Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
العراق: من إرث الماضي الى تحديات المستقبل.. بقاء العراق موحداً رهنٌ برحيل الإحتلال الأميركي!
 
يعود اليكم الموقع في حلته الجديدة راجين أن ينال رضاكم علماُ بأن أعمال التطوير قد تستمر لأيام قادمة ويسعدنا تلقي تعليقاتكم وأقتراحاتكم البنائه
 

الصفحة الرئيسية  |  عن الموقع  |  أسرة التحرير  |  الهيئة الإستشارية  |  إتصل بنا  |  مواقع  |  خريطة الموقع

ترسل المواضيع الى البريد الإلكتروني: editor@arabrenewal.com












 

 

 »  الصفحة الرئيسية  »  دراسات  »  دراسات عراقية  »  العراق: من إرث الماضي الى تحديات المستقبل.. بقاء العراق موحداً رهنٌ برحيل الإحتلال الأميركي!
العراق: من إرث الماضي الى تحديات المستقبل.. بقاء العراق موحداً رهنٌ برحيل الإحتلال الأميركي!
 د. عبد الحسين شعبان | نشر  01/9/2008 | دراسات عراقية
د. عبد الحسين شعبان

ولد في مدينة النجف الاشرف (العراق) في / 21 أذار (مارس)1945، درس وتعلّم في النجف و بغداد، وتخرج من جامعة بغداد (من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) و استكمل دراسته العليا في براغ حين نال درجتي الماجستير والدكتوراه (مرشح علوم) في القانون(دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية) واختص في القانون الدولي ( من اكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية).
أكمل دراسته العليا في العام1976 -1977 انشغل بقضايا حقوق الانسان منذ وقت - عمل باحثاًعلمياً ونشر العديد من الكتب والمؤلفات في ميادين القانون والفكر والسياسة الدولية وحقوق الإنسان والاسلام والثقافة والأدب منها : النزاع العراقي – الايراني-، الإنسان هو الأصل - مدخل الى القانون الدولي الإنساني ، الصهيونية المعاصرة و القانون الدولي – المدينة المفتوحة - مقاربات حقوقية حول القدس و العنصرية ، - أمريكا و الإسلام ............

 

عرض جميع مقالات د. عبد الحسين شعبان
العراق: من إرث الماضي الى تحديات المستقبل.. بقاء العراق موحداً رهنٌ برحيل الإحتلال الأميركي!

يمكن هنا أن نتحدث عن حلول ومعالجات دولية بعد أن دوّلت القضية العراقية، ولا يمكن حصر القضية العراقية بالأطراف العراقية فحسب، فهناك أطرافاً اقليمية، ومن دول الجوار العربي والاسلامي، وهناك أطرافاً دولية صاحبة قرار، إضافة إلى ذلك هناك الأمم المتحدة والحديث عمّا يمكن أن تلعبه من دور، خصوصاً إذا كان دوراً محورياً ومركزياً بتأكيد موضوع انهاء الاحتلال بسحب القوات المحتلة من العراق وفقاً لجدول زمني، والاتيان بحكومة عبر الأمم المتحدة، تحكم لمدة سنتين بتوافق اقليمي ـ عربي ـ دولي، وبشيء من التوافق العراقي، عند ذاك يمكن الحديث عن مرحلة انتقالية لانهاء الوضع الذي وصلنا إليه.

اعتقد ان هناك العديد من الأمور التي هي مصدر خلاف كبير، فهل هناك دولة عراقية، أم لا؟ هل الدولة العراقية التي نتحدث عنها تعود إلى 1350 سنة أي بالمصالحة " التاريخية" أو غير التاريخية بين الإمام الحسن ومعاوية؟ كما يذهب بعض من يريدون تفسير الامور على نحو " تاريخاني".

وما الفرق بين الرؤية لإستعادة الحق بالجهاد التي مثلها الامام الحسين، ورؤية الإمام الحسن " الصلح مع معاوية" والاعتراف به خليفة للمسلمين، وما هو الفرق بين الرؤية التصالحية- الاتفاقية والرؤية الاعتراضية الاستشهادية؟ فمن يؤمن "بالمقدسات" يعتبر هاتان الرؤيتان امتداداً لرؤية واحدة، ومن يؤمن باستخدام العقل وتدوير الأمور، سياسياً، وسوسيولوجيا، قد يتوصل إلى استنتاجات أخرى لسنا نحن الآن بصددها، بشأن اختلافهما!.

نحن نتحدث عن الدولة العراقية، وأنا أقول أن هناك أربع نقاط ضعف أساسية في الدولة العراقية التي أسسّت في 23 آب/أغسطس عام 1921، بالاتيان بالأمير فيصل، ملكاً على العراق، بدولة ساهمت فيها وفي خلقها وفي تأسيسها، حتى المرجعيات، لاسيما عندما طرحت نظرتها لقيام دولة مستقلة بملك عربي بالمواصفات المعروفة، وبدستور مقيّد، يعني مقيّد لسلطات الملك.

ان نقاط الضعف الأربعة، تكمن في أن الدولة كانت " أقلوية"، خصوصاً عبر قوانين الجنسية السيئة الصيت، التي ظلت مسماراً يضرب في رأس الدولة العراقية منذ تأسيسها حتى عام 2003، خصوصاً بالتقسيم السيئ الصيت الذي وضعه البريطانيون لقوانين الجنسية، عندما حددوا فئتي (أ) و(ب)، واعتبروا من كانوا من رعايا الدولة العثمانية هم من التبعية (أ) ومن كانوا من رعايا غير الدولة العثمانية، حتى وإن كانوا عرباً أقحاحاً هم من التبعية " ب"، وهذا الأمر شكّل محور قوانين الجنسية والمواطنة للدولة العراقية منذ تأسيسها، الأمر الذي كان عامل إضعاف لوحدتها الوطنية ولهويتها، وبهذا المعنى جرت عملية تهجير سكاني لا إنساني طالت حوالي نصف مليون مواطن عراقي وكانت عربوناً، للحرب العراقية ـ الإيرانية التي اندلعت، في 22 أيلول/ سبتمبر عام 1980 واستمرت لثمان سنوات.

سأوضح هذه المسألة أكثر، حيث تناولتها في كتاب صدر لي عام 2002 وعنوانه "من هو العراقي"؟، وكان الصحافي جهاد الزين يعرفّني به باستمرار في صحيفة النهار، فيقول فلان مؤلف كتاب من هو العراقي؟ وحسب قوانين الجنسية في العالم، إذا تأسست دولةً ما، يعتبر كل المواطنين الموجودين في هذه الدولة، قبل تأسيسها، هم مواطنون بالتأسيس إلاّ في العراق، اعتبروا من التبعية (أ) والتبعية (ب). وثانياً، لا يوجد قانون في العالم كله، حسب معرفتي المتواضعة بقوانين الجنسية، يشترط وجود الجنسية وشهادة للجنسية، فلا يكفي أن يكون للمرء جنسية وإنما ينبغي أن يكون لديه شهادة للجنسية العراقية، وهي التي تؤكد عثمانيتة من عدم عثمانيته".

وسابقاً لم يكن لقوانين الجنسية من معنى آنذاك؛ فأي واحد ممكن أن يكون حاملاً الجنسية العثمانية أو الجنسية الإيرانية أو غيرها إذا رغب بذلك.

دعني أذكر لكم هذه المفارقة التي نقلها الأستاذ حسن الدُجيلي؛ وكان وزيراً في حكومة عبد السلام عارف، ويناقش معه مشروع الدستور العراقي الموقت الذي صدر في العام 1964، فقد ورد فيه مواصفات تنطبق على الرئاسة وتم تفصيلها على مقاس الرئيس عبد السلام عارف، قال الوزير للمشير (الرئيس)"يا سيادة الرئيس، أتعرف أنني عربي بمحض الصدفة؟". قال له "كيف، أنت من الخزرج، والخزرج من العرب؟". قال له "نعم إن والدي ذهب من الدجيل إلى النجف للدراسة الدينية، وهناك جاءه القنصل الإيراني فعرض عليه الجنسية الإيرانية. فوافق والدي لأن فيها بعض الامتيازات، منها الحماية، ويمكن أن يزور قبر الإمام الرضا في مشهد، ويُستثنى من الخدمة العسكرية (الجندية)، فوافق والدي، فذهب إلى القنصلية لإملاء الاستمارات أو للحصول على الجنسية الإيرانية، فلم يجد القنصل، وفي المرة الثانية تقاعس، وهكذا أنا وزيرك عربي بمحض الصدفة الآن!! "

لو شاءت الأقدار وحصل والد الدجيلي على الجنسية الايرانية لأصبح إيرانياً واعتبر من التبعية غير العثمانية حتى وان كان عربياً أباً عن جد، علماً بأن الجنسية لم يكن لها من معنى آنذاك سواءًا كانت عثمانية أم فارسية لأنها لا تفصل في هوية المرء ومواطنته. هذا الامر حصل مع الشاعر الكبير الجواهري حيث ناقشت هذا الموضوع بكتابي عنه "الجواهري- جدل الشعر والحياة" الذيصدر منذ 11 سنة تقريباً، فعندما اراد أن يتعيّن بوظيفة معلم في عام 1926 اكتشف ان جنسيته ايرانية مما ادى الى فصله من قبل ساطع الحصري، الأمر الذي أثار ضجة تدخل أثرها الملك فيصل الأول فقام بتعيين الجواهري في البلاط الملكي ليحسم فتنة طائفية، تلك التي اندلعت لاحقاً اثر كتاب ألفه أنيس النصولي امتدح فيه الدولة الأموية وانجازاتها فثار البعض ضده معتبرين ذلك تنديداًً بآل البيت وقتلة الحسين بن علي، في حين انتصر له من يدافع عن حرية التعبير آنذاك رغم عدم اتفاق عدد كبير منهم مع آرائه.

أريد أن أقول إن هذه واحدة من المشاكل التي واجهت الدولة العراقية منذ تاسيسها واستمرت باستمرار قوانين الجنسية التمييزية، منذ القانون الاول الذي صدر برقم 42 لسنة 1924 وقانون رقم 43 الذي صدر عام 1963، ثم بقرارات من مجلس قيادة الثورة التي صدرت في فترة السبعينات. ولعل أخطر قرار صدر حول الجنسية هو القرار 666، في 7 أيار/مايو عام 1980 عندما أسقطت الجنسية عن أعداد من العراقيين إذا كانوا غير موالين للحزب والثورة، أي لاعتبار سياسي، فضلاً عن الاعتبارات الأخرى التي تعود الى الاصول بقرار من فقرتين. وبموجب هذا القرار، سُفِّر خارج العراق إلى إيران حوالي نصف مليون عراقي اعتبروا من التبعية الإيرانية بقرار لا سابق له في كل بلدان العالم.

الاشكالية الثانية التي عانت منها الدولة العراقية منذ تاسيسها هي ضعف البنى والهياكل الحكومية، وهشاشة التجربة الجنينية " الديمقراطية"، ورغم تقدم الدستور الاول واحتوائه على بنود ومواد متقدمة في حقل الحقوق والحريات واستقلال القضاء، الاّ ان تدخلات السلطة التنفيذية كانت صارخة في المجالس النيابية التي يتم تزويرها باستمرار وضاقت قاعدة الحكم لدرجة التبرم بأي رأي آخر، وخصوصاًفترة التحضير لحلف بغداد العام 1955 وربط العراق العراق بعجلة الاجنبي على نحو سافر.

والأمر الآخر، هو عدم الاعتراف بحقوق الأكراد فبعد الحرب العالمية الاولى ابرم الحلفاء معاهدة "سيفر"، التيأقرت بعض حقوق الأكراد عام 1920، لكنه جرى التآمر على هذه الحقوق بمعاهدة لوزان عام 1923 التي شرّعت على أساسها قوانين الجنسية لاحقاً، فاستبعد الأكراد من المشاركة السياسية ومن الاعتراف بحقوقهم، وبالتالي، بالاعتراف بهم وبلغتهم وإلخ..، هذه القضايا الإشكالية ظلت تنخر في جسم الدولة العراقية.

من تاريخ المرجعية

أعتقد أن هناك إشكالية حول دور المرجعية، وأعرف هذا الجو بتفاصيله، بما له وما عليه، وأتحدث هنا من زاوية النقد، والنقد الذاتي، فالمرجعية في فترات غير قليلة تخلّت عن أدوارها، وإذا استعرضنا المرجعية من عام 1920 إلى 2003، سنعرف الكثير من النواقص والثغرات، فهناك خلافات في الفقه، وفي الجوانب السياسية أو في الجوانب العملية لأطراف المرجعية، ناهيكم عن التأثير الاقليمي وبخاصة من طرف ايران.

لعل مرجعية 1920، عندما كان الشيرازي يتصدّرها هي التي دعت إلى ثورة العشرين، ضد البريطانيين، وقبله قاد السيد محمد سعيد الحبوبي مجموعة من رجال الدين بمن فيهم السيد محسن الحكيم الذي كان شاباً آنذاك ورؤساء العشائر وذهب إلى " الشعيبة " لمقاومة البريطانيين عام 1914 في الحرب العالمية الأولى. هذا الدور بدأ يتقلص تدريجياً، فقد اتخذت المرجعية موقفاً سلبياً من الدولة لاحقاً بسبب " أقلويتها " ومحاولات التمييز وبسبب نظرتها القاصرة الى العمل الحكومي والوظيفي الذي ظلّت حتى سنوات متأخرة تعتبره "محرّماً " وأن الراتب الذي يتقاضاه المواطن بحاجة الى فتوى خاصة. أقول هذا لأن بعض التنظيرات اللاحقة التي دعت، بين قويسات، "الشيعة" لقبول ما يريده الإحتلال لكي لا تذهب الدولة باتجاه الطرف الآخر مثلما ذهبت العشرينات، يوم اتخذت المرجعية موقفاً سلبياً منها.

لعل موقف المرجعية في العشرينات كان خاطئاً يوم دعت الى عدم التعاون مع الدولة بعد تاسيسها، رغم أن موقفها من الاحتلال كان صحيحاً. وموقفها حالياً خاطئ أيضاً بسبب مهادنة الاحتلال. دعوني أقول لكم إن المرجعية في العشرينات بموقفها من الاحتلال كسبت الوطن والوطنية حتى وإن كان تعاطيها مع الدولة خاطئاً لاحقاً بتحريم التوظف فيها باعتبارها دولة غير شرعية آنذاك، أما في 2003، وما بعده فقد خسرت الوطن والوطنية بسبب موقفها من الاحتلال، ومنذ العشرينات وحتى عام 1958 لم يكن للمرجعية دور يُذكر، باستثناء فتوى مهمة هي فتوى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء بالذهاب إلى فلسطين وإلى القدس والحج إليها من أجل فك الحصار الصهيوني عن الشعب العربي الفلسطيني لاسيما بعد ثورة 1936. ولعل استذكار بعض الوقائع مهم جداً الآن على صعيد الواقع العملي.

لماذا يُطلق العنان لعشرات الآلاف ومئات الآلاف من الناس للذهاب للزيارة إلى هذا المكان أو ذاك مع احترام كامل للطقوس والمعتقدات، الاّ أن حدوث مجازر وأعمال عنف قد تجعل رجل الدين الواعي والمتنور يستعيض أو يؤجل مثل هذه التجمعات خصوصاً اذا كان كلمته مسموعة، اقتفاءًا بأثر كاشف الغطاء بالحج الى القدس، فالضرورات تبيح المحظورات، أو أن للضرورة أحكاماً كما يقال. يمكن أن ترجئ الزيارة، أن يُستعاض عنها، بدفع تبرُّع على سبيل المثال، لبناء مدارس، أولبناء مستشفيات، أو لبناء مؤسسات، أو لتزفيت شوارع أو غير ذلك، كل هذا سيصب في التوّجه الروحاني نفسه الذي ينبغي للمرجعية أن تتخذه.

أريد أن أقول إن المرجعية بدأت تنشط بعد عام 1958، خصوصاً بصعود التيار اليساري الشيوعي، فقد أصدر آية الله العظمى السيد محسن الحكيم فتوى اعتبرت الشيوعية كفراً وإلحاداً، وبغض النظر عما ارتكبه الحزب الشيوعي من إساءات، او من خروقات وبخاصة لجهة الاستحواذ على الشارع بالقوة، لكن هذه مسألة تركت تأثيرات خطيرة لاحقاً، وأسهمت في انشقاق الشارع وعمّقت الخلافات السياسية القائمة.

وإذا كان بوسع المرجعية أن تفعل ذلك فلماذا لم تتصد للحكم السابق. يذهب البعض الى اعتبارها مرجعية صامتة كما أطلق عليها، في حين ان المرجعية الناطقة تم تصفيتها او تعرضت الى الرحيل واختارت المنفى، لكن الأمر أبعد من ذلك حين يقر السيد السيستاني حتى وان كان إكراهاً تنفيذ رغبة الحاكم بإصدار فتوى بالجهاد ومعه ايات الله بشير النجفي وإسحاق فياض والسيد محمد سعيد الحكيم، وهؤلاء من المراجع العظام حين وقعوا على بيان يوم 13 شباط/ فبراير 2003، قبل الحرب على العراق بشهر وأسبوع، يدعون فيه لمقاومة المحتل والتصدي له، أي أنهم رفعوا راية الجهاد.

ولكن أتساءل، وليست لدي إجابة إذا كانالسيستاني قد دعا للجهاد آنذاك، فماذا لو دعا الآن إلى مقاومة المحتل، هل سيكون خلفه نوري المالكي أو الجعفري أو السيد عبد العزيز الحكيم، أو حزب الدعوة، أو المجلس الإسلامي الأعلى، أو السيد مقتدى الصدر؟ أنا شخصياً أشك في ذلك، فالدنيا والدين في تعارض أحياناً، لا أدري؟ ولست متأكداً"؟ فالسلطة ملك عضوض كما يقال!!

وإذا كان السيستاني أو المرجعية يعتقدا أن الجمهور سيتبعهما فينبغي عليهما أن يتخذا هذا القرار، وإذا اعتقدا أن الجمهور سوف لا يتبعهما، إذاً ليتركا الأمر للآخرين وينصرفا الى شؤون الدين ويبتعدا عن السياسة.

هذه مسألة تثير الكثير من الأسئلة الساخنة الحادة التي تواجهنا نحن أبناء هذا الوسط ونعرف هذا الوسط بتفاصيله، نعرف إيجابياته وهي غير قليلة، ونعرف سلبياته وهي كثيرة، بما فيها " الخبايا والخفايا"، فنحن أبناء هذا الوسط وننتقد من موقع النقد والنقد الذاتي وأريد أن أقول أيضاً، هل " الأغلبية الشيعية" كما تُسمى هي التي تحكم ؟ أنا أشك في ذلك، فأي أغلبية هي التي تحكم؟ الذين يحكمون هم الاحزاب الدينية الشيعية ولا علاقة لهم بالاغلبية، وإذا اردت أن تقول ان 12 مليون هم الذين صوتوا لهم، فساقول لك أنها لحظة من لحظات تزييف الوعي، والدعم والتداخل الخارجي، واستثمار فترة الاستبداد الطويلة الأمد لـ 35 عام، غضافة الى قانون انتخابي رديء!!

أنا أشك إذا استطاع أحداً فيهم أن يدعو الى تظاهرة من 50 ألف شخص في كل العراق. لا تقل لي إنهم يذهبون سيراً على الاقدام في زيارة نصف شعبان الى كربلاء أو في مناسبة دينية أخرى إلى سامراء، أو إلى النجف، أو في العاشر من محرم...، هذا شيء وهذا شيء آخر. ولعل الذي كان يحرِّك هذه الجماهير المليونية في فترة الخمسينات لم تكن الحركة الدينية، ولم يكن هناك وجود لشيء اسمه حزب الدعوة أو المجلس الاسلامي الاعلى أو شيء من هذا القبيل، وشعارات هذه القوى، لم تكن شعارات دينية، أيضاً.

ان شعارات هذه الجماهير المليونية المسحوقة، التي كانت تمارس طقوسها ومعتقداتها المتوارثة كانت وطنية عامة تمجّد الشهادة وتنبذ الظلم. دعوني أتذكر، في سنة 1954، كان مشروع حلف بغداد، وكانت الجماهير في مناسبة " عاشوراء وصفر" قد نزلت إلى الشارع، الهتافات كانت "مشروع الجمالي، بالراديو حكا لي، ويريد يربطنا بحلف ما إله تالي، ويريد يربطنا بحلف ما إله تالي".

وفي سنة 1956 كان العدوان الثلاثي على مصر، والجماهير نزلت إلى الشارع تهتف "قالوا القائد جمال أرواحنا كلها إله، يا هلا، نريد مثله نمثله، يا هلا: "أمريكي بالدولار، وفرنسا أم العار، والثالثة بريطانيا، رمز الخباثة".

لم يكن هناك حزب الدعوة أو المجلس الاسلامي الاعلى أو حتى حركة دينية منظمة واستطيع أن اعدد لك من الذاكرة الآن العديد من الشعارات، فقد كان هناك نوع من الانفصال بين الحكم والشعب واستمر هذا الانفصال بين السلطة والشعب، سابقا وحالياً!!

جدلية الإحتلال والمقاومة

تبدو سلطة الحكم الحالية، سلطة أسيرة، معتقلة في المنطقة الخضراء. لا يستطيع أحد أن يخرج من هذه " الربع بلدية"، التي هي أصغر من الضاحية الجنوبية، حيث يقبعون في حماية بمساحة منطقة حارة حريك، ولا يخرج أي منهم إلى الشارع، ولا أحد يستطع أن يفعل ذلك، فحتى خروجه ودخوله الى المنطقة الخضراء مرتبطة بموافقة الامريكان وهؤلاء محميّون من قبل شركات أمنية مثل فرقة بلاك ووتر، وحراسها، وفرسان مالطا التاريخيين. ولدى فرسان مالطا، وشركة بلاك ووتر و160 شركة في العراق حصانة وحماية قانونية كاملة من القانون العراقي، ومن القانون الأميركي أيضاً.

لا يستطيع أحد منهم أن يفعل غير ذلك، فالرئيس جورج دبليو بوش تحطّ طائرته في الأنبار دون أي ابلاغ أحد من المسؤولين ثم يناديهم هكذا بالإصبع، فرداً فرداً من رئيس الدولة الى رئيس الوزراء الى نوابه وكأنهم موظفون لديه، فكيف يكون البلد المحتل إذاً؟ هكذا يتم الاصطفاف من رئيس الجمهورية الى رئيس الوزراء يأتون إلى الأنبار، ليحدثهم بوش عن شؤون دولة العراق المستقلة، ذات السيادة!!

هل سمعتم أن شعباً تحتل أراضيه ولا توجد فيه مقاومة وإن وجد هكذا شعب، محتلة أراضيه ولم يقاوم فماذا نسميه؟ أليس هو شعب من العبيد، فالشعب الذي لا يقاوم محتليه هو شعب من العبيد ولا أظن أن العراقيين هم شعبٌ من العبيد، الشعب العراقي شعب حيوي، نابض بالحياة، يريد الانعتاق، يريد الحرية.

نعم هناك انقسام في الصف السياسي، لمصالح أنانية ضيقة، لأسباب تتعلق بأمراء الطوائف، ثم الذين جاؤوا الى السلطة لا يوجد بينهم أحد يعتبر بحق رجل دولة بالمواصفات المعروفة. لاحظوا الارتجال والارتباك والتخبط فالدكتور أيّاد علاوي، يصدر قراراً بالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، وقلت في حينها إن هذا القرار شيء رائع وعظيم وكتبت رسالة بهذا الخصوص! معقول ان حكومة علاوي تقدم على الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، ولكن بعد أسبوعين بالضبط، ينسحب اياد علاوي من الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية، لا يبرر، لا يفسر، لا يعطينا شيء، لأن أمريكا منسحبة أصلاً من المحكمة الجنائية الدولية، وإسرائيل منسحبة من المحكمة الجنائية، فكيف يتجرأ وهكذا أصدرنا بياناً انتقدنا فيه هذه الخطوة بعد تأييدنا لانضمام العراق قبل أسبوعين من هذا التاريخ؟ ثم البرلمان يقيل رئيسه أو يعلق رئاسته لعدم كفاءته كما قيل، وبعد أخذ ورد، وأسبوعين من الجدال يعود الرئيس وكأن شيئاً لم يكن، أين الأغلبية؟ لا تعرف!!

ويطلب السيد عبد العزيز الحكيم من مجلس الحكم الانتقالي المصادقة على قرار " يلغي" بعض حقوق المرأة المكتسبة، والمثبتة في القانون رقم 188 الذي اتخذ عام 1959. ثم يصل القرار هذا إلى بريمر، ويكتشف الاخير هذا القرار، ويقول "ما هذا الكلام"، هل هؤلاء يلعبون على راحتهم؟ نحن نقول كوتا للمرأة، وهؤلاء يأتون ويلغون القرار"، ويعترف ببعض حقوق المرأة، فيعيد الكرة إلى المجلس مرة ثانية، ويطلب منهم التصويت، فيسقط القرار، الذي اتخذه السيد عبد العزيز الحكيم في فترة إدارته للمجلس.

يتخذ رئيس الوزراء نوري المالكي قراراً بوقف "بلاك ووتر"، ولكن بعد يومين يعتذر الناطق الرسمي باسم الحكومة، من "بلاك ووتر"، ويبرر بأن عليها (فقط) أن تراعي القوانين والأنظمة. ولعل هناك نقصاً في القانون الدولي الإنساني، فيما يتعلق بمحاسبة الشركات الامنية والمرتزقة، وهذا يعني ان هناك ضعفاً إلى حدٍ ما، وهناك بعض القواعد تشير إلى ذلك، وتسقط عنهم الحصانة، ولا تعترف بهم كأسرى الحرب، إذا ما تجاوزوا أو دخلوا طرفاً في الصراع، لكن هناك بشكل عام ضعف في هذا الموضوع وهو الذريعة التي يتعكز عليها المسؤولين!

فما السبيل لتجاوز الوضع الراهن ؟ أعتقد أن أطرافاً من داخل العملية السياسية وأخرى من خارجها يمكنها أن تتوافق على أساس ثلاث نقاط: انسحاب القوات المحتلة من العراق، بوضع جدول زمني، إحالة الأمر إلى الأمم المتحدة وتمكينها من إدارة شؤون العراق، بالتعاون مع حكومة عراقية لمدة عامين مثلاً، حكومة محايدة، من "تكنوقراط"، وبالطبع أن تحظى بدعم اقليمي ودولي على إعادة الاعمار ويمكن أن يشترك أناس من داخل العملية السياسية، وأناس من خارج العملية السياسية، في هذا الإطار، بما فيهم بعض أطراف المقاومة، واجراء الانتخابات على اساس التعددية وعبر قانون انتخابي جديد.

إذا وصلت الولايات المتحدة إلى طريق مسدود، وفشلت استراتيجيتها، العسكرية والسياسية في العراق، وتريد الانسحاب منه، كيف ستفكر الولايات المتحدة؟ هل ستترك العراق على طبق من ذهب إلى إيران، وهي تقول إن إيران تتدخل في الشأن العراقي ؟

اما حول الدور الايراني فهناك وجهان الأول يتعلق بموقف ايران من الاحتلال ومن الوجود العسكري الامريكي في المنطقة، ولعل أهم ما في إيران وأحسن شيء فيها، إنها طرحت المسألة على نحو واضح وصحيح منذ البداية، أنها لا تريد للاحتلال الأميركي أن يبقى في العراق، ولا تريد حدود مع الولايات المتحدة عبر العراق، لأنه إذا نجح مشروع الاحتلال في العراق، فإنه سيتمدد وستصبح إيران هدفاً، وسوريا هدفاً، وبلدان أخرى ستكون أهدافاً، فإيران ستفعل كل شيء لتكون بغداد خط الدفاع الأول، وهذا أمر طبيعي في العلوم العسكرية.

أما الوجه الآخر لإيران فإن لها أطماع تاريخية في العراق إضافة الى الأطماع الجيوسياسية سواءًا في فترة الشاه او في فترة الخميني وحكم رجال الدين " الملالي" كما يسمّون، وبهدف الحصول على مركز متميز للنفوذ تسعى إيران لتكون اللاعب الرئيس في العراق، وأحياناً بمضاهاة الولايات المتحدة عبر قوى وجماعات سياسية قريبة مذهبية منها أو حتى بعيدة.

ان مصالح الدول والعلاقات الدولية تاريخياً، هي صراع واتفاق مصالح، ولذلك أنا هنا أدعو، ودعوت منذ الاحتلال لاسيما بعد اتساع دور المقاومة الى صفقة ايرانية- امريكية حول العراق، أساسها انسحاب امريكا من العراق، مقابل تعهد إيران بعدم التدخل في شؤون العراق، وأعتقد وهذا مجرد اجتهاد أن الأمر سيكون لمصلحة العراقيين ولمصلحة حسن الجوار بين العراق وإيران، ولمصلحة مشروع إيران السياسي الاستراتيجي البعيد المدى، كما أنه سيكون لمصلحة مشروع وطني عراقي. ان من مصلحة إيران أن تقيم صداقة مع العراقيين، ومن مصلحة العراقيين، بجميع تياراتهم، واتجاهاتهم، أن يكون لديهم عمق استراتيجي اسمه إيران، خصوصاً لموقفها المتميز من قضية القدس ومن القضية الفلسطينية تحديداً، ومن الصراع العربي ـ الإسرائيلي بشكل عام، فوجود ايران كصديق منتظر ومرغوب ومحتمل خير من عدو جاهز وخصم قائم وجار غادر، والعكس صحيح أيضا بالنسبة لإيران.

وفي إحدى محاضراتي في منتدى الفكر العربي الذي اسسه ورعاه الأمير الحسن في عمان وكان السفير الإيراني حاضراً، وكانت المحاضرة بعد مقتل الزرقاوي بأسبوعين، في (28 حزيران/ يونيو 2006)، فكتب لي ورقة حيّا فيها موقفي من جهة إزاء الاحتلال ومن جهة أخرى عتب علي لأنني انتقدت إيران كثيراً على تدخلاتها في العراق إضافة الى اشاراتي حول دور المرجعية من خلال تناولي لكتاب بريمر " عام قضيته في العراق"، وقلت أنا أدعو لصفقه إيرانية ـ أميركية وشرحت الاسباب.

وبالنسبة إلى الدستور وسد الثغرات إذا أخذنا باب الحقوق والحريات فهو متميز بصراحة، ومن أحسن الدساتير العربية كلها، ولكن إذا أخذنا الألغام الكثيرة التي فيه، فهو خطير جداً، وأخطر من كل الدساتير التي سبقته، رغم انها دساتير شمولية. أولاً انه يعوّم عروبة العراق، وهي التي طبعت تاريخه الغالب. أتستطيع أن تعوِّم الأمة الفارسية؟ علماً أن الأمة الفارسية لا ترتقي إلى 50 في المئة من المجتمع الإيراني. بينما الأمة العربية أو عرب العراق يؤلفون أكثر من 80% من المجتمع العراقي.

ثانياً، أنا أتحدث عن إضعاف سلطات الدولة الاتحادية لحساب سلطات الاقاليم، وكذلك اشكالية توزيع الثروات، وخصوصاً موضوع النفط والغاز، غير المستخرج الذي ينبغي ان يكون تحت اشراف السلطة الاتحادية. كذلك الجيش ينبغي أن يخضع للسلطة الاتحادية التي لها الحق في الاشراف على القوات المسلحة في كل العراق، أي أن يكون لكل العراق، جيش واحد، لإدارة واحدة، إلخ.. من القضايا والألغام الخطيرة التي توجد فيه (الدستور)، موضوع الفيدرالية الذي كما قلت انني معه لكن ما ورد هو أقرب الى التقسيم منه الى النظام الفيدرالي العصري، أنا قلت إني مع مبدأ الفيدرالية لأنه مبدأ عصري ومتطور، لكن الذي ورد في الدستور لا علاقة له بالفيدرالية.

أختم بما ذهبنا إليه، هل سيبقى العراق موحداً؟ هذا سؤال خطير فنظرية "شيعستان"، و"سنستان" لا أعتقد انها ستمر بسهولة، ولكنها قد تمرّ اذا ما حصل استمرار في هذا الوضع، أي ان يصبح التقسيم أمراً واقعاً. في الدول والتاريخ والعلاقات، تحدث تقسيمات وتقاطعات حادة طائفية أو مذهبية أو دينية. لقد كانت الطائفية السياسية في السابق بين السلطة وفئات سكانية واسعة، أما الشعب فقد كان بعيداً عنها، أما الآن فقد أصبحت طوائفية مجتمعية، رأسية، لعب فيها أمراء الطوائف دوراً كبيراً. وإذا تكرّست هذه التقسيمات لسنوات طويلة، وأصبح لفئات معينة بعض المصالح سيكون التقسيم أمراً واقعاً، وربما سنصل في مرحلة ما أن نطالب بالتقسيم، باعتباره أحسن الحلول السيئة، وهذا يعني ان كل الحلول ستكون سيئة، وهذا ما يريده المحتل، ولذلك قد يكون قبول التقسيم أحسن الحلول السيئة.

لعل كل الذي يجري في العراق طيلة السنوات الأربع ونصف يُراد منه أننصل ونقول: أوقفوا الحرب الأهلية، أوقفوا الجثث المقطوعة الرؤوس، أوقفوا الإرهاب، ارحمونا قليلاً، لنقسم العراق (لا سمح الله)...، وعملياً قد يصبح الامر واقعاً، فهناك الآن "بلوكات" تطهير عرقي ومذهبي ديني.

إن مشروع جوزيف بايدن يقول " العراق ينقسم الى ثلاث تكوينات شيعية وسنية وكردية، توضع بينها نقاط للتفتيشـ "check points"، وهذه تحتاج لها 300 ألف جندي لكي يتم تطبيقها كما يُراد أن يخصص لها مليار دولار حتى تطبق.

إن ما يجري الحديث عنه، هو ما ذهب اليه كيسنجر في الستينات أو في السبعينات، ونحن الآن نناقشه باعتباره أمراً محتملاً بعد أن كان مستحيلاً أو شبه مستحيل. كان مجرد "يوتوبيا"، ولعل ما سنناقشه بعد 15 أو 20 سنة، هو كيف الفصل بين هذه الحدود أو تلك ؟ لا نأمل، ولا نتمنى ولذلك أنا أعتقد أن عدوى التقسيم العراقي ستنتقل إلى كل بلدان المنطقة، ودعوني أسمي؛ ستنقل إلى سوريا لا محالة، ستنتقل إلى المنطقة الشرقية من السعودية، ستمر مروراً مؤثراً في الكويت لتصل إلى البحرين، وإيران سوف لا تسلم من التقسيم لاسيما المنطقة الكردية، وتركيا سوف لا تسلم في التقسيم خصوصاً المنطقة الكردية أما لبنان، فهو معوّم، ولا وجود لدولة متماسكة ويُراد تحويله الى كانتونات.

وهناك التمهيد لصراع حماس ـ فتح فهو شكل من أشكال التقسيم (قطاع غزة والضفة الغربية)، والمملكة الأردنية الهاشمية يراد ابتلاعها وقد يكون بضم الضفة الغربية اليها أو لتنتهي الدولة الفلسطينية، ونصبح أمام كونفدرالية أردنيةـ فلسطينية، وحتى في مصر، يثار موضوع الاقباط، وفي المغرب العربي لديه مشاكل بشأن حقوق الأمازيغيين وكذلك مشكلة جنوب السودان ما تزال متفاقمة، فالصورة ما تزال كالحة وشبح التقسيم الكيسنجري ما زال يخيّم على المنطقة لاسيما بعد اختلال موازين القوى على المستوى الدولي وبعد التصدعات التي اصابت الحركة الوطنية العربية بجميع تياراتها.


اضف تعليق
تعليقات


خيارات المقال