Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
صدَّام حسين:الذينَ في رقابهم دَمُهُ
 
يعود اليكم الموقع في حلته الجديدة راجين أن ينال رضاكم علماُ بأن أعمال التطوير قد تستمر لأيام قادمة ويسعدنا تلقي تعليقاتكم وأقتراحاتكم البنائه
 

الصفحة الرئيسية  |  عن الموقع  |  أسرة التحرير  |  الهيئة الإستشارية  |  إتصل بنا  |  مواقع  |  خريطة الموقع

ترسل المواضيع الى البريد الإلكتروني: editor@arabrenewal.com












 

 

 »  الصفحة الرئيسية  »  دراسات  »  دراسات عراقية  »  صدَّام حسين:الذينَ في رقابهم دَمُهُ
صدَّام حسين:الذينَ في رقابهم دَمُهُ
 د. عبد الإله بلقزيز | نشر  12/30/2007 | دراسات عراقية
د. عبد الإله بلقزيز
صدَّام حسين:الذينَ في رقابهم دَمُهُ

1

مشهدُ قَتْل

أَعَدُّوا مسرح الجريمة بإتقان. كلُّ شيءٍ أُعِدَّ بإتقان: المكانُ والزمانُ والأداةُ والشخوصُ الشهود. كان لابدَّ للقَتْل من مكانٍ يرمزُ لبيئةٍ سكانية عراقية يُرَاد أن يَجْريَ فِعْلُ القتل باسمها ونيابةً عنها، وأن يكون في عاصمة الرئيس المأخوذ من حُرَّاسه المُحْتلين إلى القتل، فكان حيّ الكاظمية ذلك المكان الذي قُصِدَ منه أن يقدِّم الإيحاء بانتصار بيئةٍ على أخرى وإمساكها «النهائي» بمصير العراق بعد تصفية رئيسِه.

وكان لابدَّ للقتل من زمانٍ شديدِ الإيحاء: عيد الأضحى. لا بدَّ من تنغيص مشاعر المسلمين. لابدّ من تذكيرهم في كل عيد أضحى بأن عليهم أن يتذكروا تلك المهانة التي تجرَّعوها فجر ذلك اليوم. لابدَّ من أن يفهموا أن غيرهم احتفل بِعِيدَيْن وأنه --منذ الآن- سيظل يحتفل بعيديْن للنَّحر: العيد الذي هو من سنَّةِ المسلمين من قديم الزمان و«العيد» الذي يُهِين السنَّةَ المسلمين في هذا الزمان ! لم يكن اختيارُ الزمان ممَّا حَصَلَ عفواً أو على غيرِ تبيُّنٍ وتقدير، لا بل قُصِدَ قصداً ليحملَ معه رسالتَهُ إلى «مَنْ يهمُّه الأمر»: ليس الهدفُ تصفيةَ رئيسٍ فحسب وإنما إلحاق الأذى الماديّ والمعنوي بمن يفترضون أنه منهم: أي هؤلاء الذين وَقَعَ فِعْلُ اغتيال الرئيس الراحل في فجر عيدهم، في «عاشوراء» ذي الحِجّة!

ثم كان لابدَّ من أداةٍ بدائيةٍ للقتل (= الحَبْل) ومن فِعْلٍ بدائيٍّ من أفعاله (= الشنق). ليس الهدفُ حرمانَ الرئيس المغدور من رغبةٍ عبَّر عنها بإعدامه بالرصاص حيث هو القائد الأعلى للقوات المسلَّحة العراقية فحسب، وإنما التعبير عن الحنين إلى أدوات القتل القروسطية التي جهَّزتْ مخيال القَتَلَة منذ مئات السنين. القتل رمياً بالرصاص لا يُشفي الغليل، فرؤية القتيل مشنوقا وجسده يتدلى أدْعَى إلى الاستلذاذ وإشباع غريزة الثأر. وذَلِكُم عينُ ما حَصَل للقَتَلَةِ من استلذاذٍ بالجسد المعلَّق المشنوق على ما كشف عنه الفيلم الهاتفي الردئ المبثوث على الشبكة العنكبوتية!

وأخيراً كان لابدَّ من شهود «رسميين» لحظةَ الاغتيال. ولقد جِيءَ بهم من جلاَّدين مُقَنَّعِين وحدهم كانوا في الصورة. وسرعان ما تحوَّلَ الشهود إلى متفرجين مهتاجين يقذفون الرئيس بمفرداتٍ طائفية. ثم تبيَّن -مع الأسماء التي فَاهَ بها المتفرِّجون صارخين -أنهم من بيئةٍ مليشياوية متحالفة مع السلطة القائمة. كأن الذين استقدموهم وأَرْخُوا لهم العنان للصراخ إنما أرادوا بذلك أن يَعْلَمَ الجميع أن الأمر يتعلق بقِصَاصٍ طائفيّ في المقام الأوّل!

هكذا أُعِدَّ مسرح الجريمة لِنَحْرِ فكرةٍ وإهانةِ أُمَّة! وما وراء المشهد، ارتسمت صُوَرٌ ثلاث في ذاكرة البشرية لأبطال المسرحية: صورة القاتل، وصورةُ المُوعِزِ بالقتل، وصورةُ القتيل:

بَدَا الأمريكيُّ -الذي أَوْعَزَ للقاتل بالقتل- «نظيفاً»، «بريئاً» من دم صدَّام على نحو ما حاول أن يصوِّر الأمور. فهو «لم يفعل شيئا» سوى أنه «أدّى الأمانةَ إلى أهلها» وانسحب من مسرح الجريمة. إذا كان القَتَلَةُ وحوشاً وغِلاَظاً ومُجَافين لكل المبادئ الإنسانية، فهو «ليس مسؤولاً» عن وحشيتهم وغِلظَتهم، وليس لأحدٍ أن يأخذهُ بجريرةِ أفعالهم! يُصَدِّق الأمريكيُّ روايتَه أو يأخُذُهُ الظنّ إلى أنها مُحْكَمَةَ البناء والإخراج. غبيٌّ هو -إذن- إنْ خَالَ العالمَ أغبياء، فالناس تَعْرِف -في كلّ أصقاع الأرض- أن الأمريكيَّ غَزَا بَلَدَ الرئيس المغدور غزواً غيرَ مشروع، ودَمَّر الدولةَ فيه والمؤسسات، وامتدَّت يَدُهُ إلى رمز الشرعية الوطنية فَأَسَرَتْهُ، واعترف له بأنه أسيرُ حربٍ «في عهدة» الاحتلال، وأقام له «محكمة» في ظل (أو في ظلام) الاحتلال وفي غيبة الشرعية والسيادة، وَوَكَلَ أَمْرَها إلى خصومه المحليين، وصمَّمَها على النحو الذي يُفْضي إلى تصفية الرئيس بأيدٍ عراقية، ثم نَقَضَ التزامه بوضع أسيرِ الحرب ليسلِّم الرئيس إلى قاتليه. المرءُ في حاجةٍ إلى غَبَاءٍ محترمٍ واستثنائيٍّ كي يصدّق روايةَ الأمريكيِّ عن نفسه وصورته «النظيفة» في هذه النازلة! أمّا البشرية، فما كانت في حاجةٍ إلى اغتيال رئيسِ العراق كي تَعْلَم أيُّ أخلاقٍ سياسية بربرية أصبحت تَحْكُم العالم منذ وصول المحافظين الجُدُد إلى البيت الأبيض!

ثم بَدَا القاتلُ في صورةِ طائفيٍّ متعصّبٍ مسكونٍ بالأحقاد التاريخية ونزعات الثأر المنحدرة من القرون الوسطى. بَدَا فقيراً إلى الحدّ الأدنى من القيم وهو يتعطش للدّم، وهو يَقْتُل، وهو يتشفَّى. حاول القاتل طويلاً، بمساعدة الماكينة الإعلامية الأمريكية (الأرقى في صناعة الكذب وفي التزييف)، أن يقدِّم نفسَه بما هو الضحية التاريخية لحقبة حكم الرئيس الراحل صدَّام حسين وما أُشِيعَ من رواياتٍ عن شِدَّةِ بَأسه على معارضيه. لكن البشريةَ ما رأتْ من القاتل غيرَ ما يُجَرِّدُه من امتياز تقمُّص دور الضحية ومن عائداته الرمزية والأخلاقية، فقد زَوَّدها بما يسمح بإعادةِ تأليفِ صورةٍ أخرى عنه بعيداً تماماً عن فرضية الضحية، وَوَضَعَ في حوزتها موارد إضافية لإقامة مقارنات بين ما كَانَهُ العراقُ في عهدِ رئيسِه وما أصبح عليه في عهد المشانق اليوم! القَتْل في عقيدة القاتل «عدالة» طبيعية (بصرف النظر عن أنه ما كان ليستطيع تنفيذ ذلك القتل لولا الاحتلال)، وقد يكون طقساً مألوفاً في يوميات مخياله السياسيّ العصبوي. أما عند البشرية المتحضرة، فالشنق فِعْلٌ همجيّ تَأْبَاهُ الأخلاقُ الحديثة وتشمئِزُّ منه نفسُ أيِّ إنسانٍ تَعَافَى من بقايا الغرائز الحيوانية فيه.

وأخيراً بَدَا القتيلُ بطلاً أسطوريّاً في نظر العالم. يذهب إلى نهايته بشجاعةٍ ورباطةِ جأشٍ غيرَ متهيِّبٍ أو وَجِلٍ، لا يُلْقِي بالاً إلى صراخ المتفرجين على موته، فلا يُبَادِلُ سُبَابَهُم بغيرِ عباراتِ رثاءٍ لِحَالِهم. نَطَقَ الشهادتين كأيّ مؤمنٍ سيَلْقَى ربَّه بهدوء. ذكَّر المسيحيين في العالم بشجاعة يسوع المسيح، وذكَّر المسلمين بعُمر المختار الشهيد، وفَتَحَ لنفسه صفحةً في سجلٍّ من كتب التاريخ لا تُدَوَّنُ فيها من الأسماءِ إلاّ أسماء. حتى الذين لم يحملوا شعوراً طيّباً تجاهَه، أو كانت مشاعرُهم نَحْوَه شديدَةَ التَّقلب والتأرجح، احترموا كبرياءَهُ الأسطوري وشجاعته، وأدركوا أن مَنْ يَقْوى على أن يكون كبيراً لحظةَ الموت لاشكَّ كان كبيراً في الحياة.

تلك كانت صورةُ الأبطال الثلاثة على المسرح: القاتل والقتيل والآمِرِ بالقتل. وحين تَخْتَتِمُ المشاهد، تَكْتَشِفُ أن بطلاً واحداً كان في الصورة: مَشَى إلى مصيره منتصب القامةِ، رافع الرأس؛ أمَّا القاتلُ وآمِرُهُ، فكانوا في جملةِ الكومبارس: البعض منهم اختفى عن عدسة التصوير، والبعض الثاني أخْفى وجهه بقناعٍ، والبعض الثالث يُدير النصّ من الكواليس. خرجَتِ الصورة من فضاء المشنقة الضيّق وخرجتْ معها الأصوات المهتاجة فَتَعَوْلمتْ وتَعَوْلم معها معنى القَتْل الوحشي وصورةُ القاتِل المسكونِ بغرائز القرون الوسطى! هل أدرك القاتل أيَّ طعمٍ مسمومٍ تجرَّعَهُ اسمُهُ مع عولمةِ صورة القتل؟ الأرجح أنه لم يدرك. كان ينتظر رئيساً خائفاً مرتجفا لحظة الموت كي ينتصر عليه، لكن صدَّام أبى إلا أن يُسَدِّدَ صفعته في اللحظة الأخيرة... فينتصر.

سعداء، ومعترضون، وخائفون

خَرَجَ مشهدُ التصفية الوحشي للرئيس صدَّام حسين من الفضاء الضيّق للمشنقة إلى العالم. نَقَلَتْهُ وسائطُ الاتصال إلى أركان الأرض ومعه الأسئلة التي فجَّرها فِعْلُ التصفية. لم تَنْتَهِ قصةُ القتلِ عند هذا الحدّ مثلما أراد القَتَلَة ومن أَوْعَزُوا لهم بالقتل: بدأت. وهي بدأتْ من عواصمَ سارعت إلى الكلام كي تَحْمِيَ سُمْعَةَ الجريمة وتُحِيطَ فِعْلَها بالاكسسوارات الكافية لتلميع المشهد. كان المُحْتَفُون بالتصفية صادقين الصدقَ كلَّه في الاحتفاء، لكنهم حَرِصُوا -وهُمْ يفعلون -على «تبرئة» فِعْل القتل من أيةِ تهمةٍ سياسية أو أهلية إلاَّ إنفاذ أحكام «العدالة» في مَنْ أجمعوا على تسميته بالطاغية! لم يكونوا بذلك مَعْنيِّين كثيراً بحماية القَتَلَة من تهمة تصفية رئيسٍ ذي اعتبارٍ لدى جمهوره وشيعتِهِ في العراق وفي بلاد العروبة والإسلام، والمُثْلَةِ به، بقدر ما كان يَشُدُّهُم ذلك إلى هدفٍ وحيد: تبرئةِ أنفسهم من التهمةِ ذاتِها باستعارةِ مفرداتٍ تتراوح بين «العدالة القانونية» و«العدالة الإلهية» وتنزيلها على حادثة الاغتيال توصيفاً وتبريراً.

رَقَصَتْ واشنطن ولندن وتل أبيب وطهران والكويت طرباً ونشوةً صباح ذلك اليوم. تبادَلَ الحاكمون فيها الأنخاب أو التمر والحليب. ها قد تخلَّصوا من قائدٍ عربيّ أرْهَقَ مصالحَهُم وأمنَهم، وتحدَّاهُم أمام العالم. بعضُهم خَسِر الحربَ أمامَه وتمرَّغت كرامَتُه تحت أقدام جيش الرافديْن، وبعضُهم فرَّ من أمام جُنده واستجَار بالقوى العظمى لإعادته إلى عرشه، وبعضُهم أصابتْهُ صواريخُه في مقْتَلٍ وهزَّتْ هيبته الاقليمية المحروسة بأَمْدَادِ أمريكا، وبعضُهم الأخير تحدَّاهُ وهو في عزِّ نشوةِ الظَّفر على نصف الكرة الأرضية. لم يَغْفروا له أنه اجْتَرَأَ عليهم وحَرَّكَ قارَّاتٍ ضدَّهم وأعاد الحياةَ إلى فكرةٍ ذَوَتْ وذبُلَتْ منذ رحيلِ آخر رموزها (عبد الناصر). كانوا مختلفين، فألَّفَ الاغتيالُ بين قلوبهم، وذابَ جليدُ العلاقة بينهم في سعادةٍ غامرةٍ مشتركة! سعادتُهم، إذن، تَدُلُّ عليهم؛ على ما أضْمَرُوهُ ويُضْمِرُوهُ للمنطقة التي خَرَجَ صدَّام حسين من رَحِمَهَا وللأمَّة التي حاول أن ينطق باسمها. لم يَقْتُلُوه وحْدَه، قتلوا الذين فُجِعُوا بمقتله. ولم يطربوا تَشَفِّياً فيه وحده، طربوا تَشَفِّياً في أهل أُمَّةٍ ومِلَّة. وسيتذكرهم العربُ والمسلمون في كلّ مناسبة سيكونُ عليهم فيها أن يتميَّزُوا الحلفاءَ والأصدقاء من الخصوم والأعداء.

لم يكن الأمريكيُّ السعيد (ومعه البريطانيّ والصهيونيّ والإيرانيّ...) وحْدَهُ في الصورة. كان الأوروبيُّ يجرِّب -من جهته- أن يكون حضاريّاً أكثر، فيرتفع عن غريزة الانتشاءِ بالقتْل البربريّ الذي أشْهَرَهُ معسكر السُّعَداء أُولاَء. كان موقفُه أخلاقيّاً من عقوبة الإعدام لأنه أوروبيٌّ، ولأن من يَقْبَلُهَا أو ينتشي بتنفيذها يعاني من نقْصٍ حادّ في منسوب الإنسانية لديه وفي القيم التي قامت عليها أوروبا. وقبل ذلك، كان شديدَ الاعتراض على شرعية «محاكمة» رئيسٍ تعرَّضَ وطَنُهُ للاحتلال على نحوٍ غيرِ شرعيّ من وجهة نظر القانون الدولي، وأقيمَتْ له «محكمة» من قِبَل الاحتلال، وجرتْ بعيداً عن معايير العدالة، وكانت سياسةً حتى النخاع، وكان الحكمُ فيها مُبْرَماً منذ اللحظة الأولى! ربّما تساهلتْ أوروبا طويلاً مع «محاكمة» تَخِزُ الضميرَ العالميَّ ولم تتدخّل في اللحظة المناسبة لتحرير فكرة العدالة من الاستغلال الأمريكي الرخيص الذي يحوِّل المعتدي إلى صاحب حقٍّ في إدانةِ المُعْتَدَى عليه! لكنها انتبَهَتْ -بعد أن «وقَعَتِ الواقعة»- إلى أن ضميرها باتَ رهْنَ امتحانٍ أخلاقيٍّ عسير، فسارعتْ إلى تمييز موقفها والنَّأْي بنفسها عن فضيحةٍ ستَدْخُلُ تاريخَ الأخلاق السياسية وتُضْرِمُ فيه سؤالَ الصِّدقيَّة.

ثم كان العربيُّ ثالثاً في الصورة. والعربيُّ هنا -حصراً- صاحبُ القرار، الحاكمُ بأمرِهِ ومشيئتِهِ، وبعضُ صحابتِهِ وآلِ بيتِهِ. لم "يُزْعِجْهُ" من مشهد التصفية سوى توقيتُه (فجر عيد الأضحى). أمَّا فِعْلُ التصفية في ذاته، فَمَا صَدَرَ عنه ما يُفِيدُ بأنه اعترضَ عليه إنْ باسم القانون أو باسم أيِّ مبدإٍ من مبادئ السماء والأرض! حتى أن رئيساً عربيّاً تَفَضَّلَ وقال ما معناهُ أنه تمنى لو تأجَّلَ تنفيذ «حكم الإعدام»، وسعى سعياً مشكوراً لدى رئيس الولايات المتحدة لتأجيل ذلك التنفيذ (جازاهُ الله على كريمِ رأفته)! ليبيا وحدها سترتْ عورةَ شقيقاتها ومَلَكَ رئيسُها الشجاعةَ السياسيةَ والأدبيةَ ليعترض على شرعية «المحاكمة» والاغتيال، وليحتفيَ بشهادة رئيسِ العراق حداداً وطنيا تُنَكَّس فيه الأعلام بعد أن طأطأت رؤوس العرب ونُكِّسَتْ! لم يفكّر أحدٌ من «زملاء» صدَّام حسين في النظام العربي في معنى أن يوافق على مبدإ تصفيته وفي ما قد ينالُ أيّاً منهم غداً -على خَلْفِيَّة هذه السابقة- من مصيرٍ مُشَابِه، فقد كان عليهم أن يصمتوا إرضاءً للبيت الأبيض. أما «احتجاجهم» على التوقيت، فمحاولةٌ منهم لِ«إرضاء» شعوبهم!

كانوا خليطاً إذن: سعداءَ راقصين، ومعترضين مستنكِرِين، ومُحْرَجِين وَجِلِين. وبين السعادة والاستهجان والجُبْن، كانت جريمةٌ سياسيةٌ جديدة تَمْتَحِنُ الضمير الإنساني وتَضَعُ كلَّ فريقٍ في المعسكر الذي يستحقُّه.

غاضبون

ما كان لأحدٍ أن يستغرب ردّ الفعل الشعبي العربيّ الغاضب على فِعْل التصفية الذي تعرَّض له الرئيس صدّام حسين. الأحرى أن يستغرب المرءُ صمتَ الناس عمّا جرى فيما لو حَصَل وكان صمتٌ. وقد يطيب لكثيرين -من المنتشين بتصفية الرئيس الراحل أو من المسكونين بشعور التشفي منه- أن يستعملوا مفردات الهزء من الشعوب ومشاعرها بالقول، مثلا، إنها قرينةٌ على غفلةٍ لديها وجَهْلٍ بمن يكون هذا «الطاغية» القتيل. وحين يطيب لكَ أن تَرُدَّ عليهم بالقول إن الذين بَكَوْهُ أو غضبوا لم يكونوا جميعُهم من «عامَّة» الناس بل كان في جملتهم مَنْ هُمْ من «الخاصة» (النخب، المثقفون، الأحزاب، الصحفيون والإعلاميون...) ممَّن يعرفون جيّداً ماذا جرى في عهد الرئيس الشهيد وما الذي يجري اليوم في عهد الاحتلال وحلفائه، تَجدُ منهم من يقول لك إن هذه النخب «عميلة» لنظام الرئيس صدّام دون أن يفسِّر القائلُ كيف يمكن لهذه النخب أن تكون عميلة لنظامٍ لم يعد موجوداً في السلطة ولرئيسٍ الْتَحَقَ بالرفيق الأعلى! دَعْك من أن القائل إيَّاه يستسهل أن يصف جيوشاً من المناضلين الوطنيين والقوميين والتقدميين العرب بِ «العمالة»! العميل لا يتصوَّر الآخرين إلاّ على شاكلته. ولأنه لا مبدأ له ولا قضية، لا يتصوَّر غيرَهُ إلاّ على مثله!

كان الغضبُ الشعبيُّ عامّاً وعارماً، وكان لكلِّ غاضبٍ أسبابُهُ التي حَمَلَتْهُ على إبداء فعل الغضب: بالكلمة مكتوبةً أو مذاعةً، أو بالهتاف في المظاهرات والاعتصامات، أو بإضراب النفس عن ممارسة الاحتفال بِعِيديْ الأضحى والميلاد، ثم بأحاديث الاستنكار التي لا تنتهي في المقاهي والبيوت وأماكن العمل.

ثمة أسبابٌ عديدة تفسّر هذا الغضب، وتتفاوتُ في الطبيعة بين أسبابٍ سياسية ودينية وقِيَمِيَّة بتفاوُتِ مستويات الإدراك لحادثةِ التصفية ودلالاتها. كثيرون تَمَلَّكهم الغضب لأنّ الفاعلَ (إدارة بوش) مُعْتَدٍ لا يملك الحقّ في التصرُّف في حياة رئيسِ دولةٍ اعتُدِيَ على كيانها وسيادتها وعلى شعبها بالغزو والاحتلال من دون موجِبٍ شرعيّ. وهؤلاء كثرةٌ كاثرة في البلاد العربية والإسلامية يؤلِّفُ بينها -على اختلافٍ في الرأي واللسان والكيان والجغرافيا- عداؤُها للسياسات الأمريكية ومغامراتها الدموية المتلاحقة في العالم، وفي بلاد العرب والمسلمين على نحوٍ خاص.

وكثيرون (منهم) تملَّكهم الغضب لأن تصفية صدَّام حسين عَنَتْ بالنسبة إليهم تصفيةً لفكرةٍ وطنيةٍ وقوميّةٍ مثَّلَها وعبَّر عنها الرَّجل بقطع النظر عمَّا يمكن أن تكون لديهم من ملاحظات عن الكيفية التي وَقَعَ بها ذلك التمثيل والتعبير عنها من لَدُنِهِ أو -بالأحرى- من لدن نظامِ «حزب البعث» في العراق. ويزيدُ من أوار ذلك الغضب أنّ التصفيةَ تلك إنّما قُصِدَ بها إحداثُ الضغط الماديّ والنفسيّ على المقاومة الوطنية في العراق للنَّيْل منها، والإيقاع بين العراقيين والنفخ في جَمْر انقسامهم السياسيّ الداخلي من أجل دفْعهم إلى مزيدٍ من الاقتتال بما هو المشهدُ السياسيُّ الأمثل لتمديد بقاء قوات الاحتلال في بلاد الرافديْن.

وكثيرون تَمَلَّكهم الحزن لأن تصفية صدَّام نَالَتْ من رمزٍ في مخيالهم الجماعيّ جَسَّد معنى البطولة. يصبح تغييبُ البطل، أو مَنْ رأوا فيه البطل، في مقام العدوان على الجماعة التي حَمَلَتْهُ في وعيها إلى مرتبة البطولة. وَصَفَ المذهبيّون والمتعاونون مع الاحتلال جموعَ الذين استنكروا الجريمة وخرجوا إلى الشوارع غاضبين بأنهم «أيتام صدّام» وفي ظنِّهم أنهم يُلْحِقُون الإهانةَ بالموصوفين أيتامَا. ما رأيُهم في أن هؤلاء الأيتام يُعَدُّون بعشرات الملايين؟! أمَّا إنْ قالوا إنّ تلك المناحَة الجماعية العربية التي أعقبت استشهاد صدَّام حسين دليلٌ على تَخَلُّف وعي النائحين والغاضبين والناقمين، فعندما يَصِحُّ أن يُرَدَّ عليهم بأنهم آخِرُ من يَجُوز له قَوْلُ ذلك وهُمُ الأبعد ذهاباً في تأسيس الوجود الإنسانيّ على "تعاليم" الحزن والتفجُّع. العرب والمسلمون مازالوا -حتى إشعارٍ آخر- مسكونين بكاريزما البطل. وليس كلُّ امرئٍ بَطَلاً. ومَنْ يُجَادلُ في رمزيةِ شهيدٍ لجماعةٍ منهم، يغامر بدفع تلك الجماعة إلى النيل من رمزية رموزهم وبإطلاق صِدَامِ الذَّاكرات... وبِئْسَ الصِّدَام سيكون!

أمَّا أكثرُ الغاضبين، فَأَتَى غضَبُهُم استنكاراً لِفِعْلِ امتهانِ المشاعر الدينية للمسلمين في فجر يوم عيد الأضحى. فلقد بَدَا القَتَلَةُ غيرَ معنيِّين تماماً بما الذي يعنيه استفزاز المشاعر الدينية تلك، أو غيرَ مقدِّرين لما قد يترتَّب على اختيار ذلك اليوم بالذات لتصفية الرئيس العراقيّ من تَبِعات سياسية ونفسية طويلة الأمد. وثمة احتمالان في نازلة القتل العَمْد: إمَّا أن القَتَلَة لم يقدِّروا تَبِعَةَ ارتكاب جريمتهم في فجر يوم عيد الأضحى، فيكونون بذلك قد حوَّلوا صدَّام حسين من شهيدٍ للوطنيين والقوميين والتقدميين والمقاومين إلى شهيدٍ للغالبية العظمى من العرب والمسلمين، أو أنهم (أعني القَتَلَة) قصدوا ارتكابَ جريمتهم في فجر ذلك اليوم لإهانة القسم الأعظم من المسلمين، فيكونون بذلك قد غامروا بدفْعِ من أُهِينُوا إلى النظر إليهم بوصفهم بُغَاةً خارجين عن الدين. هل ثمة من سبيلٍ إلى إطلاق الفتنة المذهبية أمثل من هذا؟!!!

2

الذين في رقابهم دَمُهُ...

لا مِرْيَةَ في أن تصفية الرئيس صدّام حسين بالوحشية التي شاهَدَهَا العالم، والتي تَنْضَح بقدرٍ مُخِيف من روح الحقد والانتقام المُجَافِيةِ للأعراف الإنسانية والقيم الحضارية، تَضَعُ المسؤولية في ارتكاب الجريمة على القَتَلَة المباشرين: الذين اتخذوا منهم قرار التصفية، والذين أجازوها، والذين نفَّذوا القتل، والذين كانوا عليه شهوداً مَتَشَفِّين هَائِجِينَ كجمهورٍ متفرِّج على مشهد مصارعة الثيران! لكن المنطق السليم يقول إن هؤلاء ما كانوا ليقترفوا ما اقترفوهُ لولا أنه جرى تمكينُهم من ذلك. إذْ لم يكن هؤلاء مَنْ أسْقَطَ نظامَ الرئيس صدّام حسين، أو أوْقَعَهُ في الأسْرِ، أو حدَّدَ توقيتَ تصفيته. كان الاحتلال (هو) مَنْ فَعَلَ ذلك كلَّه مُوثِراً أن يُنَفِّذ الجريمةَ عبر وكلاء، وأن يأكل الثوم بأفواه من ارتضوا أكْلَهُ دون حساب العواقب!

الرئيس صدّام حسين أسيرُ حرب. هكذا اعترف الاحتلال نفسُه حين وقَعَ الرجلُ في الأسْر غداة وشايةٍ من أحدِ ضِعَافِ النفوس. ولأسْرى الحرب شُرعةٌ تَحْفظ حقوقَهم وتحميهم من غائلةِ الانتقام. لكن سرعان ما نَقَضَ الاحتلالُ صفةَ أسيرِ الحرب ودَاسَ على أحكام القوانين التي تنظِّم حالة أسْرى الحرب فأقام له ولرفاقه "محكمةً عراقية" للنظر في «جرائم» النظام الذي أطاح به الغزوُ والاحتلال. وكان «الحاكمُ المدني» الأمريكي پول بريمر هو مَنْ وَضَعَ القانون المنظِّم لتلك المحكمة! وسيكون على الضمير العالمي، وعلى منظمات حقوق الإنسان الدولية والأمم المتحدة، إعلان موقفٍ مبدئي من هذه النازلة: إقامة محكمة في ظل الاحتلال وتقديم أسير حرب إليها لمحاكمته من طرف سلطةٍ محلية أقامها الاحتلال! القاعدةُ أن الغزو والاحتلال -وهو لم يَحْظَ بشرعية دولية- لا يملك تغيير الأنظمة والقوانين وإحداث غيرها في البلد الرازح تحت الاحتلال، وأن ما بُنيَ على باطل فهو باطل. تلك (هي) القاعدة في القانون الدولي، وعلى العالم أن يحفظ البقية الباقية من ضميره!

ثم ما لَبِثَ الاحتلالُ أن سلَّم «أسير الحرب» إلى أعدائه الداخليين وهو يعلم أن مصيرَه لن يكون شيئاً آخر غير التصفية. فجرَتْ «محاكمةٌ» أزيحَ فيها قضاةٌ متمسِّكون بشرفهم المِهْنيّ وجِيءَ بآخرين منحازين ضدّ الرئيس ورفاقه، وقُتِل فيها وفي أجوائها أعضاءٌ من هيئة الدفاع وطُرِدَ منها آخرون وهُدِّد الباقون...، وكان حكمُ الإعدام الجاهز سلفاً ينتظر لحظةً من الإخراج السياسيّ لِيَنْزِل. أمَّا الاحتلالُ، فاقترفَ جريمتَهُ من جديدٍ بأنْ سلَّم «أسير الحرب» إلى أعدائه لتصفيته!

ما الذي دَفَعَ الاحتلال إلى اعتبار الرئيس صدّام حسين أسيرَ حربٍ إذا كان سيسلّمه إلى خصومه لتصفيته مُبْطِلاً بذلك قرارَهُ باعتباره أسيرَ حرب؟

نعرف أنّ بين تاريخ أسْر الرئيس صدَّام حسين وتاريخ تصفيته نيِّفاً وثلاثَ سنين. وخلال هذه الفترة طرأتْ متغيراتٌ تراجعتْ فيها فائدةُ الاحتلال من تحديد وضْع الرئيس كأسير حرب، ونشأت حاجاتٌ سياسيةٌ جديدة لديه تراءتْ له نهايةُ صدّام حسين إشباعاً لها أو جواباً عنها:

لم تكن إدارةُ جورج بوش قد سارعتْ -قبل ثلاث سنوات- إلى تعيين وَضْعِ الرئيس صدَّام حسين كأسير حرْب (مباشرةً بعد أسْره) إلاَّ لأنها راهنَتْ على مساومته على «حريته» مقابل مخاطبته المقاومةَ بنداء وقف القتال والتفاهم مع الاحتلال والانخراط في «العملية السياسية». ولعلَّه وُجِدَ هناك -من العراقيين أو من غيرهم- مَنْ أقنع بوش وتشيني ورامسفيلد بأن الرئيسَ العراقيَّ جاهزٌ للتفاهُم مع الأمريكيين. وقد اقتضى الأمر من هؤلاء أن يُفَاوِضوه، وأن يبعثوا برامسفيلد إلى بغداد لمساومته. لكن صدَّام حسين لم يكن جاهزاً لأي أمْرٍ سوى أن يطلب من المحتلّين الرحيلَ عن العراق دون قيْدٍ أو شرط، وتَرْكَ شعبِ العراق حرّاً مستقلاًّ، متوعِّداً إياهم بالمزيد من ضربات المقاومة إن رفضوا الانسحاب. كان أكبرَ من أن يُسَاوِمَ على المقاومة -على نحو ما يكشف عن ذلك محضَر اللقاء بينَه وبين وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد-(1) بل كان شديدَ التمسُّك بها خياراً وحيداً لدحْر الاحتلال وتحرير الوطن. وعند هذه المحطة من مُمَانَعَتِهِ الثابتة، نضجت فكرةُ التخلص منه في عقل الإدارة الأمريكية على نحوٍ امتزجتْ فيه الرغبةُ في الانتقام من رجلٍ عنيد لا يتنازل مع «الأملِ» في أن تُفْضِيَ تصفيتُهُ إلى ضرب الروح القتالية لدى المقاومة وإشاعةِ حالٍ من الإحباط فيها.

ومثلما أتتْ تصفيةُ الرئيس صدَّام عقاباً أمريكيّاً له على رفضه المساومةَ على المقاومة، أتَتْ في امتدادِ اعتقادِ أركانِ إدارة جورج بوش أن قَتْلَهُ قد يوحي لدى الرأي العام الأمريكي بأن الإدارة أنجزتْ نصْراً ما في العراق بعد مسلسلٍ متَّصلٍ من النكسات العسكرية والسياسية التي منيت بها فيه. ومن المهمّ هنا أن يلاحظ المرء أن تلك التصفيةَ أعقبتْ مباشرةً صدورَ تقرير لجنة بيكر - هاملتون الذي أتى يوجّه صفعةً سياسيةً موجِعةً لسياسات الإدارة الأمريكية في العراق ويضعها في حالٍ من الانكشاف أمام الرأي العام الداخلي (النَّاقم عليها أصْلاً)، مثلما أتت عشيةَ إعلان جورج بوش عن «استراتيجيته» «الجديدة» في العراق. وفي الحاليْن، كان الهدفُ امتصاصَ نقمة الرأي العام والهجومَ السياسيَّ المعاكسَ للديمقراطيين وللكونغرس والإيحاءَ بأنه مازال قويّاً إلى الحدّ الذي يملك فيه أن يُهْدِرَ روحَ رئيسِ العراق ورمزِ المقاومة فيه!

وليس يَسَعُ العارفَ بأساليب الاحتلال وبمفردات السياسة الكولونيالية الأمريكية في بلادنا العربية أن يُسْقِط من الحسبان هدفاً آخر بعيدَ الأمد وخطيرَ النتائج في هذه السياسة من وراء إعدام الرئيس صدَّام حسين، وبالإخراج السياسيّ الذي جرى به ذلك الإعدام، هو دَقُّ الإسفين بين السّنَّة والشيعة وحَمْلِهِمَا معاً على الاحْتِرابِ: في العراق وفي الدائرتيْن العربية والإسلامية. فقد قضى ذلك الإخراج المحبوك بدقّة بأن يَبْدُوَ الشيعةُ في صورةِ الفاعلِ المباشر في عملية التصفية: من الشخص الذي وقَّع على قرار تنفيذ حكم الإعدام، إلى الذين شاهدوا عملية الإعدام وهم في حالٍ من الهياج يردّدون أسماء وعبارات تَنْضَح بالدلالات المذهبية، إلى جموع الراقصين طرباً لتصفية رئيسِهِم في مواقعَ سكّانية ناضحة بالمعنى (البصرة، كربلاء، مدينة الثورة في بغداد...)! أما الاحتلال، فَجَهِدَ كي يبدُوَ بعيداً عن المشهد. بل هو استغل بشاعة الإعدام كي يستنكرها لا لشيءٍ إلاّ لمزيدٍ من إيغارِ صدور أهل السّنّة على أهل الشيعة قصد دفعهما إلى المزيد من الصِّدَام، وتلك ورقتُهُ الأخيرة في العراق وفي المنطقة العربية بعد أن احترقت أوراقُه كافة. ولقد كان هناك أغبياءٌ انساقوا وراء غريزة الثأرِ وساعدوه -بكل أسف- على أن يَبْلُغَ مارَامَ الوصول إليه من إيقاعٍ مديد بين أبناء الوطن الواحد تحت عناوين مذهبية متخلّفة أشدَّ التخلّف!

،،، والذين في رقابهم دَمُهُ...

لا يمكن لمن أخذ حظّاً من المعرفة بتاريخ الإسلام الوسيط، وبملابسات الفتن والمواجهات بين الجماعات السياسية والمذهبية فيه، وبالأحقاد والضغائن التي رَسَخَت في النفوس...، أن يُخْطِئَ قراءةَ دلالاتِ التصفية التي تعرَّض لها الرئيس صدَّام حسين. وهي دلالات لا يشهد بها فِعْلُ التصفيةِ نَفْسُه فحسب، وإنما أيضاً -وأساساً- ما أحاط به من إِكْسِسْوَارات مذهبية أتتْ أفواهٌ لوجوهٍ مختفية تفوهُ بمفرداتها. ثم لم تلبث أن أفصحتْ قوى التصفية عن عنوانها المذهبي ونَفَسِهَا الثأريّ التاريخي حين فصلتْ رأس أخيه برزان عن جسده لإشباع الصورةِ المثالية لمعنى الثأر في نفسها!

تقول التصفيةُ في الحاليْن شيئا واحداً: العين بالعين والسّنّ بالسّنّ. وهي تفعل ذلك على قاعدة مُمَاثَلاتٍ تُجْرِيها بين المأخوذين إلى حبل المشنقة وبين «أجدادٍ» لهم اقترفوا جرائمَ شبيهة بجريمة إعدام صدّام حسين ورفاقه في حقّ رموزٍ دينية محطَّ اعتبار لدى المسلمين كافة. قد يكون صدامٌ -في هذه المماثلة- قرينَ معاوية بن أبي سفيان، وبرزانُ قرينَ يزيد بن معاوية. وقد يكونُ أيٌّ منهما مجرَّد عنوانٍ لجماعةٍ ينبغي الاقتصاص منها من أجل شفاء النفس من غليلٍ تاريخي مزمن! الباقي تفاصيل.

ثمة عطشٌ للدم والثأر أفصحتْ عنه نازلةُ التصفيةِ والطريقةُ التي بها جرتْ. ومع أنه بَاحَ بنفسه وبمخزونه الطائفي الحاقد من خلال طقوس الإهانة التي أدَّاها أمام الرئيس المغدور، إلاّ أنه ليس يجوز أخْذُ الجماعة الطائفية التي ينتسب إليها القَتَلَة بجريرةِ هؤلاء الأخيرين أو تحميلُها وِزْرَ أفعالهم. فإلى أن ذلك يمتنع بسبب امتناع احتساب القَتَلَةِ ممثلين للطائفة، ناطقين باسمها، فإن القول به لا يكون إلاّ قولاً طائفيا نقيضاً، أي على مثال جَمْعِ القَتَلَة إلى أهل المذهب. وكما يرتِّبُ ذلك على المتَّهَمِين بالجََمْع (الطائفة وأهل المذهب) تبعاتٍ سياسيةً وأخلاقيةً ليسوا مسؤولين عنها بالضرورة، وقد يدفعون أثمانها هنا أو هناك من بعض الموتورين الطائفيين الذين هُمْ في انغلاقهم وحقدهم على مثال القَتَلَةِ، فهو يرتِّبُ على مَن اتهموهم -في الوقتِ عينِهِ- التبعاتِ ذاتَها: المسؤولية السياسية والأخلاقية عن أيّ مكروه يصيبُ أبناء الجماعة المتَّهمة على وجه الجمْع والقطع...، وطبعاً بغير حقّ. والأسوأ من ذلك أن مَنْ يَبْغِي دقَّ الإِسفين بين الجماعتين المذهبيَّتَيْن والإيقاعَ بين أهلها، وهو الاحتلال في المقام الأول، يَجِدُ من يتبرَّع عليه من الفريقيْن بالموارد الكافية لتفجير العلاقة بينهما إلى آمادٍ بعيدة.

بهذا المعنى يكون دمُ صدام حسين -ورفاقه- في رقاب طائفيين ومذهبيين لا في رقبة طائفة ومذهب.

لم تكن إيران بعيدة عن عملية التصفية التي أوعزتْ بها لحلفائها في الداخل العراقي. و-في كلِّ حال- هي قَطَعَتِ الشكَّ باليقين حين صرَّحتْ بلسان من تكلَّم باسمها أن «العدالة الإلهية» نُفِّذَتْ في حقِّ الرئيس صدَّام. ولم تسأل «الجمهورية الإسلامية» نفسَها ولا سَأَلَها أحدٌ كيف يمكن ل«العدالة الإلهية» أن تُنَفَّذ على يد «الشيطان الأكبر»؟! كان مفهوماً أن لإيران ثأراً مع الرئيس صدَّام حسين الذي دمَّر طموحاتها الاقليمية المحمولة على فكرة «الثورةِ» المُعَدَّةِ للتصدير، ومرَّغَ جيشُهُ هيبةَ جيشِها وجرَّعها كأسَ السمّ بقبولها قرار وقف الحرب. ولكن كان مفتَرضاً أن تكون إيران قد انتقمت لكرامتها في ما مضى: حين سرقت للعراق أزيد من مائة من طائراته اللاجئة إلى مطاراتها؛ وحين عاد صدّام حسين إلى الاعتراف باتفاقية تقاسُم شطّ العرب في لحظةِ تَرَاجُعٍ اضطراريٍّ قُبيل الهجوم على العراق في العام 1991؛ بل حتى حين غزا الأمريكيون أرض الرافديْن وأسقطوا النظام، وقاموا بتصفية قواعد ومعسكرات منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية في العراق. غير أن ذلك لم يكن يكفي إيران كي يشفي غليلَها: كانت تريد رأس صدَّام حسين.

لم تكن إيران ترى في صدَّام حسين -حين أَوْعَزَتْ لحلفائها بتصفيته -مجرَّد رئيسٍ سقط نظامُه بعملية عسكرية أجنبية، وإلاّ كان أمرُهُ انتهى بالنسبة إليها (على ما في ذلك من حرجٍ أخلاقي يُفْتَرض أن يكون قد أصابها من إبداء الارتياح لسقوط رئيسٍ مسلمٍ على أيدي قوات «الشيطان الأكبر»!). كانت ماتزال ترى فيه خطراً جاثماً أو قادماً: عنواناً لِ«حزب البعث» وللمقاومة الوطنية ولعروبة العراق ووحدته الكيانية... ثم للسُّنَّة فيه. وهؤلاء جميعاً كانت إيرانُ حرباً عليهم وحرباً على ما يمثلونه ومَنْ يمثلونَه! ولقد خيِّلَ لها أنَّ تصفيةَ صدَّام حسين تصفيةٌ لكل هذه العناوين والمعاني في العراق ومقدمةٌ نحو إعادةِ اختراعِ عراقٍ جديد مقطوعِ الصلةِ بتاريخه وماهيته وبمحيطه العربي!

لكن الأسوأَ في التورط الإيراني في تصفية شهيد العراقيين والعرب والمسلمين أن طهران ارتضت أن تكون التصفيةُ في فجر يوم عيد الأضحى عند أهل السنة والجماعة، ولم تنصح حلفاءَها -وهي مَنْ هي في الذّكاء والدَّهاء- بتفادي هذا اليوم الحرام: يوم الوقوف في عرفات، لا لشيء إلاّ لأنها تريد أن توجِّه رسالةً إلى من يعنيهم الأمر. نقول ذلك آسفين ونحن نُبْغِضُ الطائفية والمذهبية ونمجّهما ونحسبهما أبشع ما ورثناه من تراثنا الديني والتاريخي وأفظع ما يقف اليوم حائلاً دون تحرُّرنا وتقدُّمنا وخروجنا من كهوف العصر الوسيط. ولكن ماذا لو كان مايزال هناك طائفيون ومذهبيون متعطشون للدم وجاهزون للفتنة؟! وماذا إذا كان لهؤلاء دول وجيوش ومليشيات وألسنةٌ وجمهور؟! مَن ذا الذي يصدّق أن ثمة مسلمين، في هذا العصر، يعتقدون أن «العدالة الإلهية» يمكن أن تنفَّذ ضدّ مسلمٍ من طرف «الشيطان الأكبر»، وأن تنفذ في فجر عيدٍ من أعياد المسلمين! ولا حول ولا قوة إلاّ بربّ العالمين.

وهؤلاء في رِقابهم دَمُهُ.

3

صُورتُهُ في مرآتيْن

تتنازع الحديثَ عن الرئيس صدّام حسين روايتان سياسيتان على طرفيْ نقيض. يَصْعُبُ على المرء أن يَعْثُر على نقطةِ تقاطُعٍ أو اشتراكٍ بينهما من فَرْطِ ما يقوم بينهما من تباعُدٍ في الحُكْم والتعريف. تقول الروايةُ الأولى إنَّ الرجلَ أقام نظاماً وطنيّاً، وأنجز مشروعاً تنمويّاً -اقتصاديا وعلميّاً وبشريّاً- وبنى قدرةً استراتيجيةً ذاتَ اعتبارٍ في الإقليم، والتزم سياسيةً عربيةً تضامنيةً في مجال التعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي والدفاعيّ ومواجهة المشروع الصهيوني، وتطلَّع إلى النهوض بدورٍ نهضويٍّ في المنطقة يستأنف ما كان قد بدأه جمال عبد الناصر في سنوات الخمسينيات. أمّا الرواية الثانية، فتذهب إلى أنه، على العكس من ذلك، أقام نظـاماً استبداديّاً تسلُّطياً، واقترف تصفياتٍ واسعة ضدّ معارضيه وقذف بهم في مقابر جماعية، وأَلْحَقَ الحيْفَ بالأكراد والشيعة وبمناطقهم في الشمال والجنوب والفرات الأوسط... إلخ.

لم يُكنِ البعثيّون العراقيون وحدَهم مَنْ ردَّدوا الرواية الأولى أو نشروها في الناس. شاركهُم عراقيون آخرون -وطنيون وقوميون وتقدّميون وقطاعات اجتماعية لا انتماءَ سياسيَّ لها- الروايةَ عينَها. وكان إلى جانبهم قسمٌ عريض من الرأي العام العربي (أحزاب، نخب، إعلاميون، عسكريون، رجال دولة، علماء دين...) يشاطرونهم التقدير نفسَه؛ وهو عين ما يقال عن كثيرٍ من السياسيين والمثقفين في العالم ممّن حسبوا نظامَ صدَّام حسين نظاماً تقدُّميا ومعادياً للامبريالية والصهيونية.

كما لم يكن معارضو هذا النظام من العراقيين -«الحاكمون» اليوم في بغداد- وحدَهم مَنْ ردَّدوا الروايةَ الثانية. كانت إلى جانبهم الدوائر الرسمية والإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسرائيل وإيران والكويت وبعض الإعلام العربي المرتبط بمراكز أمريكية وكويتية وإيرانية.

لنبدأ بالرواية الأولى:

يجد أصحاب هذه الرواية في تجربة حكم «حزب البعث» الكثير ممَّا يبرّر روايتهم. كرَّس صدَّام حسين نظام الدولة المركزية في العراق دون أن يتجاهل الحقوق القومية للكُرد (التي نُصَّ عليها دستوريا وأتى "قانون الحكم الذاتي" يعبّر عنها(2) وذهب بعيداً في صَوْن قرار تأميم الثروة النفطية وفي تسخيرها في عملية التنمية الوطنية؛ وبَنَى القاعدةَ الصناعية والعلمية الأكثر تطوراً في المنطقة؛ وحقَّق معدَّلاتٍ في التنمية البشرية غيرَ مسبوقة وخاصة في قطاعيْ التعليم والصحة؛ وسَعَى بنجاح في حيازةِ قدرةٍ استراتيجية في الميدان الدفاعي: من تطوير الجيش وتأهيله وتسليحه تسليحاً متطوراً إلى محاولة حيازة قدرةٍ نووية. وإنْ تَكُنِ الحربُ العراقية - الإيرانية (1980-1988) وحروب أمريكا وحلفائها عليه (1991-2003) قد دمَّرت تلك المكتسبات الصناعية والتنموية والاستراتيجية كافة وأعادتِ العراقَ إلى القرون الوسطى، فليس لذلك أن يَنْفِيَ حقيقَةَ أن مشروعاً توحيديّاً تنمويّاً قام في العراق -سنوات السبعينيات والثمانينيات- وحوَّلَهُ إلى دولة إقليمية كبرى ذاتِ اعتبار.

ويتصل بهذه المكتسبات الداخلية -في رواية المدافعين عن نظام الرئيس صدَّام حسين- نهجٌ نظير في السياسة العربية والدولية التزم به ذلك النظام وطَبَعَهُ بطابعٍ قوميٍّ وتحرُّري. فإلى أن النظامَ ذاك قام على الفكرة القومية العربية، وفي صيغةٍ من صيغ التعبير السياسيّ عنها، فقد أَبْدَى التزاماً بقضية فلسطين(3) لم يضارعْهُ التزامٌ عربيّ آخر بها منذ العهد الناصري، وقدراً من التضامن المادي (الاقتصادي والمالي) مع الشعوب والدول العربية الفقيرة(4) ومن التأييد الثابت لوحدتها الكيانية والترابية في وجه التجزئة ودعوات الانفصال(5)، ناهيك بسياسة التعاون العربي التي التزمها في مختلف الظروف. وإذا أضفنا إلى هذا كلِّه السياسة الخارجية الاستقلالية التي نهجها (ذلك النظام) في العلاقة بالقوى الدولية الكبرى، وموقفه المناهض للأحلاف الاستعمارية وسياسات الهيمنة الامبريالية، وتحالفُه الصريح مع حركات التحرر الوطني في العالم، اجتمعتِ الأسبابُ كافة لتعزيز رواية الذاهبين إلى تأييده أو إلى تقدير أدواره تقديراً مُنْصِفا.

يَطِيبُ لأصحاب هذه الرواية عن نظام الرئيس صدَّام حسين أن يَسْتَدِلُّوا على رأيهم بما تعرَّض له هذا النظام، منذ العام 1990، من عقابٍ قاسٍ ومدمّر: هل كان سيتعرَّض للحصار والحرب المديديْن لولا أنه حَمَلَ مشروعاً عرَّض مصالح الامپريالية والصهيونية للخطر؟ ثم ألمْ يكن دالاًّ أن يطال العقابُ رموزَ القوة والتنمية في العراق: الجيش، والسلاح الاستراتيجي، والبنى التحتية، والمصانع، ومراكز البحث العلمي، والعلماء... إلخ؟

أما أصحاب الرواية الثانية، فَيَجدون في المحاكمات السياسية، وحملة الأنفال، وإخماد الانتفاضة المسلحة في مارس 1991، وفي نظام الحزب الواحد، وتخوين "حزب الدعوة" وحظر نشاطه، وإعدام محمد باقر الصدر، وفي الحرب العراقية - الإيرانية، وفي الاجتياح العسكري للكويت... إلخ مادةً يستدلّون بها على سوء نظام الرئيس صدام حسين واستبداده ودوره في إضعاف العراق وتهيئتِهِ للغزو الخارجي والاحتلال، وقبل ذلك للحصار الطويل.

وتذهب الرواية الثانية أبعد من مجرَّد اتهام النظام بالتسلط والديكتاتورية: إلى اتهامه بالطائفية والعرقية الشوفينية. فهو أقام حُكْمَه على عصبية سنيّة(6) -يقول مناهضوه- واستبعد الشيعة وأهمل مناطقهم. وهو أغْلَظَ في قَمْع الأكراد لأنهم ليسوا عرباً (والكلامُ لمناهضيه). وعليه، كان دُفَنَاءُ «المقابر الجماعية» من الشيعة في الجنوب ومن الكُرْدِ في الشمال -تقول هذه الرواية- وكان الأخيرون قد قضى قسمٌ منهم بأسلحةٍ كيماوية في "حَلَبْجَة" على ما اتهمتْه به المعارضة («الحاكمة» اليوم). أمّا بناء النظام لجيشٍ قويٍّ وتطويرُ قدراته الدفاعية والاستراتيجية، فمن أجل أمجادٍ امبراطورية لصدَّام حسين على حساب جيران العراق -يقول مناهضوه- وعلى حساب التنمية في البلد. فيما كانتِ الأموال التي صَرَفَهَا دعماً للشعب الفلسطيني ومساعدةً للشعوب العربية الفقيرة منهوبةً من ثروة العراق التي هي حقٌّ حصْريٌّ للعراقيين في نظر معارضيه.

كان يمكن لهذه الرواية الثانية أن تكون ذاتَ حجَّةٍ قاطعة في حالتين: فيما لو نجحت المعارضة، بإمكانياتها الذاتية، في إسقاط نظام «حزب البعث» بثورةٍ شعبية وليس عن طريق الغزو والاحتلال من قوةٍ أجنبية معادية للعراق، ثم فيما لو نجحت هذه المعارضة (الحاكمة اليوم) في إجراء محاكمة نزيهة وعادلة -بعد زوال الاحتلال- للرئيس صدَّام وأثبتت بالقرائن المادية أنه أباد قرًى كردية بالسلاح الكيماوي فعلاً(7)، ورمى بمعارضيه في مقابر جماعية فعلاً. أما وأن دليلاً قضائيا لم يَقُم على ذلك، وأُزْهِقَتْ روحُ الرئيس سريعاً وفي قضيةٍ تبدو صغيرة جدّاً أمام لائحة الاتهام، فإن كلَّ ما قيل عن الإبادة والمقابر الجماعية سيظل محضَ اتهامٍ أو فرضية لم يَقُم عليهما دليلٌ، بل قد يعزّز اعتقادَ الموالين له من العراقيين والمناصرين له من العرب ومن أصقاع الأرض بأن المسألةَ ملفَّقةٌ برمّتها للإساءة إلى صورة الرجل وتبرير الغزو والاحتلال وما نَجَمَ عنهما. ففي غياب البيِّنَة والقرينة، لا يبقى سوى السؤال عن مدى شرعية الاتهام!

نسارع إلى القول، قطعاً لأيّ الْتباس، إن نظام الرئيس صدَّام حسين لم يكن ديمقراطيا، ولا كانتِ الديمقراطيةُ -بمعناها الليبرالي- من مفرداته السياسية أو ممَّا شكَّلَ ثقافةَ «حزب البعث». بل نذهب إلى القول إنه كان في غاية القسوة مع خصومه السياسيين (من شيوعيين وناصريين وأصوليين إسلاميين ومتمردين أكراد). ولم يكن موقفُه السلبي من الديمقراطية سمةً انفرد بها في عصره (حيث النُّظم المستبدة سائدة في الوطن العربي) أو تَميَّز بها عن ردائفه من الأنظمة الوطنية والقومية واليسارية في العالم، ذلك أن النخب السياسية التي حكمت، خلال القرن العشرين، باسم الوطنية أو الأمة أو الثورة أو الاشتراكية وقفت موقفاً سلبيا من الفكرة الديمقراطية إما لأنها ملهاة برجوازية مثلما اعْتَقدت، أو لأنها تُهدّد وحدة المجتمع والوطن بالانقسام السياسي الداخلي، أو لأنها تمنح أعداء الثورة حقّ التمثيل والمشاركة السياسية، أو لأن هناك أولويات أهمّ منها (التنمية، الاستقلال والتحرُّر، الوحدة القومية...)

لا يختلف نظام صدَّام حسين -في هذا الباب- عن الأنظمة التي أقامها لينين وستالين وماوتسي تونغ ودينغ كسياو بينغ وهوشي منه وفيديل كاسترو والماريشال تيتو وجمال عبد الناصر. جميعُها قام على رفض الحياة الديمقراطية الليبرالية (حرية الصحافة، التعددية السياسية...) مستنداً إلى فكرة الشرعية الثورية وإلى فكرة الحقوق الاقتصادية - الاجتماعية للمواطنين المكفولة من قِبَل الثورة (التعليم، الصحّة، الشغل، السكن...) بديلاً من الحقوق السياسية. تلك كانت ثقافةَ نخبٍ سياسية في حقبةٍ من التاريخ المعاصر اعتُبِرتِ الليبراليةُ فيها -في الاقتصاد كما في السياسة- شتيمةً وتهمةً تنال من شرف الثوريين وطهوريَّتهم. هل أخطأوا بموقفهم المعادي هذا؟ نعم أخطأوا بمعايير اليوم (التي لم تكن معايير أمس). ولكن، من ذا الذي يملك أن يَجْحد حقيقةَ ما صَنَعُوهُ من مكتسباتٍ لشعوبهم في مضمار البناء الاقتصادي وإشباع الحاجات الاجتماعية وتحصين وحدة الوطن والكيان؟

سيعترض مُعْترضٌ على مبدإ المقارنة بين سياسات صدَّام حسين وسياسات لينين وماوتسي تونغ وجمال عبد الناصر... إزاء المطالب الديمقراطية أو إزاء قوى المعارضة. هذا اعتراضٌ نفسيّ أو عاطفي وليس اعتراضاً سياسيّاً. أمّا إن كان مبرِّرُه عند المعترض هو أن نظام صدَّام حسين كان استبداديّاً شديدَ القسوة(8)، فمن المُحِقِّ القولُ إن نظام الرئيس جمال عبد الناصر كان أقلَّ قسوةً منه مع معارضيه، لكنه (نظام صدّام حسين نعني) كان أرحم من نظام ستالين وماوتسي تونغ وهوشي منه دون أن يشُكَّ عاقل في أن هؤلاء «القُسَاة» كانوا من أعاظم رجال العصر الحديث وأبطاله، ومن أهمّ رموز التحرّر الوطني والثورة فيه.

لكن الأهمّ في الموضوع ليس اتهام نظام صدّام حسين بالاستبداد أو بمجافاة القيم الديمقراطية بمعاييرها الليبرالية (الرائجة في التجارة السياسية هذه الأيام)، فذلك من قبيل تحصيل الحاصل؛ وإنما الأهمّ (هو) ما يُبْطِنُهُ ذلك الاتهام ويخشى الكشفَ عنه، وهو السؤال: لماذا كانت قسوةُ النظام شديدةً ضدّ معارضيه؟ أو قُلْ ما مسؤوليتُهم في حَمْل سياساته على ممارسة ذلك القدر من القسوة؟ سؤال لا يرغب أحدٌ من معارضي صدّام في طرحه لأنه يُعِيدُ تعديلَ الصورة... وقد يُبْطِلُ الاتهام!

حين تَحْمِلُ معارضةٌ السلاحَ في وجه الدولة، أية دولة في العالم، تَكْسِر قاعدةً قامت عليها الدولة الوطنية الحديثة هي احتكار هذه الأخيرة لما دعاهُ ماكس فيبر ب«العنف الشرعي». عندها مَن يضمن أن لا تَشْطَطَّ السلطةُ في الردّ على العنف الأهلي بعنفٍ مضاعَف؟ ماذا فعلتْ بريطانيا أو إسپانيا مع معارضاتها المسلحة والانفصالية غير ذلك؟ لا نبرِّر التسلّط والاستبداد والقمع، لكن نردِّدُ قاعدةً في السياسة لم تَحِدْ عنها دولةٌ في العالم وأوَّلها الديمقراطيات الغربية.

هوامش:

(1)راجع نصّ المحضر في المقابلة التلفزيونية مع الدكتور خير الدين حسيب التي أجرتْها معه محطة الـANb، والمنشورة على موقع المركز الإلكتروني (www.caus.org.lb).

(2)من المثير أن نظام «حزب البعث» في العراق -المتَّهم من قِبَل معارضيه بالديكتاتورية وبتصفية الأكراد- هو أول نظام عربي في التاريخ الحديث يعترف لجماعة قومية بحقوقها داخل الكيان الوطني وفي إطار نظام الحكم الذاتي في الوقت الذي تتعرض فيه حقوق نفس الجماعة القومية (= الكردية) للهضم والتصفية في تركيا وإيران!

(3)لا ينسى الفلسطينيون أنهم تلقوا الدعم المادي من العراق حتى في الفترات التي كان يعيش فيها تحت الحصار الأمريكي والدولي القاتل.

(4)مثل موريتانيا والسودان واليمن والصومال...

(5)مثل المغرب في مواجهة المشروع الانفصالي في مناطقه الصحراوية الجنوبية.

(6)من المثير أن المرجع الشيعي علي السيستاني نَفَى يوماً أن يكون نظام الرئيس صدّام حسين نظاماً طائفيا.

(7)يتساءل كثيرون عمّا إذا كانت تصفية الرئيس صدَّام محاولة لطيّ ملفّ ضرب الأكراد بالسلاح الكيماوي الذي اتهمتْ مصادرُ أمريكية في السابق إيرانَ بالقيام به!

(8)ولعلّ هذه القسوة سمة في العهود السياسية العراقية كافة. هل كان قليلاً ما ارتكبه عهد عبد الكريم قاسم والشيوعيين من جرائم سياسية قبل نيّف وأربعة عقود في حقّ الملكيين والقوميين؟


اضف تعليق
تعليقات


خيارات المقال