في دستورنا القديم كان لرئاسة الوزراء ألقها وهيبتها. وكانت الصلاحيات الواسعة لرئاسة الجمهورية مشروطة بعدم التجديد للرئيس. وكلنا نذكر كيف تمكنت الشخصيات السنية من الدفاع عن وجهات نظرها ورؤيتها للبلد وهويته العروبية وإستقلاليته. فالرئيس الشهيد رشيد كرامي لم يحتج إلى دعم من أحد عندما إتخذ مواقفه الشهيرة التي أجلت إندلاع الحرب الأهلية لسنوات. ولا يهمنا هنا ما يقوله صحافي صدئ من هنا أو نائب مهترئ من هناك عن مواقف كبير من رجالاتنا. كما لا تهمنا قناعات الدمى المتحركة، من نوع نقار الخشب، ببراءة قاتل الرئيس الشهيد. فما يهمنا أن رئاسة الوزراء كانت ذات هيبة وكرامة وثقل ولم تكن وظيفة تليها وظيفة في مصرف خارج لبنان. هل تذكرون ممانعة الرئيس الحص للرغبات السورية يوم كانت رموز السوليدير تزحف تملقاً للرضى السوري. وهل تذكرون سهولة تخلي الرئيس عمر كرامي عن رئاسة الوزراء بسبب كلمة جرحت أذنه وبعض الآذان يجرحها الكلام. وهي لسيت حالة من لا يرف له جفن وسط لعنات أكثر من مليون مواطن لبناني له. فهل يصل موظفو وسياسيو القوائم الظلامية المعلبة، بشعار "زي ماهيي" إلى المستوى اللائق بكرامتهم الشخصية وكرامة من يمثلون؟. والجواب لم يعد مهماً لأن أصحاب الشأن لا يطرحونه.
المسألة في لبنان إذاً ليست مسألة انتخاب رئيس وهو ما أثبتته الوقائع. ولا هي مسألة دستور لأن واشنطن أثبتت قدرتها على إلغاء هذا الدستور والهزء به مهما كان شكله ومحتواه. إنها مشكلة تفجر عناصر الوفاق الوطني اللبناني القائم على أساس إتفاق الطائف. وهو معادلة نفعية مصلحية بين أقطاب اقليميين ودوليين فرقتهم سياسة اللجوء للقوة الأميركية. وإعادة اللحمة باتت تقتضي إتمام عودة التفاهم بين واشنطن والرياض ودمشق وطهران. وبما أن المشاكل البينية شديدة التعقيد بين هذه الأطراف فان الحل في لبنان متأخر إلى غير موعد محدد.
إلا أنه من الخطأ إعتبار هذه التفاهمات الدولية كافية لحل أزمة لبنان فبداية الحل لا يمكنها الإنطلاق قبل الخلاص من برلمان الشحن الطائفي والمذهبي والشحن المعاكس. ومعه الخلاص من تجاوزات الفساد الذي مارسته حكومة السنيورة بصورة ممعنة في إتقانها.
على صعيد طائفتنا السنية فان عليها العودة الى طابعها الإسلامي العروبي المعتدل والمتسامح بدل إسلام السوليدير الذي يمارس أقصى درجات التعصب وأقصى درجات إهمال الأخلاق والقيم الإسلامية في آن معاً.
إننا نخضع منذ سنوات لإذلال إعتبار إسلام السوليدير ممثلاً لطائفتنا السنية فإحتلال هؤلاء للمناصب السنية يتحول الى جروح تتعمق مع الوقت وتدفع بقطاعات واسعة من الطائفة باتجاهات بعيدة عن إعتدالها المعهود. فهل ندرك ان درهم وقاية خير من قنطار علاج ونقطع الطريق على ردود فعل قد لا تقف عند حدود السوليدير؟.
أعيدوا للطائفة حقوقها ورجالاتها وأعيدوا للبنان أناقة زعاماته وكرامة مناضليه ولا تتركوه في إيدي مرتزقة وقتلة ومنافقين وملفقين وفاسدين. وتذكروا ان لا حل للمسألة اللبنانية بدون هذه المراجعات. فهل تتصورون ماذا يعني قيام البرلمان الظلامي الحالي بتحديد الرئيس اللبناني القادم لست سنوات قادمة؟.
لمن لا يتصور ذلك ويجده طبيعياً نقول له جرب وانتظر النتيجة التي ستأتي نسخة عن مجموعة أفلام لبنانية معروفة بدقة. ومنها فيلم حلف بغداد وفيلم الحرب الأهلية اللبنانية وفيلم الإجتياح الإسرائيلي وفيلم تفجير المارينز والقبعات الزرقاء وغيرها من الأفلام.
لقد إختارت واشنطن لحربها العراقية شعار "الصدمة والترويع" وتمكنت فعلاً من نشر الصدمة والترويع في كامل المنطقة كما في لبنان. واليوم وبعد انتهاء مفعول الصدمة والترويع لا بد من إعادة نسج أوضاع المنطقة بمعزل عن وحشية الترويع. وما الدعم الأميركي غير المشروط لحكومة السنيورة الا محاولة لتمديد أثر الصدمة والترويع في لبنان قدر المستطاع. فهل يعاود الأميركيون السؤال "لماذا يكرهوننا" وهم على عتبة انتخابات جديدة تخلصهم من حماقات بوش وتتركنا نعيش مع هذه الحماقات ومع شخوصها!.