استقرت المجتمعات الغربية، ضمن ما استقرت عليه، على مجموعة من القيم الحاكمة لسلوك أفرادها في المجال العام. فقد أدركت تلك المجتمعات ان النهضة، الرخاء والتقدم لا تتحقق الا بتوافر مجموعة من القيم الموجهة لسلوك الافراد والجماعات في تفاعلهم وتعاملهم لا سيما في المجال العام.
وكان ابرز، وفي رأيي، أهم تلك المجموعة من القيم ما يمكن تسميته بالتسامح الاجتماعي وقبول الاخر. ويتلخص معنى، بل وجوهر، تلك القيمة الاجتماعية المتعارف عليها في المجتمعات الغربية في قبول الاختلاف بين اعضاء المجتمع الانساني الواحد، او بمعنى أدق، سكان الوحدة السياسية الواحدة. ودون الخوض في تفاصيل ارتباط قيمة التسامح الاجتماعي بالمفهوم الاكبر والاشمل لليبرالية في سياقها الغربي او تعديد محاسنها او سرد اهم انتقاداتها، فان تلك القيمة التي تبدو للوهلة الاولى قيمة بسيطة، سهلة التحقيق وقليلة التأثير على مسار تقدم المجتمعات الانسانية، قد مثلت ركنا اساسيا وركيزة حيوية في تطور المجتمعات الغربية على مدار قرون من الزمان.
فقد مكنت قيمة التسامح الاجتماعي الفرد من التركيز على ادائه في عمله دون تشتيته في قضايا الاختلاف التي لا تنتهي بين افراد المجتمع الواحد. وتباعا، ساد الغرب قيم العمل والانجاز وترك المعطلات الاجتماعية المتمثلة في الفحص والتدقيق في الاختلافات سواء المادية او المعنوية بين افراد المجتمع الواحد. فعلى سبيل المثال، لم يعنى العامل في المصنع ما اذا كان زملائه يتفقون معه في الدين، او المذهب او العرق او الاراء السياسية. فقد ذهب الى عمله بهدف العمل، الانجاز والتطوير. وهو ما ترتب عليه، بشكل ما، قدرة الافراد على طرح افكارهم، سياسية كانت او غير سياسية، في المجال العام. حيث اصبح المجال العام مجالا محايدا لا يمكن لأي من الافراد او الجماعات احتكاره او الهيمنة عليه.
وليس من الجديد او الغريب ان نرجع، ولو جزئيا، استقرار الممارسات الديموقراطية في الغرب، دون الشرق، الى سواد تلكالقيمة المجتمعية التي تسمى بالتسامح الاجتماعي. فحتى في الحالات القليلة التي عانت فيها المجتمعات الغربية من ضعف في قيمة التسامح وشهدت انجذاب مؤقت نحو رفض بعض الافراد او الجماعات، سرعان ما عادت الى مسار التسامح الاجتماعي ونهجه، حفاظا على التزام اخلاقي وعملي نحو التسامح وقبول الاخر. ونذكر، ضمن ما نذكر، النموذج الامريكي في رفضه للمواطنين من اصل افريقي والذي ساد المجتمع الامريكي منذ تأسيس الولايات المتحدة الامريكية في اواخر القرن الثامن عشر الميلادي. فبعد أكثر من قرن من القهر والتمييز العنصري ضد الافارقة الامريكيين، تمكنت الولايات المتحدة من دمج الافارقة داخل المجتمع، ورغم أنف المعارضين لهذا الدمج من الامريكيين نفسهم. وبرغم العنف السياسي وحالة الفوضى والاضطراب التي سادت الشارع الامريكي في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بسسب تلك القضية، الا ان الارادة السياسية للنخب الحاكمة سواء في الكونجرس او الادارة الامريكية قد اجبرت هؤلاء المعارضين على الانصياع الى قيمة التسامح الاجتماعي التي الزم الغرب بها نفسه عندما تبنى الديموقراطية في سياق ليبرالي يعلى من قيمة الفرد ومن بعدها قبول الاخر.
والنماذج عديدة بلا شك ولا تنحصر قطعا في الولايات المتحدة. فيهود المانياوعرب فرنسا وغيرهم الكثيرين قد نعموا بالقبول والتعايش في مجتمعات اوروبية رفضتهم لعقود طويلة، نتيجة لتراجع تلك الاخيرة عن رفضها واذعانا منها لقيمة التسامح الاجتماعي وللسياق الليبرالي الاوسع الذي التزمت به دولا ومجتمعات على حد سواء.
وبرغم من ان بعض من عادوا الغرب لمجرد كونه غربا يشيرون الى حقيقة ان عددا من المجتمعات الغربية يضطهد بعض سكانه اليوم، مثل العرب في الولايات المتحدة وبريطانيا، وغير الاوروبيين في سويسرا وغير ذلك من النماذج الفردية. ويتحججون بتلك النماذج القليلة من اجل نفي سمة التسامح عن المجتمعات الغربية.
بيد ان تاريخ اوروبا والغرب بشكل عام هو خير مجيب على اتهامات هؤلاء. فبالفعل، شهدت المجتمعات الغربية، على تنوعها، تمييزا بل واجحافا ضد بعض اعضائها سواء بسبب العرق او الدين او حتى الطبقة الاجتماعية. لكن لم يستمر التمييز والاجحاف لان المرجعية الليبرالية ثابتة بحيث كانت تلك المجتمعات عليها ان تضحي باحد دعائم نهضتها واستمرارها اذا ما اختارت الاستمرار في التفرقة بين سكانها.
بعبارة اخرى، يزخر التاريخ الاوروبي بالنماذج التي تعكس القدرة على جبر الكسور ورأب الصدوع بين اعضاء مجتمعاتها حفاظا على ركن اساسي من نهضتها الليبرالية الطابع. ومن ثم، فظهور تلك الممارسات مرة اخرى لا يعد بمكان دليلا على تراجع الليبرالية كقيمة اساسية في الحضارات الغربية، لأن التاريخ يشهد بقدر تلك المجتمعات على تجاوز تلك الفترات غير الليبرالية من اجل العودة الى قاعدة أمانها الليبرالية.
هذا على مستوى الغرب. اما الشرق، فقد نال نصيبه من التسامح. بيد ان تسامحه جاء مفسدا، معرقلا ومثبطا لاليات التقدم والانجاز. فقد تسامح الشرق مع الاهمال، التسيب، اهدار لموارد وحتى الفساد. فلم تجد المجتمعات الشرقية غضاضة في تجاهل معاقبة المقصرين او قبول اعذار المتكاسلين. وكانت النتيجة الطبيعية، بل والعادلة، هي تأخرها وتراجعها على خارطة العالم المتقدم وتدهور ترتيبها بين مصاف المجتمعات التي تنعم بالرفاهية والرخاء.
والمؤسف في القضية هو انه في حين تسامحت تلك المجتمعات الاخيرة مع الاهمال والتسيب والتقصير، قد رفضت رفضا باتا التسامح مع اي مظهر من مظاهر الاختلاف المجتمعي. فلا تسامح لمن اعتنق دين مغاير او تبني فكر سياسي مختلف او حتى انتهج سلوكا اجتماعيا مغايرا، حتى وان كانت بعض مظاهر الاختلاف طبيعية او بمعنى ادق موروثة. فعلى سبيل المثال، ورث اغلب اهل الارض معتقداتهم الدينية ولم يتخلوا عنها او حتى يفكروا في التخلي عنها من اجل تبني ديانات اخرى.
وبرغم ادراك الجميع لتلك الحقيقة البسيطة، الا ان اصحاب العقائد الدينية المختلفة كثيرا ما رفضوا بعضهمداخل المجتمعات الشرقية، دون الغربية. بل ا نهم وصلوا الى حالة من الصراع السياسي، وربما ايضاالعسكري، في كثير من الاحيان بسبب هذا الاختلاف او بالاحرى بسبب رفض هذا الاختلاف.
وهو ما اضاف الى اسباب التخلف والتأخر. فبدلا من ان يخرج العامل في المصنع الى عمله من اجل العمل، الانجاز والتطوير، خرج "متحرفا لقتال". بعبارة اخرى، خرج بحثا عن اختلاف افراد المجتمع عنه. فغرق العامل والمجتمع معا في رفض بعضهم البعض، حتى استنفذوا طاقاتهم المادية والبشرية في تلك المشاعر، او بمعنى ادق، في تلك الضغائن. فشملت قائمة المرفوضين مجموعة كبيرة من الناس تكاد لا تترك فردا داخل المجتمع يتمتع بالقبول المجتمعي. ويمكن الاشارة الى عدد من الفئات المرفوضة اجتماعيا في تلك المجتمعات غير المتسامحة، والتي تشمل كل من العواقر، العوانس، المطلقات، الفقراء والأميين........... وزد كما تشاء.
وعليه، فقد حلت قيم الرفض والتنافر محل قيم التعاون، التضامن وتجاوز الاختلاف تحقيقا للاهداف، في انتهاك واضح وصريح لأسس التعايش من أجل الانتاج والتطوير التي عاش في ظلها الغرب ودافع عنها، حتى ضد نفسه عندما اقتضى الامر ذلك. فتلك الأسس التي حصد الغرب نتاجها ثمرات من الحرية السياسية، حماية الحقوق السياسية والمدنية للمواطنين واستقرار الديموقراطية، هذا الى جانب النمو الاقتصادي وارتفاع مستوى معيشة الفرد الذي مكن هذا الاخير من الدفاع عن حرياته ومعتقداته في مواجهة الدولة والمجتمع عندما رأى بوادر انتهاك فرديته بأيدي اي منهما.
وهكذا تحولت قيمة مجتمعية التزمت المجتمعات الغربية بها قبل ان تلزم افرادها بالانصياع لها الى اساس صلب للتطوير والرخاء. فيما كان غياب تلك القيمة الحيوية من مجتمعات الشرق اساسا لانهيارها وتحللها. ويبقى السؤال الاهم مطروحا، الا وهو: كيف يمكن غرس قيمة التسامح الاجتماعي وقبول الاخر بين افراد وجماعات الشرق الذي ساده الرفض، التنافر والتناحر لقرون طويلة؟ وما هو ذلك الاساس الذي يمكن على اساسه جذب المجتمعات الشرقية حكاما وشعوبا نحو القبول والتسامح؟
ابتسام على حسين