مع ذاكرة مكافح عربي قديم
فيما يلي اقدم للقارئ الكريم، رسالة مطولة كتبها في 10/10/1993، مكافح عربي قديم، هو الأستاذ محمد علي زرقة، إلى الأخ طارق الدليمي (أبو زياد) وقد أهداني الأخير، مشكوراً نسخة منها. وفي 23 كانون الأول 1993 كنا في زيارة للأستاذ الزرقة في داره في دمشق. واستفاض في الحديث عن ذكرياته عن مؤسس وقائد الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان (فهد) وتحدث بتفاصيل أوسع عن المعلومات التي دونها في رسالته الهامة، المنوه عنها أعلاه. كما أهداني نسخة من الجزء الأول من كتابه عن أعمال وأفكار المجاهد العربي زكي الأرسوزي. واليوم، أرى ضرورة ماسة لأن توضع هذه الذكريات عن مواقف فهد، من إحدى القضايا القومية الرئيسية (القضية الفلسطينية) في متناول يد القارئ والباحث العربي.
* * *
عن رسالة الأستاذ الزرقة ومن خلالها يكون القارئ قد اطلع على آراء شاهد، عاصر فهد وعمل معه، بين أعوام 1942 ـ 1946 أي في فترة مهمة من فترات النضال الوطني والقومي.
هذا التقييم الذي كتبه الأستاذ الزرقة، جدير بأن يوضع موضع الاهتمام، عند دراسة مواقف فهد والحزب الشيوعي العراقي، من القضية الفلسطينية.
ولا بد لي أن أشير إلى أن المناضل الزرقة، التحق في العراق، بصفوف الشيوعيين، وهو قادم من صلب النضال في المنظمات القومية العربية العريقة، حيث كان كما كتب في رسالته المذكورة عضواً نشيطاً في حزب، «عصبة العمل القومي»، العروبية النزعة، كما قال، «كنا أبناء لواء الاسكندرون تنظر إلى العراق نظرة القوميين الألمان إلى بروسيا حتى توحيدها على يد بسمارك»، وذكر أنه كان عنصراً فاعلاً في الحزب وفي جريدته «العروبة» في عامي 1937 ـ 1938».
والزرقة كان على صلة وثيقة بالمجاهدين القوميين الأوائل ومنهم، فوزي القاوقجي وصلاح الدن الصباغ والعقيد فهمي سعيد ويونس السبعاوي، كما يذكر أنه حضر اجتماعات نادي المثنى بن حارثة ونقل إلى المرحوم محمد سعيد ثابت وساطع الحصري، «أحلام اللاوائيين الوحدوية».
إن تأثر الزرقة بالفكر الشيوعي وانضمامه إلى الحزب الشيوعي العراقي ثم العمل في قياداته يلازمه في ذات الوقت، كما أعتقد، اهتمام وتأثر مؤسسي الحزب الشيوعي العراقي، وقائده، يوسف سلمان فهد، بطموحات الجهات والشخصيات القومية وبمشاعرها. وهذا ما يمكن أن يلمسه المرء في مواقفه تجاه القضايا الوطنية والقومية، ومنها الموقف تجاه النضال من أجل الوحدة العربية، ومن أجل تعزيز دور الجامعة العربية، وغير ذلك.
* * *
إن اعتقال الزرقة في حزيران 1946 وإسقاط الجنسية العراقية عنه، ثم نفيه خارج العراق في آب من نفس السنة، قد أبعده نسبياً عن مواكبة التطورات اللاحقة، في مواقف فهد والحزب الشيوعي العراقي من القضية الفلسطينية، رغم أنه ظل يبذل كل جهد ممكن ليبقى لصيقاً ومتابعاً لمواقفهما. وهو يحتفظ بأرشيف غني من الوثائق التاريخية. تبقى من مهمة الأجيال اللاحقة من المكافحين، أن تضع حقائق التاريخ في موضعها، وأن تتابع كل ما يمكن أن يسدد خطى ومسيرة من سبقوهم.
* * *
الأخ الكريم باقر إبراهيم
تحية طيبة؛
وصلتني رسالتكم الكريمة. ولا يسعني إلاَّ أن أشكركم على عواطفكم الصادقة. وأما ما سألتني عنه في رسالتكم فهو قد أصبح من طيات الماضي. ومن ناحيتي أمنحكم الحق في أخذ ما ترونه مناسباً من مقالي الذي أشرتم إليه وإدخاله في عملكم على أن يظل المحتوى كما هو.
وختاماً لكم ولكل أولئك الصادقين الذين عانوا من أجل قضية شعبهم، لكم كل أمنياتي الخالصة
دمشق في 7/7/2001
محمد علي زرقة
مع الرفيق الشهيد فهد
(يوسف سلمان) .. بين عامي 1942 ـ 1946
معرفتي بالحزب الشيوعي العراقي، الذي كان يقوده الرفيق فهد بصلابة ووعي وشجاعة، لم تدم أكثر من أربع سنوات (1942 ـ 1946). وإقامتي في العراق كلها: لم تتجاوز سبع سنوات ونصف؟ وكان ارتباطي بهذا التنظيم الماركسي الفذ عابراً، وغير مباشر في معظم الأحيان.؟ وإن إقامتي معه في بيت سري واحد، مع مطبعة القاعدة وأجهزتها، لم تدم أكثر من أشهر معدودة، من عام 1946. والتي انتهت في شهر حزيران باعتقالي، ثم طردي من العراق. فلم يعد لي، بعدها ـ من علاقة مباشرة به أو الحزب إلا من خلال ما كان يوافيني به الرفيق الشهيد محمد زكي بسيم، من ملاحظات ووصايا يسجلها على هوامش الصحف اليومية التي كان يرسلها لي بين أسبوع وآخر، من بغداد.
وقد علمت أن القيادة في الحزب: قررت فور اعتقالي نقل المطبعة والجريدة من بيتي إلى أماكن أخرى أجهلها. وهذا تدبير احترازي طبيعي في كل عمل سري.
أما ما عرفته عن الرفيق فهد، لا يعدو أن يكون صفحة واحدة من مجلد ضخم كان قد سطره بنضاله البطولي خلال عشرات السنين قبل قدومي للعراق وبعد تركي له.
لذلك: اعتذر إذا جاءت هذه الأسطر التي أسجل فيها لمحات من تجربتي القصيرة في العراق مختصرة وعادية. وإذا كانت أحكامي فها شخصية وسريعة.. قد لا ترضي غيري. غير أنها كانت بالنسبة لي: جديدة كل الجدة. ومهمة في اعتقادي، ومجدية لي، من حيث أنها فتحت أمامي نوافذ للمعرفة وحواراً للفكر، جديدة كنت أجهلها.
وقد أسرني هذا الرفيق العالي المستوى: لا بلطفه وحسن استقباله لي ورعايته.. بل ما كنت أكتشفه فيه من عمق ودقة وخبرة وحسن تصرف.. دفعني لأن أكبر فيه [العمق والصدق والشجاعة وشمول المعرفة]. والقيادة الناجحة، لا تستقيم عادة، إلا لمن توفرت فيهم هذه الصفحات مجتمعة. وذلك نادر وقليل.
ولم تتزعزع عقيدتي هذه به، حتى يومنا هذا. رغم ما طرأ على تفكيري وأحكامي العامة من تبدلات، أفرزتها الظروف العربية والعالمية المتجددة، التي لم تكن معروفة منا جميعاً حينذاك.
حين قدمت إلى العراق في 15/1/1939، كنت هارباً من الاحتلال التركي لبلدي. كنت آنذاك عضواً نشيطاً في حزب [عصبة العمل القومي] العروبية النزعة، الميالة لعراق فيصل الأول، وخليفته غازي، صاحب الميول الوحدوية والذي كان يشارك. كما قيل في إذاعة قصر الزهور، الموجهة في العالم العربي. والتي قيل أيضاً: أنها كانت سبب اغتياله. وكنا ـ نحن ـ أبناء لواء الاسكندرونةة ننظر إلى العراق نظرة القوميين الألمان إلى بروسيا حتى توحيدها على يد بسمارك.
ومنذ وطئت قدماي أرض [ الكرخ] في سيارة عابرة للصحراء، لم أتوقف عن الاتصال بمن كان يمثل الاتجاه الوحدوي (في نظرنا)، التقيت بوزير الدفاع السيد طه الهاشمي في مكتبه بتوصية من الماهد فوزي القاوقجي. والتقيت بالعقيد السيد صلاح الدين الصباغ في منزله في شارع طه على طريق الأعظمية، فقال لي وهو يصافحني بيده البضة: إننا إذا لم نحقق الوحدة العربية خلال أربع سنوات نكون خونة لهذا الوطن. وتعرفت على صغار الضباط الشباب في لواء العروبة، الذي كان يقوده العقيد فهمي سعيد، أحد العقداء الأربعة الذين كانوا يحكمون العراق بتوجيه من السيد أمين الحسيني، والذين عرفوا بالمربع الذهبي.
وقابلت السيد يونس السبعاوي خريج جامعة دمشق في منزله، وحاورت خلال السنة الأولى من وجودي، الكثير من ذوي النزعات المختلفة (اليمينية واليسارية). وحضرت اجتماعات نادي المثنى بن حارثة ونقلت إلى المرحوم محمد سعيد ثابت وساطع الحصري أحلام اللوائيين الوحدوية. ولطالما دخلت في حوارات مع الشبان اليساريين الذين كنت أحاججهم. وكان يبدو لي أن منطقي وحججي قد اقنعتهم في حين كنت أعترف ـ بيني وبين نفسي ـ أن هذه الحجج لم تقنعني.. وقام في نفسي صراع يتناول كل قناعاتي السابقة. فتتضاءل.. وتتراجع أمام قناعاتي الجديدة التي تنمو وتتجذر في غلائل عقلي. واحتفظ بها سراً في مكنونات عقلي الباطن.
عشت في لواء الاسكندرونة في غمرة الصراع العنصري (التركي العربي). وكان العدو الفرنسي الحاكم يمالئ الاتراك، ضد العرب. فمن الصعب على شاب خارج لتوه من دور المراهقة أن يتجاهل مأساة قومه، فلا ينحاز بكليته إلى قضيتهم. وهكذا كنت.
أنا ـ أصلاً ـ من عائلة فقيرة. مكانها في أسفل السلم الاجتماعي. وترعرعت في حي شعبي من أفقر الأحياء وأكثرها اهمالاً وصخباً. وكنت أقرأ أحياناً بعض نشرات الشيوعيين السوريين عن العمال والفلاحين، أي عن طبقتي. فكنت أتمنى أن تتولى قيادة حزبي مثل هذا النهج. لذلك: حينما انهيت دراستي الاعدادية وبت عنصراً فاعلاً في الحزب وفي جريدته (العروبة) في عامي 1937 و 1938 بدأتة اجتمع بالعمال والفلاحين ونقابات البحارة والصيادين أكتب لهم عرائضهم وانشر عنهم المقالات الضافية في العروبة حتى غدا 80% مما كتبته في العروبة هو عنهم. وكان قادة حزبي يشجعونني على هذا النهج.. لذلك: كنت ـ في حواراتي القومية ـ انحو نحواً انسانياً.. كنت أقول: إذا كان من حق العرب أن يتحرروا فلماذا لا يكون ذلك من حق الآخرين.
كنت ألاحظ في سورية أن بعض الشيوعيين، لا يتورعون عن اعلان عدائهم للعروبة، أو حتى شتمها، وترديد النكات البذيئة عنها فيغيظني ذلك. كنت أجدهم يفصلون بين قضايا العرب وقضايا العالم.. وكأنها جزر منفصلة لا رابطة تربط بينها. وكنت أعتقد ـ عكسهم ـ إن القضايا العربية هي جزء من قضايا العالم وهي أقرب إلينا وأولى باهتمامنا ودفاعنا. ومن لا يستطيع خدمة العائلة التي هو جزء منها يعجز عن خدمة العوائل الأخرى البعيدة. فكل هذه القضايا دوائر متداخة يحيط بعضها ببعض وتترابط من حيث المصير. ولا يوجد تنافر أو تضاد بينها كما زعم الشيوعيون.
وفي العراق تعزز هذا الراي عندي. ولكنه غدا أكثر عمقاً ووضوحاً.
كنت في اللواء شاباً ضئيل المعرفة، ثورياً نزقاً. وكذلك صرت في العراق عندما قبلت طالباً داخلياً في دار المعلمين العالية. وكنت قد اكتسبت الجنسية العراقية اعتماداً على قرار فريد اصدره رئيس وزراء العراق في أواسط الثلاثينيات المرحوم ياسين باشا الهاشمي (من يدخل العراق من العرب ويعيش فيه خمسة عشر يوماً يحق له اكتساب الجنسية العراقية) ولم تكن هذه القرارت وهماً، فقد حصلت على الجنسية به. وقد عاونني مثلما عاون جمع اللوائيين، المرحوم السيد حمدي الباجة جي الذي ظل له الفضل الأول على كل من درس من اللوائيين في العراق.. أقول كنت نزقاً.. فقادني هذا النزق إلى تزعم الطلبة في أعمال التمرد على إدارة القسم الداخلي وما يصيب مواده من ضياع. فاكتشف بعض الطلاب الشيوعيين في المعهد صلاح خامتي للترويض فتقربوا مني وساندوني ضد الإدارة. وكان من أهم هؤلاء: طالب مستجد يقارب سني (السيد كاظم حمدان) فصادقني وحدب عليّ وأمن لي الكثير من الكتب.، ثم صارحني: بأنه شيوعي من جماعة الرفيق فهد وأخذ يحضر إلي القاعدة بانتظام.
لم أكن حتى عام 1940 قد قرأت شيئاً أساسياً أو مهماً من الأدب اليساري ـ عدا ما تكتبه الصحف وكان العداء بين التيارين (اليساري واليميني) واضحاً. وكانت إذاعة برلين وصوت مذيعها (يونس بحري) (حي العرب) تجد لدى الكثيرين إذناً صاغية. فبعد فشل ثورة رشيد عالي الكيلاني وإعدام قادتها وسيطرة الإنجليز.. اشتد العداء ضدهم وتغنى الشعراء برفضهم.. قال الشاعر الرصافي قبل وفاته عن هذه الكارثة وعودة الوحي من ركاب العدو.
زفت إلينا العروس*** وزوجها الانجليس
زفت إلينا زفافاً *** فيه الشقا والنحوس
المهر منا دماءٌ *** والعرس يومٌ عبوس
وكان صراع التيارين في الجامعات واضحاً أيضاً. ولم أكن بعيداً عنه.
في هذا الجو المكفهر انتشر الأدب اليساري بكثرة. وتنوعت مجلاته القادمة من بيروت أو القاهرة أو القدس. وأصبح الشيوعون يعتبرون الحرب العالمية القائمة حرباً تحريرية ضد النازية بعد أن دخلها الاتحاد السوفياتي.. وصار من حق الشيوعيين أن ينشطوا وكثرت مراجع هذا الأدب اليساري في المكتبات وبين ايدي الطلاب. وكانت الهزيمة المدوية للجحافل الألمانية في ستالنغراد بداية التراجع الألماني في جمع الجبهات. وعاملاً مؤثراً في انتشار الأدب الماركسي الذي يمثل هذا الفوز.
وفي توسيع وتعداد المنظمات اليسارية التي يدعى كل منها أنه الاحق بتمثيل الحركة الشيوعية. وكان بعضها معادياً لفهد وحزبه. وقد وضح لي صديقي الجديد (كاظم حمدان) الكثير من هذا الجدل وشرح لي ما أمكنه من أسراره وأسبابه. وإن كل جماعة تمثل شريحة اجتماعية لها مصالحها. وقد بدأت أتعمق في دراسة بعض القضايا الشيوعية البارزة بجدية ورغبة. كصراع الطبقات. ودور البروليتاريا.. وكفاحها للوصول إلى الحكم وفرض دكتاتوريتها لمنع استغلال الإنسان للإنسان وإزالة النزاع الطبقي ومعه الدولة ومؤسساتها.
وكانت الخيبات التي أصابت العرب في النصف الأول من هذا القرن، وفقدان الفكر العقائدي المحلل والمعالج لهذه الخيبات، قد أبعدني تدريجياً عن المعسكر القومي المترنح الذي أنتمي إليه. وبدا لي وكأنه مركب تائه تتقاذفه أمواج عشوائية عاتية، وتضلله شعارات مثالية لا أجد لها تجسيداً في الواقع.. عند أي حزب أو جماعة أو مخطط فكري ممن كان يقود هذا المعسكر. وقد قربني هذا التباعد الذي أخذ عقلي يتوه في تضاعيفه الغامضة.. من التيارات اليسارية الجديدة التي تغمر أسواق العراق. وكان من أول ما قرأت (رواية الأم) لمكسيم غوركي التي ترجمت أسوأ ترجمة وطبعت كذلك أسوأ طبعة. ومع ذلك فقد انفعلت ـ إيما انفعال ـ مع الأم وولدها (باول) وبالجو الروسي الذي أحسنت الرواية رسم خطوطه العامة. ففتحت شهيتي لقراءة أي شيء يصلني من هذا الأدب. فلما أمعنت في قراءة الكثير مما كانت تخرجه المطبعة العربية عن هذا الأدب بأبعاده الشعبية والعقائدية وآرائه المستمدة من جدلية ماركس وانجلز وإضافات لنين وستالين، استطاعت أن تحفر في اعماقي أخاديد عميقة لفكر جديد، ولتفاسير فلسفية لم تخطر لي على بال.
وتساءلت ـ بيني وبين نفسي ـ عن حقيقة ما يقال عن الصراع الطبقي، وعن جدلية الحياة وصراع المتناقضات وولادة الجديد من قلب القديم لتقويضه. عن التفسير المادي للتاريخ وقوانين الطفرة وبقاء الاصلح. ومن هو الأسبق المادة أم الفكر. وكيف تم نمو النظام الاقتصادي وتطوه منذ المجتمعات البدائية وحتى انتصار البرجوازية وسيطرة رأس المال وتحوله إلى وحش إمبريالي يلتهم كل شيء. وهل يصح ما اكتشفه ماركس وانجلز.. وكيف تحول نظام الأجور إلى قيود حديدية طوقت العمال ووضعتهم على ضفاف القوت الذي لا يحمي حتى من الموت.. وكف ينمو التناقض في رحم هذا التطور عندما يتكتل العمال ويتحولون إلى قوة جديدة قادرة على تفويض النظام القديم.. وهل يمكن أن يتم ذلك فعلاً.. متى وكيف؟.. وهل يستطيع التنظيم ـ أي تنظيم ـ أن يحمي نفسه، وأن يحرر جماهيره فعلاً حتى من قادته ـ البشر ـ الذين تستعبدهم السلطة وتحولهم ـ أحياناً ـ من انبياء مصلحين إلى مشعوذين وسراق وقتلة.
كانت أسئلة متنوعة وكثيرة تتصارع ـ بدورها ـ في خيالي.. كنت أجيب على بعضها وأعجز عن الاجابة على بعضها الآخر.. إلا أن معظم اجاباتي كانت تقربني أكثر فأكثر من المنطق الماركسي، رغم كل ما كان يخالج نفسي من مخاوف أو أوهام. وبحثت عن كل كتاب حتى الممنوعات وحتى المعادة وكان (كاظم حمدان يساعدني مشكوراً) وكثيراً ما كنت أدخل معه في حوارات.. كان يفوقني في تحليلها بحكم أنه كان منظماً ويعرف ما يريد. و إما أنا فكان تبلبل فكري المبتدئ يتحول تدريجياً إلى يقين يتبلور في عقلي ويثير الشكوك في كثير من المسلمات التي كانت تتملكني وأنا في العشرينات من عمري وكم كنت أدافع عنها بكل حرارة الإيمان والألم. ثم ما لبثت قراءاتي الجديدة أن هزمتها، وأتاحت لي أن أتقبل أفكاراً جديدة تناقضها ثم ما لبثت أن تجذرت في نفسي.
وتساءلت كثيراً ـ سراً ـ إلا يمكن أن نكون ـ نحن العرب ـ قد ضللنا الطريق إلى التحرر؟ ألا يمكن أن تكون الأفكار الجديدة. التي تعززها الماركسية والنضال الشيوعي عندما يتجذر في النفوس العربية الطموحة أقوم من غيره وأجدر بالاتباع.. واقرب إلى بلوغ الهدف المطلوب من التحرر.
وانضويت ـ عملياً ـ في حلقة يوجهها صديقي (كاظم حمدان) وبدأت اقرأ في حلقتي هذه بعض الأفكار الماركسية الأساسية ونناقش ـ دورياً ـ ما تنشره القاعدة ونتحدث عن أهمية ما يحيط بها من أحداث. وأيقنت أنني أحسنت الاختيار.. وكان اختياري: أن أكون عضواً عاملاً في الحزب الذي يقوده الرفيق فهد الذي لم أعرفه إلا من خلال ما اقرأه له في (القاعدة) وما يتحدث به الرفاق عنه.
ومضت أشهر تخرجت فيها من الجامعة بامتياز يؤهلني لأن اصبح معيداً فيها.. وقبل أن تفتتح المدارس أبلغت أن الإدارة قد حرمتني من هذا الحق (فالدوائر الخفية لم يعجبها سلوكي). وعينت مدرساً في العمارة (جنوب شرق العراق). ونفذت هذا القرار.
وقبل ذلك جاءني مرة (كاظم حمدان) وصارحني بتردد أنه تخلى عن الرفيق فهد وأن ثمة انشقاقاً في الحزب قاده رفيق آخر ارتبط به كاظم وطالبني بأن انضوي معه. فسكت قليلاً.. ثم أفهمته بحزم أنني لست بيدقاً في لعبة. وأنني أكره الانشقاقات. ومع أنني ضد الخطأ فلا أرى أن إصلاح الخطأ يكون بالانشقاق.. وانفصمت علاقتي به ولا أدري ما حل به بعد ذلك.. ولن أنسى فضله ولطفه.. رغم اختلافي معه.
تعرفت خلال نشاطي الحزبي الجديد على العديد من الرفاق الواعين الذين لم أكن أعرف عنهم شيئاً ثم اكتشف أنهم من القادة. منهم ابن صفي في دار المعلمن العالية الرفيق يهودا صديق الودود ودمث الخلق الهادئ الذي يتمتع بعقل واضح. وتعرفت على شاب آخر موظفاً.. كان مناضلاً جاداً يجبرك على احترامه. هادئ الأعصاب قليل الكلام كثير العمل عميق التفكير شديد الود.. ومنظماً خلاقاً في هذا الباب هو الشهيد محمد زكي بسيم الذي كان يكاد لا يمر يوم دون أن أراه.. وتعرفت على شاب نجفي أديب وشاعر شديد الحساسية مشبوب العاطفة هو الشهيد حسين محمد الشبيبي. وكان على دماثته وخلقه الرفيع، شديد الثورة سريع الاندفاع، شديد الحرص ايضاً على القراءة والتأليف.. وكان حماسه يبلغ احياناً حد الاندفاع وكنت أحب فيه هذه الصفات..
وتعرفت على عدد آخر من النقابيين وزعماء العمال والفلاحين منهم رئيس نقابة السكك الحديدية علي شكر النقابي صلب العود والريفي (فعل) ضمد وغيرهم.. كما تعرفت على المحامي الكاظمي الشهيد محمد حسين أبو العيس الفارع الطول الذي يبدو وكأنه مصارع بطل.. والمحامي العاني الودود سالم عبيد النعمان.
وفي منزل الرفيق محمد زكي بسيم قدمني إلى رفيق جديد لم أعرف عنه شيئاً. كان ربع القامة في الخامسة والأربعين من العمر ـ حسب تقديري ـ هادئ الطبع قبل الكلام يحسن الاستماع ولا يشارك إلا بكلمة أو كلمتين.. ولكنه كان يحسم بهما الحديث الذي نناقشه بأفضل واصح صورة. وعرفت أخيراً أنه الرفيق فهد.
كنت أعرف أنه من اصل عمالي (يوسف سلمان)، من منطقة الناصرية. وأنه تدرج في صفوف العمال وزار الاتحاد السوفياتي ورافق ديمتروف في الكومنترون والتقى هناك خالد بكداش. لذلك كانت اراؤه وأحكامه قوية إلى درجة لم تبهرني فقط بل أدهشتني.
لقد أتيح لي مراراً ـ حتى وأنا طالب ـ في الاشهر الأخيرة من دراستي أن التقي به. كان لقائي الأول ـ الآنف الذكر ـ في منزل الشهيد محمد زكي بسيم الكائن في زقاق ضيق من أزقة الحيدر خانة القريبة من دار الحكومة. فكان الحديث عاماً. وكنت معروفاً بأنني من الطلاب المهتمين بالدراسة فسألني عن مدرستي وعن دروسي وعن المدرسين وعن أهمية ما يلقونه من دروس.
سألني ما هو اختصاصك؟ قلت: الاجتماع. وكان علم الاجتماع واسعاً يشمل حتى الجغرافيا والتاريخ. فأضاف وما هو الكتاب الذي يكون مدار دراستكم في علم الاجتماع؟ قلت: كتب علم الاجتماع، لـ(ماك ايفر) وهو كتاب كبير وشامل.
قال: فقط؟.. قلت: أهمها.. لأنه جامع وشامل.
قال: كيف يعرف (ماك ايفر) الدولة.. مثلاً؟
وأجمعت فكري وقلت: يعرف الدولة، بأنها المؤسسة الاجتماعية الأكبر التي تضم جميع المؤسسات.. تنسق بينها بحيث تستقيم في ظلها الأمور.
قال: لخدمة من؟
قلت: لخدمة المجتمع ككل.. لضمان استمراره ونموه وبقائه.
فابتسم وأردف: ألم تدرس في حلقتك الحزبية النظام الطبقي في المجتمع، وصراع الطبقات.. وتباين مصالحها.. فلمن تقدم الدولة ـ وهي المؤسسة الأكبر ـ خدماتها من هذه الطبقات؟ ومن تمثل ـ أصلاً ـ من هذه الطبقات المتصارعة.
قلت تمثل الطبقة الأقوى.. وفي مجتمعاتنا الحالة: تمثل البرجوازية مالكة الرأسمال وتنظم العمل لخدمة مصالحها هي حتى ولو تجاوزت على مصالح غيرها من الطبقات.
قال أحسنت فهي إذن (أي الدولة) بقوانينها وأنظمتها.. ليست أكثر من مقرعة تقرع ظهور العمال والكادحين. تنظم المجتمع وتديره للوصول إلى هذا الهدف الذي يدعم سلطتها ويحميها.. أام تكن كذلك في جميع العصور، منذ ظهرت الملكية الخاصة وانقسم المجتمع إلى طبقات مالكة (أي حاكمة) وطبقات مستغلة (أي محكومة)؟ الدولة مجرد (عصا) في يد الحكام..
أليست القوانين والنظم والقواعد والمؤسسات أسلحة لها.. لا تتردد عن استخدامها في حروبها.. (في صراعها الطبقي).. هذه هي مهمتها الأساسية. وهي ـ إذن ـ ليست للمجتمع ـ لكل المجتمع ـ كما يقول كتابك الكبير.. بل لخدمة الطبقة الحاكمة.
كان كل ماقاله صحيحاً..ومقنعاً. وكان علي أن أوافق.. دون أن يكون لأحكامي.. أو لآراء (ماك ايفر) القوة القادرة على الصمود أمام المنطق الماركسي كما عبر عنه الرفيق فهد.. حينذاك. وسار الحديث هكذا بقية الجلسة.. وتضاءلت أمام أقواله السديدة كل معلوماتي الجامعية.. وبدت سطحية أمام تفسيرات هذا القائد العمالي الفذ. وبدا لي ـ في أول لقاء لي معه ـ عملاقاً.. وعالماً متفوهاً تفوق عليّ بسهولة وأذرى بعلومي الاجتماعية الكلاسيكية التي كنت أعتقد أنني قد أحسنت دراستها. فاستوعبت قشورها ولم استطع الغوص إلى أعماقها. إلى مضامينها وحقيقة مدلولاتها كما فعل.
لم يخبرني أحد من الرفاق الحاضرين أنه الرفيق فهد. ولكن منطقه عرفني به. وافترقنا يومها دون أن يصرح لي بشخصه.. ولكن مجرد مقارنتي المنطقية بين معلومات هذا العامل الواعي، القادر على إلقاء أضواء فلسفية على أقواله.. وتفسير القوانين والأحداث على أساسها.. بشكل عجز عن مجاراته طلاب الجامعة من أمثالي.. كما عجز عنه حتى المثقفون الذين عرفتهم ممن يحملون الشهادات في اختصاصهم.. أقنعتني بما ذهبت إليه.
اكتشفت فيه من اللقاء الأول أنه جدير بأن يكون القائد الفعلي للحزب.
اكتشفت فيه رجلاً حاد الذكاء كبير المعرفة، لماحاً، عميق الفكر، سديد الرأي. وكنت أعرف من الأحاديث العابرة عنه أنه زار الاتحاد السوفياتي ودرس في الكومنترون.. ولطالما حدثني ـ بعد ذلك ـ وفي لقاءات أخرى عن هذه الفترة من حياته المبكرة وعن نضاله..
وعندما تحدد سفري إلى العمارة، للالتحاق بوظيفتي ـ مدرساً فيها لعدة علوم، سعدت للتعرف على هذا الجزء النائي من العراق، والذي لم يسبق لي معرفته. وكانت وصية الرفيق فهد لي أن اتصل بمعلم صابئي اسمه (مالك سيف) وان انضم إلى حلقته.
كان قد مضى علي أكثر من سنة وأنا أعمل في حلقة من حلقات الحزب. وأتعرف ببعض كوادره، في شتى المناسبات. وكنت أعتقد أنني قد أصبحت شيوعياً عربياً يناضل في صفوف حزب قوي مدرب، منظم، وواعٍ لأهدافه الكبرى ومهامه اليومية، ولا يعادي العروبة كما يفعل آخرون. وله في جميع طبقات الشعب وفئاته العرقية والدينية والمنطقية (من منطقة) جذوره الشعبية الواسعة ذات الفعالية والأثر الواضح.. والذي يراه المراقب جلياً في كل مناسبة ولا سيما في عمق الطبقات العربية الكادحة. في الريف والمدن.
قلت: (شيوعياً عربياً) لأنني لم أجد أية ضرورة للانفصال نفسياً عن مثلي التحررية العربية، ولا عن قناعاتي الراسخة في أعماق الضمير بإنسانية النضال العربي. ومجافاته لكل تلك الدعاوي الفجة التي كان يطلقها بعض العنصريين باسم القومية العربية وهم منها براء ومعظمهم من أبناء الموظفين الأتراك الذين تخلفوا عن مواقفهم بعد انهيار الدولة العثمانية. أو الذين يدفعهم العداء للإنجليز إلى الانحياز للنزاعات المتشبهة بالنازية..
كنت أؤمن في أعماقي أنني عربي أولاً. وأن العروبة هي عائلتي الأولى الأقرب، وأن خدمتي لها لا تفترض في معادات بقية العوائل أو عدم التكاتف والنضال معها في سبيل تحقيق الأهداف الأبعد والأكبر. وإن ما ارتبط به من عائلة هي الدائرة الداخلية الأقرب لا تفترض بعدي عن الدوائر الأخرى الأوسع التي تحيط بها دائرة بعد أخرى. وأن الوشائج بين هذه الدوائر قوية.. لا تعطل فهمي الجديد للفكر الماركسي الذي لا يطلب مني قط أن ابتعد عن عائلتي الأولى. ذلك أن عائلتي الأولى وما يليها من حي أو مدينة أو قطر يحيط بعضها بعض إن هي إلا أجزاء متصلة متوافقة لا متنافرة.. تلك هي القضية في نظري.. وإن نسيج الانسانية بكامله إنما يتألف من هذه الدوائر ولو أن الدائرة الأكبر التي تضم جميع الدوائر هي الإنسانية. ومن المعجب والمفيد أن أعلن أنني وجدت في نظريات الرفيق فهد وتفسيراته الفلسفية المستمدة من الفكر الماركسي، إنها كانت تدعم عندي هذه النظرة الاشبه بالعقيدة.. ولا تخالفها.
وبعد سنة ونصف من نشاطي هذا، وفي اجتماع رسمي للحلقة التي انتمي إليها، فوجئت المسؤول عن الحلقة يقدم لي ورقة امليها وأوقع عليها فيه طلب مني بقبولي الانتساب للحزب. فدهشت وقلت للمسؤول بشيء من الاحتجاج والعتب: ماذا كنت اذن؟.. طوال هذه المدة؟.
قال ـ بابتسامة لطيفة ـ كنت صديقاً: أزرتنا واستطعت خلال ذلك ـ أن تفهمنا جيداً، وأن نفهمك. وأن نتأكد من أنك عنصر واعد. جدير بأن تكون منا. وأن نخوض ـ معاً ـ بقية معارك وطننا. وتقليت اجابته الرصينة برضا ورحابة صدر، ولم أعلق. وبعد أيام بلغت أنني قبلت عضواً عادياً في صفوف الحزب. وبدأت أواظب ـ كعادتي ـ على اجتماعات حلقتي ثم انتقلت إلى غيرها من الحلقات الاقرب من القيادة.
لم أكن أهتم بالتفاصيل الشخصية التي يتناولها الاعداء أو المعارضون، أو المنافسون للحزب ـ أو الذين يجدون أنهم أجدر بالقيادة من الرفيق فهد. فكل تك التفاصيل كانت تبدو لي وكأنها غريبة عني، لا استوعبها جيداً ولا أعيرها التفاتاً. وكثيراً ما كنت أنساها فوراً.
لم أهتم بماضي الحزب فأنا مواطن جديد وطارئ.. ولست قديراً على التغلغل في اعماق الماضي الداخلي لاحزاب العراق. كذلك لم أهتم بقادته وكوادره العليا.. باسمائهم الحقيقية أو جذورهم الطبقية أو انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو المذهبية. فكل هذه أيضاً كانت غريبة عني. كنت مجرد عنصر طارئ بينهم ولا خلافات لي مع أحد منهم، فلا أستطيع ـ اوالأمر كذلك ـ أن أخوض في هذه الأمور. كنت ـ فعلاً ـ قد حصلت على الجنسية العراقية. ولكن هذا لم يكن كافيا لأن يجعلني جزءاً طبيعياً من النسيج العراقي الشعبي. كنت أشعر أحياناً بالغربة رغم ما يحيطني به الرفاق والقائد من رعاية وحب.
كان رفاقي الذين أحاورهم متعددي الأصول واللغات والمذاهب. كانوا عرباً وأكراداً وتركماناً واشوريون وكلدان وصابئة ويهود.. كان المسلمون منهم سنة وشيعة. وكان المسيحيون كذك.. كان اليهود كثيرين بين الرفاق.. وكانت لقاءاتي معهم كثيرة وخاصة بعد انشاء دار الحكمة للطبع والنشر.. وتأسيس حزب التحرر الوطني. وتأسيس عصبة مكافحة الصهيونية. وقد استشهد بعضهم في المظاهرات.
لم التفت إلى هذه التفاصيل. كنت أناقش أنشطة كل فرد من هؤلاء.. ومدى صدق تعامله مع القضية التي توكل إليه ومع الحزب. ومدى استعداد أصحابها للعمل الجدي والشجاع وللتضحية، مما يجعلني أثق بمعظمهم وأتعاون معهم بلا تلكؤ ولا عقد.. مما كان يحفل به مجتمع العراق حينذاك. وأغلقت أذني عن كل تلك المقولات المعارضة أياً كان مصدرها.