Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
ثقافة الخبر
 
يعود اليكم الموقع في حلته الجديدة راجين أن ينال رضاكم علماُ بأن أعمال التطوير قد تستمر لأيام قادمة ويسعدنا تلقي تعليقاتكم وأقتراحاتكم البنائه
 

الصفحة الرئيسية  |  عن الموقع  |  أسرة التحرير  |  الهيئة الإستشارية  |  إتصل بنا  |  مواقع  |  خريطة الموقع

ترسل المواضيع الى البريد الإلكتروني: editor@arabrenewal.com












 

 

 »  الصفحة الرئيسية  »  دراسات  »  دراسات أدبية - ثقافية  »  ثقافة الخبر
ثقافة الخبر
 د. أحمد محمد المزعنن | نشر  01/7/2008 | دراسات أدبية - ثقافية
ثقافة الخبر

المبحث الأول: مقدمة في التربية والخبر والثقافة (تطوير المفاهيم)

تمهيد

من مظاهر التجديد في حياة الأمم المراجعة الدائمة لثوابت ثقافتها لما لهذه الثوابت من أهمية مطلقة للحفاظ على شخصيتها وتاكيد ومقومات وجودها،والثقافة العربية تقوم على مجموعة ثوابت تكون بناءً منهجيًا للصدق والموضوعية تستمد قيمتها من كونها في البعدين الزمني والمكاني لرحلة الإنسانية الحضارية اختصها الله بأمانة خبر السماء، وأناط بها واجب تبليغه، الجزيرة العربية والأقطار التي تقع في محيط تأثيرها وإشعاعها كانت محضن الخبر الصادق في رحلة الإنسانية عبر التاريخ، ولم تفلح كل محاولات حصارها وإعاقتها عن دورها الأزلي، وفي الوقت الراهن تعرضت ثوابت الأمة للغزو الفكري والمادي كان لأبنائها نصيب من الإسهام فيه مع الغزاة الذين وظفوا كل أساليب الكذب والتزييف لحشد التأييد والأنصار لهذا الغزو، ولا زلنا نعيش حالة يمكن أن نطلق عليها ثقافة الكذب الممنهج حيث يتمايز في الوقت الراهن هذا النوع من الثقافة التي عمل الخبر الإعلامي المعاصر بدرجة كبيرة على بلورته وتشكييله، ويوشك أن يصبه في قوالب تلغي المفاهيم الكلاسيكية للثقافة، وتخرج عن الحدود المنهجية التي أقرتها الدراسات والبحوث الأنثروبولوجية، وكانت عمليات التلفيق والكذب الممنهج للأحداث والأخبار التي سبقت ورافقت غزو العراق وتدميره واحتلاله عنوة، والمنطق التبريري المدعوم بالقوة من الدوافع التي جعلت من الضروري إعادة النظر في الطبيعة الإنسانية للخبر والثقافة التي يجري تشكلها، والتذكير بمجموعة الضوابط المنطقية لهذا المركب الفكري البشري.

إن مفهومنا للخبر ينطلق من الأولوية المنطقية في الصدق والثبات لخبر الوحي الديني وصورته العامة الإسلام، وشكله التعبيري اللغة العربية في آخر صورة لها وهي لغة قريش التي استغرقت كل اللغات (الأحرف التسعة)العربية في القرنين السابقين على بدء الوحي الإلهي على محمد صلى الله عليه وسلم في غار حراء بمكة المكرمة (نحلة، 2002).

نشرت الصورة الأولية لهذه المقدمة في فصل تمهيدي محدود لكتاب للمؤلف عنوانه: الخبر الإعلامي والبديل الإسلامي (الرياض، 2004) وفيما بعد حدث تطوير لمفاهيم هذا الفصل ليصبح المبحث الأول في هذه الدراسة بشكله الحالي القابل للتطوير أيضًا.

*****

لا تنفصل المفاهيم التي ستتم مراجعتها ومناقشتها وتطويرها عن قضية المعرفة العامة التي يصوغها ويشكلها الخبر الإعلامي المعاصر والذي كان في الكثير من جوانبه عامل هدم لثوابت الثقافة العربية التي يجري تسطيحها وإهمالها بشكل متعمد وغزوها بالتعليم الأجنبي تحت مسميات خادعة، كانت المرحلة الفارقة فيها في غرس الكليات والجامعات الأجنبية، وظل الغزو يتسحب تنازليًا حتىوصل إلى رياض الأطفال وما قبل الروضة في الحاضنات والمربيات الأجنبيات في البيوت اللاتي يقمن بالدور الثقافي البديل للأم العربية.

ومن الضروري إعادة النظر في الكثير من التحولات والأشكال المعرفية التي تكتنف الحياة العربية الحالية، ومن أوضح الأمثلة على ذلك الاختراقات المعرفية للكود الدلالي العربي للصراع مع العدوان الصهيوني، وطروحات الفكر اليهودي والأنجلو سكسوني خاصة في تشويه الفكر العربي وهز ثوابته واحتلال مواقعه في التأثير الفكري والمعرفي، وما يتم تسريبه حاليًا للقبول بنتائج الأمر الواقع الناتج عن حالة التفكك والضعف، ومن الضروري في أي عملية مراجعة البدء بالمستويات الأولية التي تشبه المسلمات الواقعية وأولها تحليل المكونات الأولية للخبر والثقافة وعلائقها ووسائطها.

*****

تجيب هذه المقدمة عن السؤالين التاليين:

ـ أين وكيف ومتى يبدأ الوعي لاكتساب الخبر في عملية التربية والتنشئة؟

ـ وما علاقة ذلك بتكون وتشكل الثقافة والمعرفة لدى الفرد في المراحل المختلفة التالية؟

إن ما يُطْلَق عليه الخبر عنصر من عناصر المعرفة، ومادة أولية للكل الذي يطلق عليه الثقافة، وهو كذلك أداة من أدواتها، والثقافة حالة أو محتوى عام للموروث الإنساني للفرد أو للمجتع أو للإنسان ككل، وهذا الكل الموروث ذو جانبين: الجانب المادي والجانب المعنوي، وهذا الكل يستغرق الحياة الإنسانية الواعية، ويعبر عن أثر أفعال العقل والفكر في الوجود، وهو في مدلوله النهائي دليل على ما نطلق عليه: الحياة، فنحن أحياء لأننا نمتلك شكلاً ما من الثقافة، ونحن أيضًا بشر لأننا كائنات ثقافية.

وتتشابك في كل من الخبر والثقافة أدوات ومجالات الغايات والوسائل، وتكمن الصعوبة في دراستهما من هذه الخصوصية المميزة لهما، وهي كونهما أمورًا يصعب تشخيصها على الرغم من توفر العنصر المادي فيهما، ولكن الجانب غير المادي هو الذي يجعلهما يستعصيان على التشخيص والبحث الأمبيريقي.

اكتسبت قضية الخبر أهمية كبيرة منذ فجر المعرفة الإنسانية، وكان همُّ المفكرين والحكماء منذ القدم ضبط الكلام الإنساني الذي كان المظهر التعبيري الأول للإدراك، ووضع القيود على القول والنطق بحيث يتصف بدرجة عالية من الصدق والموضوعية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بموضوع علميٍّ أو عقيدي أو أخلاقي، بحيث لا يخرج عن الغرض منه في نقل العلم، ووصف الحدث وصفًا أمينًا، والإخبار عنه بأبسط وأوضح وأدق صيغة، ذلك لأن القول ميدان خصب للأهواء، وفيه احتمالات واسعة ليُسْتَخْدَمَ في الأذى والضرر اللذين قد يتعديان الذات إلى الآخرين، وسارت هذه العملية في خطين متوازيين: خط الرسالات السماوية التي تتابعت وحيًا من الله سبحانه وتعالى؛لكي يظل المخلوقون من البشر على اتصال بخالقهم، وعلى بينة بما يرضيه وما يغضبه، والخط الآخر خط الفكر الإنساني الذي جعله الله ملكة وقوة في الإنسان، وقسمه بينهم على درجات متفاوتة لحِكَمٍ بعضها معلوم ملموس والكثير منها جزء من المقادير التي لا يعلمها إلا الله وحده، وكان الهدف منذ القدم رد المعارف والأخلاق إلى عدد من الضوابط والمبادئ والقوانين الموضوعية التي يلتزم بها الناس، ويحترمها المجموع بلا تمييز، وربط هذا الغرض بعملية التربية ربطًا صارمًا، فاهتم المربون على مستوى الأسرة وعلى مستوى المجتمع بتطبيقه، وجعلوه هدفًا لا حيدةَ عنه للتربية العقلية والأخلاقية، وكان منهج الإسلام في ذلك غاية في الدقة والكمال، كيف لا، وهو منهج من إبداع خالق الكون، ومبدع الإنسان، فهو أعلم بمن خلق، وبما يصلحه، وبما يقوم حياته، ويضمن سعادته، وعلى هذا المنهج قامت الحضارة الإسلامية، ونمت الثقافة الإسلامية في ظله طوال العصور.

أما الثقافة فهي عملية تراكمية تخضع لتأثير عوامل كثيرة تساعد على التشكيل الخلقي والعقلي والاجتماعي في مستوى البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية، وتشكل عوامل دافعة ومكونة لمظاهر الإبداع بمختلف أشكاله، وهي وثيقة العلاقة بالخبر كما حددنا الهدف منه في الفقرة السابقة، فإن من الأهداف الأساسية لعملية التثقيف أن تبلغ درجة من الدقة والموضوعية بحيث تصدر أقوال الإنسان وأفعاله عن مجموعة من المبادئ والضوابط العامة الملزمة للجميع، والتي تنال احترامهم، وفي هذه الحالة فإن أعلى درجة من الالتزام الواعي للسلوك هي تلك الدرجة التي يصدر فيها السلوك عن إرادة واعية بقيمة الضابط أو القانون أو النظام دون أن يساور الإنسان أدنى شك في جدواه، وهذه الحالة الفكرية هي أيضًا ذات صلة وثيقة بالتربية.

الخبر أبسط من الثقافة، بل تكاد الأخبار أن تكون الوحدات الأساسية واللبنات التي تكون المركب الذي نطلق عليه الثقافة، فما علاقة هذين التكوينين بالتربية؟

*****

1ـ فجر المعرفة:

يبدأ الإنسان حياته كائنًا صغيرًا يحمل في كيانه مجموعة ًمن الاستعدادات والاحتمالات التي جاءته عن طريق العوامل الوراثية من جهة أمه ومن جهة أبيه، وفي الشهور الأولى بعد الولادة تعتمد حياته بشكلٍ كليٍّ تقريبًا على علاقته الحيوية بأمه من خلال عملية الرضاعة والروابط النفسية الأولية المصاحبة لها، وتعمل الاستعدادات الجسمية والانفعالات وحالة الحساسية العامة في شخصيته على تكيفه للظروف والمتغيرات البيئية الطبيعية، ولا يكاد يُلاحَظُ وجود مباشر للخبر أو للثقافة في شخصيته في هذا الطور المبكر، ولكنه يكون موضوعًا لهما وهدفًا لتاثيرهما الذي يظهر على سلوك الذين يحيطونه بالرعاية والتربية والتنشئة الاجتماعية، فتأثيرهما في هذه المرحلة يكون بالواسطة، وتلعب علاقته البيولوجية والنفسية بالأم في هذه المرحلة على تحقيق النمو والاستقرار من خلال العمليات البيولوجية الأخرى المترتبة على الرضاعة كالنوم وتنظيم عمليات الإخراج، وحمايته من كل المؤثرات الطبيعية الضارة، وعندما تبدأ في التدخل في دائرة علاقاته عناصرُ جديدةٌ كالأب والأخوة والأقارب تتنوع استجاباته وتبدأ الاستعدادات تتخصص، وتتكون نتيجة لذلك الروابط العصبية والنفسية التي تتمحور حول الأشخاص الذين يتعاملون معه، والموضوعات المختلفة التي تؤمن الحياة والاستقرار والتوازن الحيوي، ويبدأ العقل والجهاز العصبي في العمل لتنظيم الاستجابات لهذه الموضوعات عندما تتدخل في المجال الحسي والإدراكي للطفل، ويتشابه الأطفال في هذه الخصائص العامة تقريبًا، باستثناء بعض المتميزين في الاستعدادات العقلية والجسمية حيث يبدون أكثر استعدادًا للتهيج، وأكثر نجاحًا في استجاباتهم التي تعبر عن نفسها أثناء عملية التكيف الأوليِّ للظروف الطبيعية والبيولوجية والنفسية.

وفي هذه المرحلة أيضًا لا تكاد تُلْحَظُ مركبات سلوكية أو معرفية لتلك العلاقات الأولى أكثر من الضحك والبكاء والمناغاة والأصوات العامة وبعض الحركات الإرادية التي تعبر عن الاستعدادات الكامنة في الأجهزة الصوتية والسمعية والنطق، والتي ستلعب عما قريب دورًا كبيرًا وفاعلاً في التنشئة الاجتماعية، ومن ثم في النمو المعرفي والتطور الثقافي، وعندما يتقدم الطفل في النمو الجسمي تتسع دائرة علاقاته وتتنوع المؤثرات التي تشكل مصادر للاستثارة، وهذا يعمل على تمركز انفعلاته حول موضوعات أكثر تنوعًا، وتباشر بذور العواطف والعادات والمركبات السلوكية الأخرى في التكون بمساعدة العمليات الإدراكية الحسية والعقلية، ويحدث ذلك كله في المرحلة التي تسبق تعلم اللغة الصوتية أولاً، فتبدا العناصر الأولى للعمليات الإدراكية ذات التأثير في التشكل الثقافي عن طريق الانفعالات المرتبطة بالغرائز والدوافع الفطرية، وتنمو مدركاته كمًا وكيفًا عن طريق ملاحظته لانفعالات مَنْ هم في محيطه ومَنْ يتعاملون معه، وتعتبر تلك الروابط العصبية العناصر الأولى للمعرفة، ومن ثم للثقافة التي هي صورة راقية ومتقدمة ومتطورة للوعي، ونتيجة تراكمية للخبرة وتعبير عن المعرفة والإدراك.

ومن المؤكد أن الصغير يبدأ في الفهم والإدراك قبل أن يكون قادرًا على التعبير عن المدركات التي تتراكم يومًا بعد يوم، فإذا نما سليمًا من العاهات، متمتعًا بقسط وافرٍ من الصحة فإنه يسير بنجاح خطوة خطوة في مراحل التنشئة الاجتماعية التي تعمل على إكسابه صفاته الإنسانية حسب المقاييس الاجتماعية لمجتمعه، وتتدخل في هذه العملية عوامل كثيرة من أهمها في الطفولة الأولى تعلم المشي واللغة الصوتية مترافقين معًا في الظهور والنمو والترقي ثم اللعب والتقليد.

ويساعد المشي على اتساع دائرة نشاطه، وإثراء بيئته بالمثيرات المنشطة للاستعدادات، وإثبات ذاته كباقي الذوات الكبيرة الحجم المتنوعة النشاط التي يتعامل معها، بل ويفوقها في نشاطه لأن الآخرين يكفونه مؤونة العيش، ويعمل التقليد على ربطه بالنماذج الإنسانية التي توائم بين ذاته وبين الآخرين، وتساعد اللغة الصوتية بشكل مباشر على ترميز الأشياء والأشخاص في العالم المحيط به، ومن ثم زيادة النمو العقلي والمعرفي تدرجيًا لبنة لبنة، وفي أثناء التعامل مع العالم الخارجي فإن الخبرات والتجارب تزداد كمًا وكيفًا، ويتم ذلك من خلال التجارب الحسية مدفوعًا بعوامل عقلية ونفسية تدفعه إلى الكشف والتعلم، وتضع هذه العمليات الأولى اللبنات الأساسية للثقافة، وهي أيضًا الوحدات الأولية للبناء المعرفي، وتعمل عمليات الأمر والنهي والثواب والعقاب وقوانين التشئة الاجتماعية الأخرىعلى المراجعة الدائمة للمدركات، وإقرار وتثبيت ما يشجعه المجتمع وما يحبذه، واستبعاد ما يعارضه ويزجر فاعله بل أو يعاقبه، وتلك العمليات هي أيضًا العمليات الُأولى للتقويم والتعديل الذي يساعد على نمو جزءٍ متعالٍ من الوعي وتشكيل قوة ذاتية ضابطة للسلوك متحكمة بالشخصية، وهي بدايات الضمير أو النفس اللوامة، ويتم ذلك إذا سار النمو بلا مشكلات اجتماعية أو نفسية أو بيولوجية تحول بين عمل العوامل المختلفة التي تتدخل في النمو، وتنحرف بالشخصية عن الإطار الموضوعي الذي يحقق شروط النمو الطبيعي.

2 ـ انبثاق اللغة:

تعتبر اللغة أهم مظاهر النشاط العقلي في الإنسان، وأول بداياتها في الظهور هو مايطلق عليه الأصوات الوجدانية، التي يدرب فيها الطفل أجهزة الصوت لديه: أولاً بشكل تلقائي غير مقصود مدفوعًا بنداء الفطرة، ثم يصبح هذا السلوك مقصودًا بالتكرار والشعور الأوليِّ بالرضا والسرور الذاتيين أو الموجهين إليه ممن حوله، وإن التجربة الإنسانية الأولى التي يستطيع فيها الطفل التعبير عن المدرك عن طريق رمز شكلي وتحويله إلى نص صوتي لهي تجربة في غاية الأهمية والحيوية، وقد تستغرق وقتًا أطول مما يعتقد، ولكنه وقت قصير قياسًا إلى العمر وإلى فوائد اللغة في عمليات الاتصال اللازمة لحياته، أو في أهميتها البالغة كمظهر لتميز الكائن الإنساني بالنطق الذي يتجلى فيه عمل العقل وإبداعه، ويتيح الفرصة لقوى الإنسان الأخرى للظهور والتميز، وتمكن الكائن الجديد من تكوين العلاقات الحيوية مع محيطه الطبيعي والاجتماعي، ولا تظهر هذه العملية فجأة، ولكنها تمر بمراحل تكاد تكون متقاربة عند معظم الأطفال مع اختلاف في بعض التفاصيل الشكلية، أي في نوع الكلمات وطريقة التعبير عنها، ويكون تعلم الطفل لها أولاً عن طريق التقليد (التقليد الصوتي) ثم بتنامي التجربة وتطورها يدخل عليها التعديلات الإبداعية الذاتية؛فتتوافر لها خصاص ذاتية وموضوعية في نفس الوقت، فهي ذاتية لأنها ليست متشابهة تمام التشابه في الأفراد في فئة العمر الواحد والبيئة الواحدة، وموضوعية لأنها قابلة للتشخيص والقياس والضبط والتحكم والتحليل والتفسير كظواهر منفردة مستقلة، وقد أمكن اكتشاف القوانين والضوابط المنظمة لها في كل مرحلة نمو، وتساعد اللغة على فهم الأشياء الخارجية ومسمياتها وخصائصها، ويكون ذلك أول عمل منظم يدخل في التكوين الثقافي للإنسان، منظم لأنه ينتج من عمل حسي وعقلي يكون غالبًا مقصودًا؛لأنه مرتبط باشباع الدوافع وإثبات وجود الذات المستقلة، ويلاحظ أن الأسماء الحسية تسبق معرفتها المعنويات، والاسم عادة يسبق الفعل في إدراك مدلوله، وسبرغور مفهومه، ولكن ثقافة الطفل ليست خالية تمامًا من المعنويات أو الأفعال، ولكنه يعبر عنها بلغة خاصة به، يبدعها عقله، ويساعده على تكوينها الموروث الإنساني لمجتمعه، والثقافات الشعبية السائدة في الأسرة و المجتمع عامة، فبعض أنماط التربية تُدْخِلُ في ثقافة الطفل كثيرًا من الصفات المعنوية الموجبة والسالبة في وقت مبكر، وأحيانًا يستخدمها الطفل ولا يعرف معناها إلا إذا ارتبط اكتسابه لها وقت التعلم والتقليد بمؤثرات حسية، وشحنات انفعالية تعزز عملية الاكتساب، مثل أن يقلد الطفل أباه بقوله: أنا بطل! وحين النطق بها وتكرارها يلح عليه والده أن يرفع قبضته عنوانًا للقوة، أو حين يطلب منه القيام بعمل ما فيلقنه بعض الألفاظ والصفات البذيئة، أو يوجه إليه بعض عبارات الزجر والتقريع من أي نوع، ويتوقع منه أن يستخدمها فيما بعد بنفس الهيئة التي اكتسبها عليها، وهذا المثال يبين لنا بوضوح طريقة انتقال الثقافة الإنسانية، ويوضح دور الكبير في نقل الخبرة، وفي تكوين الشخصية، وفي الجانب الآخر من الصورة يظهر النتائج المأساوية المترتبة على الإهمال أو النقص في العلاقة بين الوالدين والأطفال، ويدعو إلى الحاجة الملحة بضرورة العناية بالأبناء حتى يصبحوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم في مواجهة مواقف الحياة.

ومن ناحية أخرى فإن أنماط المعاملة والأساليب التي يتم بها تعزيز اكتساب الطفل اللغة في مرحلة تبعيته للكبار تعكس البعد الأخلاقي للجانب الانفعالي والوجداني للتربية، إن الملابسات المرتبطة بعملية التعلم ترافقها عملية تكوين العواطف المادية والمعنوية، وذلك عن طريق تمركز الانفعالات حول موضوعاتها نتيجة للتكرار والتعزيز الدائم لاكتساب الخبرة في قالب معين، ويوضح في هذه المرحلة وباستخدام اللغة أسس البناء الأخلاقي باستثمار (ما نحب وما نكره، وما نميل إليه وما نبتعد عنه) هنا تبذر بذور القيم والاتجاهات، وفي هذه المرحلة تعمل اللغة على تحديد ما سيكون عليه الطفل في المستقبل في عقائده ووجهات نظره، وتتحدد علاقاته مع غيره، هنا يتعلم الحب والتسامح والحوار وقبول الآخر، وسعة الأفق والنقاش المثمر وبدايات التفكير المنطقي، أو يحشوه الكبار والظروف المحيطة به بالكراهية والتعصب والفكر التسلطي، ورفض الآخر، وضيق الأفق والعنصرية، والتفكير المضطرب.

لقد عدد عالم اللسانيات الأميريكي تشارلس هوكت Charles Hockett ثلاث عشرة خاصية للغةِ الإنسانية، تشترك في تسعٍ منها مع لغات الحيوانات العليا في المملكة الحيوانية (شعبة الرئيسيات) وتنفرد بخواص أربع هي: 1 ـ القابلية لاستخدامها في الإخبار عن الماضي والتعبير عن الأحداث الماضية مما لا يستطيعه الحيوان 2ـ الخاصية الإنتاجية: أي القابلية لإنتاج كلمات جديدة 3ـ خاصية الانتقال عن طريق التقليد 4 ـ خاصية ازدواجية النمط.

ويهمنا في هذه المقدمة الخاصية الثالثة على وجه التحديد، أي الخاصية التي تُظْهِر أثر التقليد في انتقال اللغة وهذه الخاصية هي التي تربط اللغة بالثقافة ويرى هوكت " أن اللغة تكتسب بالتعلم، على الرغم من أن القدرة العامة على النطق بها عملية بيولوجية صرفة، ولهذا تتمثل العملية الثقافية في اللغة في قابليتها الانتقال من جيل إلى جيل، فتعفي المتعلم من الخبرة المباشرة، أي التعلم عن طريق المحاولات الفردية

أن العملية التعليمية للغة ذات قيمة حيوية لأن الطفل يستطيع أن يتعلم تجنب المخاطر قبل أن يواجهها بالفعل".

3 ـ اللغة والخبر والثقافة:

لا يعرف على وجه الدقة الوقت الذي يستخدم فيه الطفل الخبر في التعبير اللغوي، ولكن يفترض أن مجرد استخدامه للغة في عملية التواصل في السلوك البشري، أو في التعبير عن نفسه ومشاعره وأحاسيسه، أو في إصدار الأحكام على الأشياء والأشخاص والعلاقات والسلوك، كل هذا هو في حقيقته من قبيل الأخبار، وأبسط أمثلة يمكن أن نسوقها في هذا المجال هو أنك لو طلبت منه نقل معلومة ما لأمه أو لأي شخص آخر، فإن عمله هذا يتضمن استخدامًا لأسلوب الخبر، ولو سألته عن مكان شيء ما فأخبرك، فهذا هو الخبر، ولو سألته عن اسمه فأجابك، فهذا أيضًا خبر، ويصدق ذلك على كل المواقف الاجتماعية والعملية، ولو سألته عن أخيه فأجاب فهذا خبر، ولو لاحظت عليه الفتور والإعراض عن اللعب مع طفل لا يحبه، وأخبرك عن السبب فهذا خبر، وعندما يسأل هو أيضًا فإنه يمارس شكلاً من ثقافة الخبر، ومن أهم الأخبار التي يتقنها الطفل ويستخدمها تلك التي تتمحور حول الذات فيصبح قادرًا على الإخبار عن اسمه وجنسه وعمره وأسماء إخوته وأخواته وأهله وأقاربه وكل ما يتعلق به من الأشياء كالألعاب والملابس وأنواع الطعام والأدوات، وما يحب وما لا يحب، وهذه الأخبار هي بداية ثقافة الخبر بالمعنى المقصود من الخبر، وكلما نما محصوله اللغوي، واتسع قاموسه كلما أصبح قادرًا على ممارسة ثقافة الخبر بفعالية وكفاءة واقتدار، ويلعب نمط التربية الأسرية دورًا فاعلاً في تنشيط طاقات الطفل أو تثبيطها وإعاقتها.

ومن استقراء وملاحظة لغة الطفل في سنواته الأولى، ورصد أساليب التعبير الأولى نلاحظ أن الخبر هو أبسط أشكال التعبير الإنسانية، وأكثر التراكيب اللغوية تعبيرًا عن النشاط العقلي والحاجات النفسية الأساسية للإنسان، ولأنها تظهر في وقت مبكر من عمر الطفل فإن هذا الأسلوب له صفة العمومية؛لذلك يصح أن نعتبر الخبر أسلوب تعبير إنساني عن التوق إلى المعرفة، ومظهرًا مبكرًا للنشاط العقلي الذي يعبر عن حب الإنسان للاستطلاع والدفاع عن البقاء.

ومن الأمور التي تحفز النمو والتشكل الثقافي في مرحلة الطفولة أشكال الثواب والتشجيع المادي والمعنوي، وربط الصغير بجهاز القيم والمثل العليا والمعايير المعنوية لأسرته ومجتمعه؛بحيث يتعلق قلبه بالأمور المعنوية المتعالية عن المحسوسات، وفي ذلك يبرز أهمية دور القدوة السلوكية في كل الذين يتعاملون معه، وتظهر أهمية ذلك في السنوات ما بين 4 ـ 7 سنوات حيث يجمع رجال التربية وعلم النفس على أن بذور الشخصية لكل من الفتى والفتاة تتكون في هذا العمر، وبعد السابعة في الغالب تتمايز شخصية كل منهما ليتجه هو إلى عالم الرجال، وتتجه هي إلى العالم النساء.

4 ـ ثقافة الخبر المكتوبة:

ولكن النقلة القوية في تعلم الخبر تظهر في المدرسة فيما يتعلمه بأسلوب تقريري، فمعظم العلوم التي يدرسها في المدرسة تلح على ضرورة اكتسابها كتقارير إخبارية، وعلى هيئة أحكام تقريرية، بعيدًا عن الأحكام المعيارية، باستثناء دروس الفنون والأدب وبعض دروس التربية الدينية التي يطلب منه فيها إصدار أحكام معيارية للتأكد من اكتسابه لقدرة تمييز الخير من الشر، والحكم على ما يجب وما لا يجب من أنماط السلوك لديه ولدى الآخرين، وحتى في هذه المواقف يلح المربون على أن تتضمن أحكامه بعض الأحكام التقريرية أي الأخبار حتى يعتاد فيها على الصدق والحكم بناءً على معلومات صحيحة، والاختبارات المختلفة بعد نهاية كل عمل تربوي أو تعليمي أو تدريبي وسائل فعالة في تدريب الطفل على النقد العلمي، وإصدار الأحكام الصائبة على المواقف المختلفة.

نقصد بالخبر هنا شيئًا أشمل مما يفهم دارسو الإعلام، أو المهتمون بجهاز الأخبار في أي مؤسسة إعلامية، إنه أمر متعلق بعملية التربية في مرحلة اكتساب أصول المعرفة التي سيبنى عليها البناء المعروف بالثقافة.

والخلاصة: هي أن استخدام الخبر في سياق التشكيل الثقافي عملية مستمرة، لا تفارق الإنسان، تدوم مع الحياة، وباستمرار تدفق الأخبار من كل نوع عن الوقائع والأحداث في الحياة.

إن التجربة المدرسية في تعلم اللغة المكتوبة إلى جانب اللغة الصوتية تجربة في غاية الثراء والأهمية، ففي المدرسة تتفتح الطاقات اللغوية، ويساعد عليها فورة النمو واطراد وتسارع وتيرته، وتجلي مظاهره في كل نواحي الشخصية الإنسانية، وتعدد المواقف التعليمية اليومية في الجدول المدرسي وأنواع النشاط النظري والعملي، وفي تعدد الكبار والصغارالذين يتعامل معهم في المدرسة، وكل منهم له نفس الهموم، ويندمج بكل قواه في العمل الذي يقوم على المنافسة والتعاون.

ومن رحمة الله بالإنسان أن يسر له في كل مرحلة من العمر خصائص مغروزة في تكوينه الذاتي كشخصية متميزة، وفي طبيعة الأشياء حوله، وفي العالم الخارجي، وفي مجاله السلوكي من العوامل التي تجعل نموه متوازناً، ومن تلك الخصائص اللعب، وهو ميل أصيل في الكائنات، حتى في الحيوانات والطيور وغيرها، ويساعد اللعب على التدرب على الحياة الاجتماعية، وتمايز الأدوار في وسط طبيعي، وهو بذلك مجال خصب لإثراء الثقافة وتنوعها، وقد درس العلماء والباحثون هذا الميل، وعملت نتائج الأبحاث والدراسات على زيادة الاهتمام باستغلاله استغلالاً مقصودًا في الإعداد للحياة المستقبلة.

وتمثل المدرسة ـ وهي بيئة التربية المقصودة والتعليم المبرمج الهادف ـ مرحلة نقلة نوعية لفوران الثقافة المنظمة التي تكتسب في ظروفٍ مصممة سلفًا، وتوجه لإحداث تغيرات وصفات محددة في شخصية الطفل، وتتنوع العوامل الثقافية التي توجه سهام تأثيرها نحو هذا الكائن من كل حدب وصوب في هذه المرحلة، وتشترك الأسرة وبيئتها والمجتمع وعوامله وأوساطه في تلك العملية الإنسانية المتشعبة التي تحكمها النظم وتضبط عواملها التقاليد، وتنظم النتائج التي تريدها أن تتجسد في شخصية الطفل، وهنا تتابع مراحل عملية التشكيل الثقافي المقصود، وتستقر بنهاية مرحلة التعليم العام وقد أصبح الطالب على أبواب الرجولة، فتضمن المجتمعات بذلك درجة معقولة من التجانس الثقافي، والتناغم الاجتماعي، وهما من العوامل الهامة للاستقرار والثبات التي تسعى جميع المجتمعات إلى الوصول إليها في وضعها الراهن.

ومن الأمور الملاحظة في التربية المعاصرة طول الفترة الزمنية التي تتطلبها عملية الصقل والتشكيل والإعداد ؛ نتيجة لتشعب العلوم والمعارف وتنوعها، وكثرة فروع المعرفة التي تتطلبها الوظائف وتنوع الأدوار الاجتماعية في المؤسسات المدنية وغير المدنية في المجتمعات الإنسانية المعاصرة التي تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، وهذا يزيد من أهمية الخبر وثقافة الخبر، وتضع مزيدًا من الأعباء والمسؤوليات على عاتق المسؤولين عن التربية عامة، وتجعل مهمة الاختيار والانتقاء عملية شاقة تحتاج إلى جهود تعاونية على كل المستويات في الأنساق الاجتماعية، وزاد من عبء المسؤولية التغيرات العالمية التي وجدت فيها الكيانات الاجتماعية نفسها في خضم بحرها الزاخر بالاحتمالات الكبرى.

ولا شك أن الاتجاه العلمي في البحث والدعوات المستمرة إلى عقلنة الحياة تلح بأسلوب أو بآخر على ضرورة اعتماد الأساليب التقريرية التي تنحوها ثقافتنا المعاصرة وذلك بسيطرة المناهج الرياضية والفيزيائية ـ والتي كانت آخر تطبيقاتها علوم الحاسب الآلي ـ على التفكير الإنساني؛ فتفقده يومًا بعد يوم المسحة الرومانسية الشاعرية التي كانت من عوامل تجميل الحياة وتبسيطها وتخفيف أعبائها، فلا عجب أن تنتشر العلل والأمراض النفسية في المجتمعات الحالية بشكل يكاد أن يستعصي على الحل، ويعلق كل مهتم بالحياة والتطور والتغير على شماعة الثقافة كل ما يتوهمون أنه سبب من أسباب ما لا يستطيعون استيعابه من مظاهر التغير السريع في الحياة الإنسانية المعاصرة، والتي أسهمت التكنولوجيا والآلة عمومًا في ظهورها.

وبهذا نرى أن ثقافة الخبر لا تقتصر على الآثار الثقافية لأجهزة الأخبار في وسائل الإعلام، بل يتعدى الأمر إلى جميع أشكال الثقافة المكتسبة على هيئة أخبار وتقارير يعبر بها الإنسان دائمًا عن حيوية جهازه الإدراكي، وقد أدى تركيز وسائل الإعلام إلى سيطرة النموذج الإخباري التقريري للمعرفة والثقافة من خلالها، ومنحه الطبيعة الثابتة التي تتبادر إلى الذهن كلما تفوهنا بكلمة خبر؛ويرجع ذلك إلى خصائص الوسيلة الإعلامية والشروط التي فرضتها طبيعة مهنة الصحافة والإعلام عامة على الخبر بدافع اقتصادي أو مهني فرضته المنافسة والسرعة ودواعي التخصص الدقيق في الحياة على المستوى العملي والنظري إلى جانب العوامل الأخرى.

يقول عالم الإعلام المشهور ماكلوهان إن الوسيلة هي رسالة (Media is a message.) ولم يقل هذا العالم الكندي الكبير هذا القول عبثًا، وإنما نتيجة إدراكه لعمق تأثير الوسيلة الإعلامية كجهاز معقد في مضمون الرسالة بحيث أصبحت تتدخل في أساليب الإقناع والعمليات النفسية المرتبطة بها والمتعلقة بآلياتها.

5 ـ التناغم وعدم التناغم الثقافي:

يؤدي التجانس الاجتماعي على مستوى الأسرة والمدرسة والمجتمع، والثبات في أجهزة المعايير والقيم إلى حالة من التناغم والانسجام الثقافي في شخصية الإنسان منذ الصغر، ويعمل على تثبيت هذه الحالة تفرد مصادر التثقيف والتشكيل والتنشئة الاجتماعية، فالطفل الذي ينشأ لأبوين عربيين مسلمين في مجتمع عربي مسلم ويتلقى تعليمه في مدرسة عربية مسلمة، يتصف بالحالة التي أطلقنا عليها: التناغم الثقافي، في حين تقل فرصة حصول ذلك لطفل يختلف أحد أبويه في منابع ثقافته عن الآخر، وخاصة إذا اتصفت العلاقات بين الأبوين بالاضطراب وعدم الاتفاق على نوع التربية التي يقرران أن يتلقاها طفلهما في مراحل تعليمه، ولعدم التناغم الثقافي حالات تطبيقية كثيرة، وتزداد ظهورًا لدى فئات المهاجرين الشباب الذين تضطرهم الظروف إلى الزواج من الأجنبيات تحت ضغط الحاجة إلى الحصول على حقوق الإقامة، كما تظهر هذه الحالة في الأسر التي جاء كل من الأب والأم من أسر ذات مستويات اجتماعية وثقافات واتجاهات متباينة أو عندما يفرض على الطفل في سنوات عمره الأولى تعلم لغة قبل أن يكتسب لغته الأم، وغالبًا ما يؤدي فقدان التناغم أو ضعفه إلى ظهور مشكلات سلوكية لدى الأطفال يلاحظها المربون والعالجون النفسانيون.

6 ـ قد يكون التقرير كاذبًا:

وما دمنا سلمنا أن ثقافة الإنسان في هذا العصر تعود كما بدأت بتحولها إلى ثقافة التقرير فإننا لا بد أن ننتبه إلى أمر هام وهو في غاية الخطورة على مستوى حياة الإنسان الفرد، وعلى الجماعة وعلى الإنسانية عامة وهي: أن التقرير الذي يبدأ الإنسان قوله أو كتابته أو تأليفه أو استخدامه في الخبر قد يكون تقريرًا كاذبًا!وهذا في الحقيقة هو أهم أمر يلقي على عملية التربية بجميع أطرافها واجبًا أخلاقيًا، بأن يدربوا الصغير منذ بداية ممارسته الثقافة التقريرية على الصدق وقول الحقيقة، مهما كان التقرير المطلوب كتابته أو إلقاؤه قصيرًا ولو كان يقوم على فكرة واحدة فقط، وهذا ما يعتمده المعلمون في عمليات التقويم العلمي اليومي أو الفصلي، ويتطلب ذلك أحيانًا التسبب ببعض الآلام، والتنازل عن الأغراض الأنانية، والمصالح الذاتية للطفل، وهذان هدفان أصيلان من أهداف التربية الصحيحة، إن وظيفة أساسية من وظائف التربية أن نخلص الطفل من أنانيته الملازمة لتأثير الدوافع الفطرية، الالتي تكون ضرورية للنمو في السنتين الأوليين، ولكن الحياة لا تبقى فردية، بل يزداد يومًا بعض يوم، وبتكاثر البشر وزيادة فرص الانفتاح بين الأجناس والشعوب والدول التحول إلى الخصائص الاجتماعية، وهذا يتطلب غرس القيم الإنسانية العامة في الناشئة، وهي عملية ضرورية للعيش في العالم المعاصر.

وأكبر ما يخشاه الآباء والأمهات في الجو الإعلامي الحالي المشحون بالكذب والتدليس والتضليل بكل أشكاله وألوانه أن يمتد تأثيره إلى التربية في ظل التفسخ الأسري المتزايد، والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، إن التدفق الإعلامي والكثافة في المواد الإعلامية، والإصرار على الهبوط الدائم بالمستويات في الشكل والمضمون، وانهيار القيود في ضبط التعرض لتأثير هذا العمل التراكمي للإعلام، والانفتاح الذي لا ضوابط له، وسهولة افتتاح القنوات الفضائية، وانسحاب المال من المجالات الاستثمارية الفعالة التي يستفيد منه الجمهورالعريض من المواطنين، وتوسع القاعدة الإعلامية وتحولها من مجالات التوجيه والمعرفة البناءة إلى اللهو والترفيه الرخيص، كل ذلك وغيره كثير عوامل سحبت البساط من الوظيفة المعرفية والتثقيفية والبنائية للأسرة، وعلاج ذلك لا يكون إلا بطريق واحد لا ثاني له، وهو الرجوع إلى القيم الدينية، والإسلام في ذروتها باعتبار أنه دين الخبر الحق، دين التقرير الموثق ذي المصداقية المطلقة في تقديم المعلومة الصحيحة عن الموضوعات المركزية الرئيسة للفكر الإنساني: الله والعالم والنفس، إن الإسلام بهذا الصفة يقوم بالدور البنائي الوظيفي التي تتبناه النظريات الاجتماعية في تفسير الفعل والسلوك الاجتماعي ف يظل التحولات الكبرى للبشرية من العزلة والتباعد إلى الانفتاح وتشابك العلاقات والمصالح، والوظيفة المعرفية المنظمة للدين الإسلامي تعطي تقدم للبشرية بناءً وظيفيًا رصينًا من الأيديولوجيا والسلوكالفردي والاجتماعي المنضبط الذي يقي من الوقوع في مزالق الإثارة الإعلامية التي تؤسس حاليًا لثقافة الكذب في السلوك الفردي والجمعي والدولي.

تعليقات


خيارات المقال