تمثلات الهجرة المضادة للوطن الأصلي -قراءة في ديوان- "قاعدة البطريق"(1) للشاعر المغربي مصطف
الشعر صناعة، هكذا قالت العرب، أي عمل دؤوب واشتغال مستمر على مستوى اللغة من أجل إدراك كنهها والقصي فيها، فباللغة ندرك العالم ونسكن فيه،إنها مأوى الوجود كما يقول هيدجر، والشعر هو الممارسة الإنسانية التي تروم الإمساك بما ينفلت من الديمومة وانسيابية الزمن، وهو يروم أيضا الإمساك باللحظة الأبدية، وبذلك يستحيل الشعر كشافا كبيرا للوجود الذي ظل منسيا، ويقظة دائمة لتحمل تداعيات الكائنات على الذات.
وبما أن الشعر-كما سلف- اشتغال لا ينقطع على اللغة، فان الشاعر يجهد جهده في خلق لغته الخاصة، أي بصمته الشخصية التي تميزه عن قبيلة الشعراء، واللغة الخاصة هي شخوص الجسد في الكتابة وداخلها، فلا ينبغي للشاعر أن يكتب بأيدي الآخرين، هذا التصور للكتابة الشعرية لا ينبغي أن الشاعر يكتب الفراغ من فراغ،فالشعر يتمتع بذاكرة حية تشكلت طبقاتها عبر تاريخ الكلمة. إذ حوار النصوص هو الطريق اللاحب لاغناء التجربة الشعرية والحفاظ على شجرة أنسابها.من تم كان النسيان الفعال شرطا للإبداع،سئل الناقد الفرنسي Brunitiére ما الأسد؟ فقال: خراف مهضومة،وإذا سئلنا ما النص الأدبي؟ نقول: نصوص مهضومة، تستحيل بكيمياء الشعر إلى نصوص ضد المألوف والاجترار.
قال فلاسفة الإسلام إن الشعر تخييل، أي هو قول يحرك في المتلقي عبر الصورة مجموعة من الاستيهامات والتخييلات، تختلف من متلق لآخر حسب قدرته على فك شفرات الرسالة الشعرية، فينتقل بذلك البحث في الشعر من المعنى إلى الدلالة، لأن المعنى يرتبط بقصدية الشاعر في حين أن الدلالة ترمي إلى قصد القارئ، فهو الذي يمدد حياة النص ويضفي عليها التماسك الخفي في قصد النص. فالقراءة هي الممارسة التي تتمكن من لم شعت النصوص، والغوص في باطنها ففي الباطن تتأسس الهندسة الخفية للنصوص عبر اكتشاف النواة الصلبة التي تفرعت عنها الأغصان الملتفة لغابة الكتابة، من هنا فنص الكتابة يتمتع ولا ينضو ثيابه باللمسة الأولى بل لابد من مراودته، والإصرار في المراودة، إن نص الكتابة مقنع، كل شيء فيه حجاب، وهتك الحجب وكشف الغطاء جدير بنا للإفلات من فخاخ النص ومكر الكتابة.
من خلال هذه التصورات يمكننا الولوج إلى العالم الذي يسعى الشاعر مصطفى غلمان لتشييده، هذا العالم تؤثثه مجموعة من العناصر الدالة في التجربة لديه، وفي تغييب الوعي بهذه العناصر، يستحيل الولوج إلى غرفه الموصدة، وحدائقه السرية. إن من بين الظواهر التي تستوقف الداخل إلى عالم الشاعر هي مجابهته للجدار السميك للمعجم الشعري الذي يمتح من الغريب اللغوي. وهي ظاهرة جديرة بأن نتوقف عندها ومساءلتها، فاللجوء إلى هذا المعجم يحقق للشاعر مجموعة من الوظائف، منها دعوة القارئ إلى اليقظة الدائمة وإعادة القراءة، وأيضا يضاعف هذا المعجم الغريب من الإحساس بالغربة لدى الشاعر، إلى موضوعة الغربة تكاد نهيمن على المجموعة. ومنها الرغبة الدفينة في إحياء ما اعتقده الناس قد قضى نحبه ودفن إلى الأبد في مقابر المعاجم. فاللجوء إلى بعث الغريب- في زمان العجب والغرابة – هو احتفاء بالحياة وتشبث بها. وهذا التصور يعتبر الخيط الناظم في التجربة الشعرية لمصطفى غلمان.
وأخيرا يحقق هذا المعجم للشاعر فسحة لخلق علاقات جديدة بين الكلمات، إذ الشعر ليس مفردات بل علاقات جديدة تزيل عن اللغة أوساخها التي تراكمت عليها من كثرة الاستعمال.
أما الظاهرة الثانية فهي ظاهرة الصور الشعرية الممتدة والمركبة، فاللجوء لهذا النوع من الصور يضفي نوعا من الوحدة داخل التعدد، ويحفز الذائقة القرائية على ملاحقة انعراجات الصور في مسارات متنوعة، مما يفتح أبواب التأويل ويجعلها مشرعة على الاحتمال والممكن، والشعر في جوهره كما يذهب الشكلانيون هو تفكير في صور. فللصورة أبعادا ظاهرية غير مقصورة وأبعادا باطنية تفتح النص على اشتغال نفسي عميق هو القاعدة الصلبة لتوليد الدلالات والإيحاءات.
لم يأت مصطفى غلمان إلى الشعر حافي اليدين، فقد أطلق من جعبته ثلاث طلقات، متباعدة في الزمن، كانت الأولى عام 1998 بعنوان"خاتمة لذبيب الوشي"(2) واشتملت هذه المجموعة الأولى على قصائد تحتفي بالحياة من حيث هي نهاية، فناء يتماهى و"أنا" الشاعر مترددا من جوى الكتابة ونفير البوح، بما هو انشداد لأفق يظل الموت حاجبه الخاص، وطعمه الذي يصطاد به لغة أشبه بالحفر في الظلام ، أما المجموعة الثانية، فنشرت في مدريد عام2000 تحت عنوان"ما جاء في الرؤية عند ازدحام الأثر"(3)وفي هذه المجموعة يضع الشاعر بروح صوفية، ومكاشفة أبلغ لمعاني الموت، علاماته الفارقة لمشاهدة رؤاه، على مرمى قلب يتوجس خيفة أن يضل الطريق إلى الحب، حيث الحب والموت يتوازيان، في مقام واحد، لايفرق بينهما سوى حدس الشعر. وتأتي مجموعته الشعرية الثالثة عام 2007 تحت عنوان"قاعدة البطريق" لتعيد التأمل في منجزه الشعري محاولة بذلك الحفاظ على البؤرة المركزية في تجربته ومجاوزتها إلى أفق شعري أرحب يحمل إرهاصات ميلاد جديد.
يتشكل عنوان المجموعة من كلمتين هما "قاعدة البطريق"، فالقاعدة تحيل إلى مكان الإقلاع والهبوط ومصاحبات هذه الكلمة تدور في فلك الحرب والقتال ورد في القرآن الكريم"واقعدوا لهم كل مرصد"، وكما سبق الذكر فللكلمة تاريخها الخاص، حيث أن كلمة قاعدة في العصر الحديث أصبحت كلمة تثير الرعب والهلع كما ارتبطت بحركة تحمل هذا الاسم، و" البطريق"طائر يطلق عليه "طربيد البحر" فهيئته المنتفخة تقربه من الطربيد الذي يستعمل في الحروب البحرية. وقد يتداعى العنوان ليشتبك شعريا مع رصد بعض من الانشغالات الحاضرة، وينفتح أفق تلقي العنوان من خلال استحضارنا للرمزية البعيدة لتوظيف الطائر في الكتابة الشعرية. فالبطريق طائر أليف وأنيق استلهم منه الشعراء قصائدهم خاصة في علاقته بالبحر كعالم مفتوح تجاه اللامحدود، وقد اكتسب هذا الطائر شهرته في عالم الأدب بعد أن أطلقت إحدى كبريات دور النشر البريطانية اسمه على كافة المطبوعات التي تصدرها. وفي مدينة سان فرانسيسكو توجد جزيرة معروفة باسم"جزيرة البطريق" يأتي إليها الناس لتأمل هذا الطائر الجميل والتعايش معه ككائن يمنحهم القدرة على التواصل مع الحياة في أعمق تصوراتها. لقد فقد البطاريق القدرة على الطيران منذ ملايين السنين نظرا لقضاء معظم حياتها في الماء، مما جعل أجنحتها تبدو كالزعانف، وهذا سر تفوقها في السباحة لدرجة الطيران في الماء، والبطاريق أنواع تقطن في نيوزيلندا واستراليا وشواطئ جنوب أمركا وجنوب إفريقيا، وفي أقصى الجنوب في المياه الجليدية (في قارة غير مأهولة في القطب الجنوبي)، وهي من الطيور المهاجرة، منها ما يهاجر في فصل الصيف وما يهاجر في فصل الربيع، ففي فصل الربيع تبدأ البطاريق في الهجرة الجماعية حيث تعود إلى موطنها الأصلي في الشمال، قاطعة مئات الأميال لتصل إلى مسقط الرأس، وهي شبيهة بسمك السلمون الذي يقطع مئات الأميال بعكس الماء ليعود إلى موطنه الأصلي ليموت فيه ويبعث الحياة في سلالته.
من خلال هذه المميزات والخصائص لهذا الطائر يبدو أن الشاعر وضع يده على الرمز الملائم لفضاء عوالمه الشعرية حيث الألفة والأناقة والعيش الجماعي والهجرة والعودة إلى الوطن الأصلي والغربة، فكل هذه الإيماءات استثمرها مصطفى غلمان في مجموعته الأخيرة إذ تلتف المجموعة حول رمزية البطريق المتعددة. فهذا الطائر الذي لايخطئ عائلته وسط الملايين من طيور البطريق ما يميزه هو الوفاء لزوجته يرتبط بها إلى الموت، ولديه نزوع فطري إلى دفء الأسرة، والارتباط بالوطن الأصلي رغم حياته المهاجرة.
يمكن للقارئ من خلال قراءة المتن الشعري للمجموعة أن ينتقي من ضمن هذه الترميزات رمزية الهجرة والمنفى، وقد تجلت هذه الرمزية خصوصا من خلال البورتريهات التي رسمها لشعراء يتقاسم معهم صداقات واختيارات فإذا ما استعرضنا أسماء الشعراء الذين احتفى بهم مصطفى غلمان سنجد أن القاسم المشترك بينهم هو الهجرة والمنفى الاضطراري أو الاختياري، والتواري والانحجاب عن الانتظار.
لقد عنون الشاعر المساحة التي خص بها مجموعة من الشعراء العرب والمغاربة بعنوان فرعي"نصب تذكارهم يحف أمكنتي"، وعنوان آخر له دلالة على هذا الاختيار "بدلات لحرائق المتنورين". منهم ألبير قصير عفيف، صلاح نيازي، عذاب الركابي، لطيفة الدليمي، عبد الرحمان مجيد الربيعي، كريم عجيل الذرعي وعلي القاسمي. وكلهم عراقيون عاشوا خارج موطنهم الأصلي، وظلوا يحنون اليه، ومن المغاربة كل من الشاعر الكبير محمد بنطلحة، والشاعر الراحل محمد الطوبي، والشاعر سعد سرحان، والطاهر لكنيزي وآية وارهام، ما يوحدهم هو اختيارهم للحجاب.
وقد اشتغل الشاعر مصطفى غلمان على نحت صور شخصية لكل شاعر على حدة انطلاقا مما يميزه به كل شاعر على مستوى الكتابة والحياة، يقول مثلا في البورتريه الذي رسمه للشاعر محمد بنطلحة، الذي ينتسب إليه الجيل الجديد في المغرب شعريا وذلك لقوة شعره وأناقته وتوأدنه واسترفاده من الموروث العربي والمنجز الشعري الغربي، إضافة إلى أنه شاعر له صوته الخاص:
يتبلر الماء جوهرا في السحاب
يتختر، يتقدس
في المغزل المسكوب
يتبصر
وقد حفه خواء الكرابة
وارعوى في كيده المتعفر
جن فراء حلقومه
باكيا، متكدسا
حتى غدا في ثلجه
ضامئا
في حشوه متجذرا
بعكس الماء تصبو المرايا
وتغفل الأضواء.
إن من قرأ شعر محمد بنطلحة وعرفه عن كثب يتبين أن مصطفى غلمان قد أدرك كنه موقف الشاعر إزاء العالم والآخر، وقد بنى غلمان صورة الشاعر من خلال استحضار عمله"بعكس الماء"وهو عنوان يعكس الرغبة في الإبحار ضد التيار وعكس المألوف فالشاعر سمك سلمون.
هذا النموذج من رسم البورتريهات شعريا يتعدد في المجموعة، باعتباره تحية وتكريما لشعراء تربطهم أواصر قرابة شعرية.
وفي سياق الاحتفاء بالموطن الأصلي، مسقط الرأس ودفء المكان، خص الشاعر مدينة مراكش بالتماعات واشراقات لاتخطئها العين، وكل ذلك من خلال استحضار تاريخها وما آلت إليه:
أنا المرابطية الحمراء بنور أغمات
أستعيد فراشاتي
فاكهة الروح
دافقة الحس مياده
لا مراكش سوى وجهي
نخيل يتحلل بياض الثلج
رقراقة سيول ملاذاتي
وعيوني الخميلة بهجة للسائحين
واني مليكة البين
شاهقة في حجم الباشق الثلجي.
ليستحضر كل مقومات حضارتها، ويرسخها شعريا، ويستحضر ساحتها الفاتنة والخالدة"ساحة جامع الحكي" حيث الناس قبائل شتى من ماء الكلام يترعون شهوة الوخز بالفرح الودود، وإنها بابل سعيدة، بابل اللذة.
كما تحضر موضوعة الحب الممزوج بتوجس البين واللاوصال، هذا التوجس انعكس في مجموع القصائد مما حرض الشاعر على الاحتماء نحويا بتواتر المثنى كصيغة نحوية تعادل رغبة الشاعر في التواصل مع القرين والفناء فيه:
أقبلك باقتضاب أطول
باحتدام أقل طولا
بانتقام مرتجل
باشتعال مهادن
أقرب بكثير من قضم المدى
أدق بقليل
من جناس مطبق
من ظلال تروم احتواء المطلق
ويضيف في السياق نفسه:
لزاويتين متنقلتين
منقسمتين
إلى وحدة
فيها الروح علامة الافتراق
أو الاختراق.
وكما سلف الذكر فان تجربة الشاعر يتعايش فيها الحب والموت، نجد أن موضوعة الموت تلقي بظلالها على عوالم الشاعر، بكل رمزياتها، إذ كل عمليات التلقين أو طقوس العبور تقطع واجهة من واجهات الموت، قبل الوصول إلى حياة جديدة. وفي هذا الاتجاه يصير الموت عند مصطفى غلمان قيمة نفسية تحرر القوى السلبية والارتكاسية وتجرد وتحرر المعراجية للروح. فالصوفية والأطباء وعلماء النفس سجلوا أن كل كائن بشري، في كل مستويات وجوده تتعايش فيه الموت والحياة إذ الموت شرط لحياة في مستوى عال وأرقى. ففي قصيدته المعنونة "تمارين غير محررة من إصحاح الموت" يقدم لنا مصطفى غلمان تأملا عميقا لهذا الذي يترصدنا في كل نفس وهذا الذي يقبل علينا برغبة جامحة ويجهز على ما تبقى من الأرانب، هذا الذي يباغتنا، يقول:
الموت الذي يستدير/ لا يستدير مرة واحدة
لايطيق العكوف على حفاف شارد من سفورنا
يستبيحنا مهما تخرطنا في تفاهات الحصون
وينفتح أنفه واسعا
كي يتلقفنا بجنون ناعم
ناعم جدا. . .
هذا المقطع التأملي في الموت يمكننا من استخلاص صنعة الشاعر في الكتابة وتمثلاته، نلمح بداية حضور النص القرآني كمكون من مكونات الكتابة الشعرية عند مصطفى غلمان، قال الله تعالى:"أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة"فهذا الموت المستبيح هو ما يفزعنا، لديه القدرة الرهيبة على الملاحقة والمباغتة، وبتعديل طفيف دال يقلب الشاعر الصورة التقليدية التي يجعل للموت يدا أوقدما "يد الردى". ليصبح الموت عند غلمان من خلال استيهام صاحب أنف عملاق يستنشق به الكائنات بجنون ناعم ويلقي بهم في هاوية مظلمة، فلماذا استحضار أنف الموت بدل اليد؟؟ أولا هناك خلفية تصورية للكائن الهباء الهش المضمحل القابل للاستنشاق، ثم هناك إحالة ضمنية ذات بعد نفسي هو الخوف من الاختناق وضيق التنفس المرتبط بتصور العدم والفناء، وفي هذا إحالة للشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي يقول في معرض تأمله في الخوف من الموت لدى الناس:
الف هذا الهواء أورث الناس الحمام مر المذاق.
فالخوف من الموت ما هو خوف من الاختناق وإرهابه. وكثيرا ما وقعت الإحالة في معرض الحديث عن الموت إلى حاسة الشم. قال أحدهم وهو يصف نفسه لحظة الاحتضار "كأني أتنفس من خرم إبرة"
إن تجربة الشاعر مصطفى غلمان في "قاعدة البطريق" هي تتويج لمرحلة شعرية سابقة وايدان بانعطافة نحو الذات في بعدها الكوني المنفتح، وما الموت فيها إلا أفق لانبعاث حياة أرقى وأفضل.
هوامش
* ناقد وباحث مغربي من مراكش
(1)- "قاعدة البطريق" ديوان شعر، مصطفى غلمان، دار الحرف/ القنيطرة- 2007
(2)- "خاتمة لذبيب الوشي" ديوان شعر، مصطفى غلمان، دار وليلي/مراكش- 1998
(3)-"ماجاء في الرؤية عند ازدحام الأثر"شعر، مصطفى غلمان، دار ألواح/مدريد2000