أن أساعده إذا ضاقت يده، ولكنه كان يفعل ذلك لكي يختبر هل أنا مستعدة لمساندته ومساعدته إذ أحتاج ذلك، لم أكن أعلم بذلك، ولم يسبق لي أن أخبرتك بحالة خالي هذا الذي يعاني ضيق ذات اليد.

وقبل أن يتوفى الله خالي كتب في وصيته بأن قريبتي فلانه وهذا عنوانها أترك لها كل ما جمعته من ثروة لدي وهي عقارات وأموال في البنك، نظراً لوقفاتها الكريمة معي فلولاها لم أكن مليونيراً، فقد أعطتني في يوماً ما مبلغاً متواضعاً وكسبت منه خيراً كثيراً وأنني أهديها كل ذلك بعد وفاتي بعد أن تصدقت بجزء منه لصالح الجمعيات الخيرية.

تغرغرت عينا "أبا محمد" بالدموع ليس لأن زوجته فهمت بأنه سوف ينقص من راتبه وسيواجهون متاعب مالية بعد التقاعد ولكن لحكمة زوجته وتصرفها مع أهلها لأن الذي لا ينفع أهله فلن ينفع غيره، والمثال يقول من لا خير له في أهله لا خير له في الناس.

كما أحب أن أخبرك بأنه خلال حياتي معك كنت أقتطع شهرياً من مبلغ المصروفات الذي تقدمه لي أول كل شهر وأضعه في حساب خاص بالبنك وذلك لحالات الطوارئ ولهذه الأيام التي تشعر بأنك في مرحلة حرجة، لا تقلق علينا يا زوجي فإنني تعلمت منك الحكمة وقد كافئنا الله بذلك فمرحباً بالتقاعد، ولا أعادها الله علينا من أفكار سوداء وليلة تعيسة، واسمح لي أن أنادي الأبناء لأنهم قلقون عليك، فقال لها: نادي عليهم إذا سمحتي.

نادت "أم محمد" أبناؤها، فأتوا مسرعين وقالت لهم: أبنائي الأعزاء لدي خبر سعيد.

أن أباكم سيحال على التقاعد نهاية هذا العام ونحن نريد أن نقوم باحتفال كبير بهذه المناسبة.

ضحك الجميع للتغير السريع الذي آل إليه الوضع والذي يعلمون أن والدتهم الحكيمة هي الصاحبة في هذا التغير.